مفاهيم ومدارك

القيادة التربوية الناجحة | ما خفي من تفاصيل أعظم!

القيادة التربوية الناجحة… اسم يتردد كل يوم في مؤسسات تعليمية عديدة!

كثيرٌ منا لا يعرف الكثير عن تفاصيل هذا المفهوم، بل ربما يسيء فهم بعض النقاط به.

إن القيادة التربوية الناجحة أحد أهم الأسس لبناء مجتمع تعليمي ناجح ومتنافس. وهي ذات مفهوم كبير، تفاصيله عميقة، وأساليبه متنوعة.

مرحبًا بك -عزيزي القارئ-، نلتقي اليوم في ترياق آخر والحديث عن: القيادة التربوية، ونظرياتها وأنماطها، ومهاراتها، وشروط نجاحها.

احزم الأمتعة جيدًا… رحلتنا العميقة أوشكت على الانطلاق!

نظريات القيادة التربوية

ينبغي لنا معرفة مفهوم نظرية القيادة التربوية قبل الخوض في تفاصيل هذه النظريات وأسمائها.

ويُبنى مفهوم النظرية التربوية على اهتمامها بدراسة المهارات والخصائص التي يجب أن يتمتع بها القائد التربوي الناجح، وعد تلك المهارات والخصائص مرجعًا لقيادة تربوية ناجحة. 

ونذكر هنا أهم نظريات القيادة التربوية الناجحة:

نظرية الرجل العظيم I القائد يولد هكذا!

تعتمد نظرية الرجل العظيم على فكرة أن القائد الناجح يولد بصفات قيادية، ولا يستطيع غيره من الناس اكتساب تلك الخصائص.

وقد انتشرت هذه النظرية في القرن التاسع عشر، وأكدت أن القيادة هي خاصية وراثية وليست مكتسبة…

أي: إن هذا القائد لديه صفات طبيعية مثل: الذكاء والشجاعة والثقة وسرعة البديهة، وتلك الصفات هي التي تميزه عن غيره. 

نظرية السمات

تخبرنا مفاهيم نظرية السمات بأن القائد الناجح يمتلك بعض الخصائص الطبيعية التي تجعله هكذا، ولكنها تحذر أن امتلاك الإنسان لبعض تلك الخصائص ربما لا يصنع منه قائدًا ناجحًا.

 أي إن بعض القادة مستمعون واجتماعيون جيدون، ولكن ليس كل شخص مستمع أو اجتماعي جيد يمكن أن يكون قائدًا ناجحًا. 

بمعنى آخر: كل “قائد” لا بد أن يكون لديه تلك الصفات، والعكس غير صحيح.

النظرية السلوكية

تعارض “النظرية السلوكية” كلًّا من “نظرية الرجل العظيم” و”نظرية السمات”؛ إذ تركز على أن بيئة الشخص هي ما تجعله قائدًا ناجحًا وليست قدراته الطبيعية.

ويعد التكيف أحد أهم المفاهيم المفتاحية للنظرية السلوكية، أي: يتصرف الإنسان بشكل معين تجاه البيئة المحيطة.

نظرية الإدارة العلمية (المعاملات)

نظرية الإدارة العلمية -أو “نظرية المعاملات”- هي نظام من المكافآت والعقوبات. تفترض النظرية أن القيادة التربوية الناجحة يجب أن تركز على النتائج بعد الأخذ بكافة المعطيات والأسباب (هرم النتائج). 

وتعتمد الإدارة والنظام كأهم أولوياتها قبل المهارات والإبداع؛ إذ تعُدهما من أهم أسس نجاح القيادة.

نظرية الصلة (نظرية المناسبة)

تركز نظرية الصلة على العلاقة الإيجابية والحسنة بين القائد الناجح وأعضاء فريقه، كأحد أهم أسباب القيادة التربوية الناجحة.

ويُعد القائد -وفقًا لهذه النظرية- مثالًا وقدوةً لأعضاء فريقه الذين يسيرون على خطاه، ويستمر هو -في المقابل- في تحفيزهم وتشجيعهم في سبيل تحقيق النتائج المرجوة.

النظرية الظرفية

لا تعتمد النظرية الظرفية على قانون معين لتمييز القائد التربوي الناجح عن غيره.

ولا تركز على نمط معين في سبيل تحقيق القيادة التربوية الناجحة…

ولكن تعرف القائد التربوي الناجح بأنه الشخص الذي يستطيع أن يكيف نمط تعامله بناء على الموقف المُواجِه.

أي أنه يحدد ما إذا كان الموقف يتطلب شخصًا مقنعًا أو قياديًا أو اجتماعيًا أو ناصحًا ويختار الأنسب من بينهم ويؤدي دوره.

وإذا أردنا أن نلخص صفات القائد الناجح في كلمات محدودة (يُعرَف القائد التربوي الناجح بمرونته في التعامل).

أنماط القيادة التربوية 

يمكن لأنماط القيادة التربوية المتبعة في التعليم أن تكون سببًا مهمًّا في خلق بيئة إيجابية في المؤسسات التعليمية، سواء كانت المدارس أو الجامعات أو حتى رياض الأطفال.

وتؤتي هذه البيئة الإيجابية ثمارها عبر تحسين نتائج الطلاب وزيادة رغبتهم بالتعليم. 

ولذلك؛ جمعنا لك -عزيزي القارئ- أهم أنماط القيادة التربوية:

القيادة التعليمية

ذُكر في تقرير نشرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن: «إدارة المؤسسات التعليمية الناجحة نتاج اتباع نمط القيادة التعليمية»…

ويركز هذا النمط من القيادة التربوية على الأسس التالية:

  • التركيز -بشكل عام- على النتائج عبر تحسين جودة التعليم المقدمة وتطويرها.
  • التخطيط السليم، والتقييم المستمر، وتحسين التعلم والتعليم وتكييفهما (استخدام خوارزميات الحاسوب لتنظيم التفاعل بين المعلم والمتعلم وتقديم أنشطة التعلم لتلبية احتياجات كل طالب).
  • الاستمرار في بذل النصح والتوجيه للطلاب والمعلمين حول كيفية الاستفادة القصوى من الموارد المتوفرة.
  • تطوير قدرات المعلمين والمسؤولين في مختلف المجالات، وإكسابهم مهارات الإدارة الجيدة والقيادة الناجحة.
  • حل المشكلات واتخاذ القرارات المناسبة، دون إلحاق الضرر بأي طرف -سواء المعلم أو الطالب.

القيادة التحويلية

ينتهج كثير من القادة الناجحين نمطًا آخر يسمى القيادة التحويلية، ويعتمد هذا النمط على العمل التعاوني بين أفراد المنظومة الواحدة.

ويمكن أن نلخص دور القيادي التربوي الناجح في نقطتين:

  • منح أعضاء الفريق والطلاب مساحة من الحرية في التعبير عن آرائهم في القرارات، والمشاركة في اتخاذها وتحديد الأهداف.

ولهذا الإجراء أثر كبير؛ إذ يغرس ثقافة الإبداع بين أعضاء الفريق والروح التنافسية العالية بينهم.

  • إظهار الثقة والوفاء وتقدير الآخرين، مما يعزز من دوافع المعلمين والطلاب ويحسن أداءهم. 

وهذا ما يعرف بـ “الكاريزما” و”الذكاء العاطفي”.

إذ يستطيع القادة الناجحون إدارة مشاعر غيرهم نحو الإيجابية، واستخراج أفضل نسخة منهم بخطوات بسيطة من خلال طريقة تعاملهم.

القيادة البنائية

يعتمد نمط القيادة البنائية على تسهيل عملية التعلم بدلًا من توجيهها، عبر عدة نقاط:

  • تشجيع عملية مشاركة الأفكار، من خلال تصميم مناهج تفاعلية متحديةً كل أنماط القيادة التربوية التقليدية الأخرى.
  • غرفة الصف أو مكان التعلم يغلب عليه المشاركة البنّاءة من المعلم والطلاب.
  • دمج المدرسين في ثقافة التعلم (تغيير ثقافة المدرسة من التقليدية الهرمية إلى المشاركة والعمل التعاوني) وتمكين الطلاب من خوض مغامرات.

القيادة الخدمية

يتخلى نمط القيادة الخدمية عن مبدأ الاعتماد على الذات، وتؤكد على ضرورة المساعدة من الآخرين في إنجاز المهام.

أما عن القيادي الناجح في هذا النمط، فإنه يجب أن:

  • يبادر لمساعدة الآخرين وخدمتهم قبل خدمة نفسه.
  • يساعد الطلاب والمعلمين على تطوير مهاراتهم ومن ثم تحسين أدائهم.
  • يركز بشكل أساسي على سير العملية التعليمية وتحسينها مع ملاحظة النتائج،
  •  يكون علاقات جيدة مع الطلاب والمعلمين باستمرار.
  • إقناع الطلبة والمعلمين بأهمية التطوير الذاتي المستمر في تحقيق رؤية المؤسسة التعليمية.
  • وآخر النقاط، يخبر رئيس مركز القيادة الخدمية (روبرت غرينليف) عن 10 صفات للقيادي التربوي الخدمي، وهي: الاستماع، والتعاطف، والمواساة، والوعي، والإقناع، ووضع المفاهيم الصحيحة، والرؤية المستقبلية، والإشراف الجيد، والالتزام بتطوير شخصية الآخرين وتحسينها، وبناء المجتمع.

القيادة الاستراتيجية

التخطيط على المدى البعيد هو ما تتوجه إليه القيادة الاستراتيجية، إذ ينبغي للقيادي التربوي الناجح في هذا النمط اتباع ما يلي:

  • تقييم وضع المؤسسة الحالي وأدائها، واتخاذ خطوات وقرارات ضرورية لتحسين النتائج المستقبلية.
  • وضع خطة العمل تفصيليًا للتحرك بناءً عليها، مع الحفاظ عليها مرنة قابلة للتعديل حسب تطور النتائج.
  • ديمومة البحث والتقصي عن خطوات إبداعية ومبتكرة؛ لتحسين بيئة المؤسسة وتحقيق تقدمها.
  • الاستثمار مع الشركاء في بيئة المؤسسة وتجميع الخطط والأفكار المشتركة لإنشاء مؤسسة ناجحة قائمة على القيم والشفافية والمحاسبة والمسؤولية.

مهارات القيادة التربوية

تخضع المؤسسات التعليمية يوميًا للعديد من الضغوط الكبيرة في سبيل استمرار تحسين خدماتها وتطويرها.

وهنا يأتي دور القيادي التربوي العظيم صاحب المهارات الجمة؛ لبناء الخطط ووضع الأمور في نصابها، والحصول على أفضل نسخة من العاملين في المؤسسة.

جمعنا لك -عزيزي القارئ- أهم 10 مهارات يجب أن يمتلكها القيادي التربوي الناجح:

  1. فهم احتياجات الطالب: ملاءمة المناهج لاحتياجات الطالب في حياته العملية والبيئة المستقبلية؛ مما يضمن نجاحه الباهر وإنجازه.
  2. القدرة على تنفيذ تحولات جذرية: وضع خطط وبرامج تضمن حصول الطالب على تعليم عميق ودائم -قدر الإمكان.
  3. فهم الأدوات اللازمة لتنفيذ خططه: تحديد الأدوات المختلفة اللازمة لتطوير العملية التعليمية للطلاب ومهارات المعلمين، وتحسينها.
  4. الرغبة مع القدرة على إعادة تشكيل ثقافة المؤسسة: وضع خطط بعيدة المدى بنتائجها المرجوة بشرط أن تكون في حدود إمكانيات المؤسسة وكادرها.
  5. الالتزام بالتحسين عالي الجودة: تحديث طرق التدريس باستمرار، إذ تكون معاصرة للوقت الحالي، مما يضمن الموازاة مع المنافسين.
  6. معرفة أفضل الطرق لدعم الطاقم التعليمي.
  7. امتلاك بوصلة أخلاقية: يحافظ القيادي الناجح على مصلحة الطالب كأولوية عند اتخاذ قرار ما، ويحافظ على علاقة اجتماعية قوية معه.
  8. دراسة الجدوى: يتمتع القيادي بالقدرة على قياس النتائج المحققة ومقارنتها بالنتائج المرجوة وتحديد مدى نجاحها في تحقيق الأهداف.
  9. دائمو التحديث: يستخدمون أدوات وبرامج جديدة -طالما أثبتت فاعليتها- في تنفيذ خططهم.
  10. الذكاء العاطفي: الحفاظ على العلاقات القوية مع الطلاب والمعلمين والمجتمع.

القيادة التربوية الناجحة

هل ترغب في أن تصبح قياديًا تربويًا ناجحًا؟

إليك أهم الخصائص للوصول إلى هدفك المنشود بطريقة مثلى:

  • الصراحة والنزاهة في التعامل.
  • الثقة بالمسؤولين والطلاب، وتشجيعهم.
  • اجتماعي: يتواصل بشكل جيد جدًا مع الطلاب والعاملين، وينصحهم ويتفهم مشكلاتهم ويقترح حلولًا لها.
  • ذو طاقة إيجابية: متفائل دائمًا، ويمنح المحيطين به شعورًا بالأمل والتحفيز.
  • واثق من نفسه: قادر على مواجهة المشكلات المختلفة وتقديم الحلول المنطقية لها، ويناقش الآخرين بكل وضوح مستندًا إلى مبادئه وقيمه الثابتة.
  • متعلم ومعلم: يبحث بشكل دائم عن الورشات التدريبية والدورات التطويرية في سبيل معاصرة الأساليب الحديثة للقيادة.
  • مبتكر ومبدع: يفكر دائمًا خارج الصندوق، ويحدث خططه باستمرار بناءً على المعطيات، ويأتي بحلول إبداعية وجميلة للمشاكل المستعصية.
  • سريع البديهة: قادر على حل المشاكل بحكمة ويسر عبر علاقاته الجيدة مع المسؤولين والطلاب وتفهمهم جيدًا (الذكاء العاطفي).
  • ملهم: يضفي روح الإلهام والتحفيز على الجميع عبر خطاباته المثيرة، وكلماته المهيبة، وشخصيته القيادية.

القيادة التربوية الحديثة

يتطور العالم بشكل هائل جدًا، إذ تُبتكر يوميًا المئات من الأشياء الخفية والآلات الحديثة والخطط الاستراتيجية الناجحة.

وفي غضون حديثنا، نسمع يوميًّا عن أمثلة ونماذج لقيادات تربوية ناجحة بامتياز، ويقترن ذلك الامتياز -غالبًا- باتباع أساليب جديدة وحصرية.

ونذكر هنا أهم الأنماط المتبعة لبناء قيادة تربوية حديثة:

  • القيادة الودية وليست التسلطية: يمكن أن يتعامل القيادي بشكل قسري في حالات نادرة، مثل: الضغوط الشديدة أو الإهمال المتكرر.

ولكن يجب الحذر أن التسلط لا يؤتي ثماره إذا استمر، بل يجب أن يكون مرنًا وودودًا في تعامله مع المسؤولين والطلاب.

للمزيد حول الفرق بين القيادة والتسلط؛ اقرأ هنا: الفرق بين القيادة والتسلط

  • الحزم في اتخاذ القرارات وعدم التهاون في تنفيذها: تخبر المجلات العالمية أن تنصيب قيادي تربوي يتمتع بشخصية رسمية في تعاملاته يمكن أن يزيد من كفاءة العمل المُتقن، ولا تعني الرسمية عدم التهاون أو سوء التعامل مطلقًا.

ويفضل أن يكون القيادي ذا خبرة ودرجة تعليم أكبر من المعلمين والمسؤولين؛ أما إذا حدث العكس أو تساووا في ذلك، من المرجح التهاون في الاستماع إلى تعليماته؛ ومن هنا تبدأ الآثار السلبية في الظهور.

  • التعاون ومساعدة الآخرين تعبيرًا منه عن تواضعه وتضامنه، في سبيل إتقان العمل بأعلى كفاءة.
  • الديمقراطية: منح المسؤولين والطلاب مساحة من الحرية للمشاركة في اتخاذ القرارات، وتقييم النتائج، إضافة إلى تقييم أدوار القيادي والمسؤول باستمرار.
  •  متابعة سرعة الأداء ودقته: وضع الخطط المناسبة لإتمام المهام في وقتها، وإقرار الجوائز وتحديد العقوبات المعقولة حال الفشل في إنجازها.
  • تنفيذ التدريبات باستمرار: يعتني القيادي بتنفيذ ورش تدريبية وأنشطة جماعية باستمرار، مما يطور ومن قدرات الطلاب والمسؤولين ويحسنها بشكل كبير، وهو ما يجعلهم قادرين دائمًا على إتمام مهامهم وهم في سعادة غامرة وبكفاءة عالية.

نيلسون مانديلا يصدح!

يقول (نيلسون مانديلا): 

“التربية والتعليم هما أكثر سلاحين على الإطلاق تستطيع أن تغير بهما العالم.”

وعلى غرار ذلك، لا نستطيع أن نبني نظامًا تعليمًا وتربويًا صحيحًا دون اتباع أسس وتفاصيل القيادة التربوية الناجحة.

ها نحن نصل -عزيزي القارئ- إلى نهاية رحلتنا العميقة لهذا اليوم، ترقبنا في ترياق آخر في مرة قادمة.

المصدر
6 Leadership Theories for Career Growth5 Effective leadership styles in educationSix Highly Effective Education Leadership Styles
اظهر المزيد

Younis Elijla

"أنت دخلت جحيم الطب، ولن تستطيع فعل شيء سوى الدراسة ثم الدراسة ثم الدراسة"، كلمات سمعتها كثيرًا، ولكن لم أؤمن بها في يوم من الأيام، إذ يسعى الإنسان حثيثًا إلى إثبات وجوده وجودته من خلال هوايات أخرى، أنا يونس عبد الحكيم العجلة، طالب في كلية الطب البشري في الجامعة الإسلامية غزة – فلسطين، وكاتب محتوى ومترجم طبي، أطمح دائمًا لنقل علوم المعرفة الطبية من مصادرها الموثوقة وتبسيطها باللغة العربية؛ حتى تُفهم من قبل كافة الناس بشكل سليم، إضافة إلى الرقي بمستوى المحتوى الطبي العربي بطريقة حضارية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق