مفاهيم ومدارك

القولبة والتنميط | هلَّا أعدتَ النظر؟!

كنا نسير في شارع مظلم أنا وزوجتي عندما استوقفَنا شاب أسمر البشرة، أعتقد أنه جاء من دول الجنوب للعمل أو الدراسة.

اقترب بهدوء منا ممسكًا بورقة، وعلى وجهه علامات التوتر والحيرة، وبدأ في سؤالي عن عنوان ما، شرحت له الطريق وكيف يصل،
ثم ابتسم شاكرًا ورحل.

لكن خلال تلك الدقائق، كنت أشعر بمدى توتر زوجتي؛ كانت تمسك بذراعي بشدة ويداها ترتجفان، وما إن رحل حتى تنفست الصعداء،
ثم قالت: “ما كان يجب عليك أن تقف!”. 

رددت بدهشة: “لماذا، عزيزتي؟!”

أجابت: “لا أعرف، شعرتُ نوعًا ما بالخطر، ربما ارتبط لون بشرته في ذهني بأنه شخص سيئ!”.

ضحكتُ من قولها وقلت: “هذه الفكرة هي صورة نمطية نتاج أعوام من القولبة والتنميط”. 

ما هي الصورة النمطية؟ وماذا نعني بالقولبة الفكرية والتنميط؟ هذا ما سنعرفه في هذا المقال فهيا بنا…

ما هي الصورة النمطية (القولبة والتنميط)؟

دعني أطرح سؤلًا مهمًا -عزيزي القارئ- قبل أن أشرح لك معنى هذا المصطلح، ماذا يجول في خاطرك عند قولنا أنك بصدد مقابلة شخص صيني؟ وما تصورك عنه؟

أراهن أن ذهنك رسم صورة لشخص قصير أبيض البشرة ذي عينين ضيقتين، أليس كذلك؟ تلك الصورة التي وصفته بها هي بعينها الصورة النمطية.

لذا يمكن تعريف الصورة النمطية بأنها تلك الصورة الذهنية التي تظهر في عقلنا عند ذكر مجموعة من الأفراد المختلفين عنا في الفكر، أو العرق، أو الجنس، أو الدين. 

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

تلك الصورة التي تحاول وضع وصف معين في إطار نمطي عادةً يتفق عليه معظم الأشخاص في المجتمع الواحد،
وعادةً ما تكون تلك الصورة سلبية. 

حسنًا، كيف تنشأ تلك الصورة؟ وما هي طبيعتها؟ هذا ما سنشرحه في الفقرة التالية…

طبيعة القـولبة والتنميط وأسبابهما

طبيعة القـولبة والتنميط وأسبابهما

نتعامل -نحن البشر- مع كم هائل من الأفكار والمعلومات والتوجهات، والتي تخص أفراد نفس المجتمع أو المجتمعات الأخرى على حد سواء.

ومن خلال كل تلك المعلومات، يبدأ عقلنا في تكوين قوالب مجهَّزة وصور نمطية وثابتة تجاه الآخرين، فيما يعرَف بـ”الإطار المعرفي”.

تلك الصور النمطية يُعتقَد أن عقلنا يَعُدها اختصارًا تُحدَّد من خلاله طريقة التعامل المُثلَى مع كل ما هو غريب ومختلف عنه.

باختصار، يجمِع العلماء على أن القولبة هي نتاج عدة عمليات ذهنية أساسية يقوم بها العقل بشكل يومي، مثل: الانتباه،
والتذكر، والاستدلال.

وأعني بها تلك العمليات التي يحلل بها عقلنا المعطيات التي تمنَح له من خلال النظام الاجتماعي المحيط به، ومن أشهر قنواته:

  • التلفاز

من خلال ما تعرضه علينا تلك الشاشة، نتعرف إلى الكثير من طبائع وأفكار وعادات العديد من الأشخاص الذين لم تتَح لنا الفرصة للتعامل معهم.

  • القصص الشعبية

هل تعرف قصة القرية التي أطعمت كل مَن كانوا بالقطار الذي توقف عندهم؟ بالطبع أعنى القصة المعروفة بقطار الشرقية.

تلك القصة التي بنِيَت عليها الصورة النمطية عن كرم أهل الشرقية، ويبرِز هذا دور القصص والموروثات في تشكيل القولبة والتنميط.

كل هذا بجانب نظام التعليم، وأخيرًا -وليس آخرًا- التجربة العملية التي يخوضها الشخص خلال حياته، والتي ترسِّخ تلك الصورة أو تنفيها.

ونستنتج بناءً على هذا أن الصورة النمطية مكتسَبة، وتستند للعديد من الأشياء التي ذكرناها مسبقًا، لكن بعض العلماء كان رأيهم مختلفًا.

يعتقد بعض العلماء أن الصورة النمطية ما هي إلا مجرد انعكاس لصفات المرء الشخصية؛ فربما يَصِم أحدهم فئة ما بالتعصب،
ويخوض صراعًا معهم ليس لأي سبب سوى أنه يكره نفس الصفة في نفسه. 

أنواع القـولبة والتنميط

أنواع القـولبة والتنميط

يقسِّم علماء النفس القولبة الفكرية والتنميط إلى عدة أنواع، أشهرها:

  1. القولبة العرقية (Racial Profiling)

ويعَدُّ هذا أشهر مثال على القولبة، وأكثرها انتشارًا في العالم أجمع، وقد أجرِيَت العديد من الدراسات التي حاولت تأكيد وجودها.

ففي أوائل القرن التاسع عشر، أجرى العالمان الشهيران كاتز وبارلي (Katz & Barely) تجربة لإثبات وجود التنميط، وقدَّما خلالها استبيانًا لمجموعة من طلاب الجامعة به قائمتان:

  • واحدة تحتوي على مجموعة من الأعراق والجنسيات المختلفة.
  • والأخرى تحتوي على مجموعة من الصفات.

طُلِب بعدها من الطلاب كتابة 4 أو 5 صفات تشير إلى كل عرق، وكانت النتيجة أن تشابهت اختياراتهم، مما يدل على إجماعهم على نفس الصورة النمطية.

  1. القولبة بناءً على الجنس (Gender Profiling)

عانت النساء في المجتمعات والعصور المختلفة بسبب آثار القولبة وتبعاتها الظالمة، وإليك مثالين على القولبة الجنسية:

  • النساء أقل ذكاء من الرجال.
  • النساء لا مكان لهن في سوق العمل، وكل ما يجِدنَه هو أعمال المنزل ورعاية الأطفال.
  1. القولبة بناء على ثقافة المجتمع (Cultures)

فيطلق بعضهم نفس الأحكام على كل الأفراد الذين يعيشون في دولة واحدة. وهناك العديد من الأمثلة على هذا النوع من القولبة والتنميط، منها:

  • اعتقاد الغرب أن المسلمين والعرب ليسوا إلا مجموعة من الإرهابيين يركبون الجمال، ويعيشون في الصحراء.
  • اعتـقاد أن الأسيويين هم الأكثر ذكاءً في الرياضيات والعمليات الحسابية.
  • اعتقاد البعض أن معظم سكان جنوب أفريقيا سود البشرة فقط.

بعدما تحدثنا عن تعريف مصطلح الصورة النمطية، وفهمنا طبيعتها وأسبابها، واستفضنا في شرح أكثر من مثال على القولبة،
نتجه في الفقرة التالية إلى فهم تأثيرها…

التأثير السيئ للقولبة والتنميط 

ربما تكون القولبة هي الطريقة التي يستخدمها عقلنا لتسهيل فهمنا للعالم المحيط بأفراده المختلفين عنا، لكن لها آثارًا بالغة السوء،
منها:

إحدى أشهر الأسباب التي تقف وراء ظاهرة التنمر -خاصة بين المراهقين والأطفال- هي الصورة النمطية والمشوَّهة التي تكونها القولبة.

تتسبب القولبة والصورة النمطية الخاطئة في خلق شعور التحقير والتقليل من شأن الآخرين، وقد لا يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فقد يصل الأمر للعنف، وقد يخسر البعض أرواحهم!

  • عدم تكافؤ الفرص 

فالتعميم الذي تخلقه القولبة يساهم في فقدان بعض الأشخاص لفرص يستحقونها، سواء على مستوى الدراسة أو العمل.

يعاني الكثير من الأشخاص حالة عامة من القلق والتوتر، خلِقَت بسبب القولبة والنمطية اللتان يعيشون بسببهما خوفًا دائمًا على شكل مستقبلهم، وحياتهم، ونظرة المجتمع المحيط لهم.

وقد أكدت إحدى التجارب -التي أجرِيَت في نهاية القرن الفائت- هذا التأثير، فقُدِّم استبيان لمجموعة من النساء الأسيويات بعد أن قُسِّمنَ لثلاث مجموعات:

  • المجموعة الأولى: ذُكِّرنَ بهويتهن الأسيوية ومدى تفوقها.
  • المجموعة الثانية: ذُكِّرنَ بهويتهن الأنثوية.
  • والمجموعة الثالثة: كانت مجموعة القياس.

وأتت النتيجة بتفوُّق المجموعة الأولى عن الثالثة، وانخفاض أداء المجموعة الثانية عن الثالثة، مما يشير لتأثير التوتر والقلق الناتجين
عن القولبة.

في الختام…

أودُّ يا صديقي لو أنك استطعتَ إعادة النظر مرة أخرى في كل الصور النمطية، والأحكام التي ساهمَت في تكوينها القولبة والتنميط.

أودُّ لو أنك تركتَ كل هذا جانبًا ونظرتَ لكل شخص تقابله على أنه شخص فريد؛ يمكنك التعرف إليه واكتشافه دون تحيز أو أحكام مسبقة تؤثر فيه!

المصدر
Stereotype Examples: 5 Common TypesHow to Beat Stereotypes by Seeing People as IndividualsWhat is a Stereotype? What is Stereotyping?Stereotypes: Definition, Nature and Causes |PsychologyStereotypes
اظهر المزيد

د. مروة إسماعيل

مروة إسماعيل صبري، طبيبة بيطرية وكاتبة محتوى طبي، مهتمة بالبحث في مختلف العلوم الطبية وتبسيطها وإثراء المحتوى الطبي العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى