مفاهيم ومدارك

الكآبة النفسية | وجه الحياة المظلم!

«في ليالي الشتاء الباردة، أصبحت حياتي كالجحيم؛ لم أكن أرى سوى الظلام من حولي! 

فقدت الشغف بكل شيء، حتى إن أفضل ذكرياتي لم تعد تسعدني كما كانت، بل أصبحت أراها حملًا زائدًا على عقلي.

ابتعد عني أصدقائي، وكدت أفقد عملي، أصبحت محبًّا للعزلة وكارهًا الحديث مع الناس، حتى مع زوجتي -وهي أقربهم إلى قلبي!

لم أشعر بالتحسن إلا بعد ذهابي إلى الطبيب النفسي، الذي أخبرني أني أعاني الكآبة!» 

دعونا نتحدث في مقالنا هذا عن واحد من أكثر الأمراض النفسية شيوعًا، ألا وهو: الكآبة النفسية.

سيدور الحديث حول مفهوم “الكآبة النفسية”، وأعراضها وأنواعها، وأسبابها وطرق علاجها…

ما مفهوم الكآبة في علم النفس؟

تُعرف الكآبة في علم النفس بأنها تغيُّر في المزاج، يؤدي إلى شعور مستمر بالحزن وفقدان الشغف.

يؤثر الاكتئاب في طريقة تفكير الأشخاص وسلوكهم، وقد يؤدي إلى معاناتهم العديد من المشكلات الصحية الجسدية، ومن ثم عدم قدرتهم على ممارسة أنشطتهم اليومية التي اعتادوا ممارستها من قبل.

وقد يصل الأمر بمن يعانون الكآبة النفسية إلى شعورهم بفقدان معنى الحياة، والميل إلى الانتحار.

هل هناك فرق بين الكآبة والحزن؟

قد يكون الشعور بالحزن واحدًا من الأعراض الأساسية للاكتئاب، ولكن بالتأكيد هناك فرق بين “الكآبة” و”الحزن”؛ فما ذلك الفرق؟

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

الحزن شعور طبيعي يصيب الإنسان عندما يتعرض لموقف يجعله يشعر بالضغط النفسي أو إحساس الفقدان، مثل: وفاة شخص عزيز عليه، أو فقدانه وظيفته، أو رسوبه في امتحان، أو غير ذلك.

بالإضافة إلى المشكلات الحياتية، مثل: الانفصال عن شريك الحياة، أو التعرض للإفلاس، أو الخذلان من أحد الأصدقاء.

وعلى عكس الكآبة، لا يستمر الحزن مدة طويلة وسرعان ما يزول. 

ومن أهم الأمور التي تميِّز الحزن عن الكآبة أن الشخص يستطيع التعبير عن حزنه، وإفراغ الطاقة السلبية التي اعترته في البكاء -مثلًا- أو التحدث مع أحدهم كوسيلة لتنفيس ما بداخله، وهذا غير موجود في حالة الاكتئاب؛ إذ يميل الشخص عادة إلى العزلة.

ولكن، إذا استمر الشعور بالحزن مدة طويلة، فقد يكون عرضًا من أعراض الاكتئاب التي تستلزم طلب المساعدة.

ولنتعرف أكثر إلى الفرق بين الكآبة والحزن، دعونا نتحدث عن أعراض الاكتئاب بشيء من التفصيل…

ما أعراض الإصابة بالكآبة؟

تختلف الأعراض باختلاف الجنس والمرحلة العمرية؛ إذ نجد أن النساء أكثر عرضة للإصابة، وأن نسبة إصابة الأطفال وكبار السن هي الأقل.

ومن المهم معرفة الحالة الصحية العامة للأشخاص قبل تشخيصهم بمرض الاكتئاب؛ إذ إن هناك بعض الأمراض التي تتسبب في ظهور أعراض تشبه أعراض الاكتئاب، ومنها:

  • أمراض الغدة الدرقية.
  • أورام الدماغ.
  • نقص الفيتامينات.

أعراض الإصابة عند البالغين

  • الشعور بالحزن الشديد، والفراغ وفقدان الأمل.
  • الإحساس الدائم بالإحباط، والغضب والانزعاج الشديد حتى من أبسط الأمور.
  • فقدان الشعور بالسعادة والاهتمام، والعزوف عن الأنشطة الطبيعية المختلفة، مثل: ممارسة الجنس مع شريك الحياة أو ممارسة الهوايات أو الرياضة.
  • مشكلات النوم، مثل: الأرق أو النوم مدة طويلة.
  • التعب والإحساس بالخمول والكسل، وعدم القدرة على الإنجاز.
  • اضطراب الشهية، مما يؤدي إلى فقدان الوزن أو اكتسابه.
  • القلق، والشعور المستمر بالذنب وتأنيب الضمير.
  • التفكير المستمر في الموت، والميل إلى الانتحار.
  • بعض الأعراض الجسدية، مثل:  آلام الظهر والصداع.

أعراض الإصابة عند الأطفال والمراهقين

تتشابه الأعراض لدى الأطفال والمراهقين مع الأعراض لدى البالغين، ولكنها تختلف عنها في بعض الأشياء، مثل:

  •  الأوجاع والآلام المتفرقة في الجسم.
  • رفض الذهاب إلى المدرسة.
  • فقدان الشهية وانخفاض الوزن بشكل ملحوظ.

وتتمثل أعراض الكآبة عند المراهقين في ضعف أدائهم الدراسي، بجانب الإفراط في تناول الطعام والنوم، وتجنب المناسبات الاجتماعية. 

وقد يميلون إلى تعاطي المخدرات وشرب الكحول، وربما يؤذون أنفسهم.

أعراض الإصابة عند كبار السن

تقل نسبة الإصابة بالاكتئاب عند كبار السن، ومع ذلك لا بد أن نعيرهم اهتمامًا بالغًا؛ إذ إن إصابتهم بالكآبة تؤثر فيهم أكثر من غيرهم.

لا تختلف أعراض الإصابة عند كبار السن عن الأعراض السابق ذكرها، ولكن هناك بعض الأعراض الأخرى التي تظهر عليهم بشكل ملحوظ، مثل:

  • مشكلات في الذاكرة.
  • تغير ملحوظ في الشخصية.
  • حب العزلة والبقاء الدائم في المنزل.
  • زيادة التفكير في الانتحار.

ما أسباب الكآبة النفسية؟

يُصاب بالاكتئاب ما يقرب من 6.7% من البالغين سنويًّا، طبقًا لآخر إحصائيات المنظمة الأمريكية للصحة النفسية.

وعلى الرغم من ذلك، فقد يعاني العديد من الأشخاص الكآبة بدون سبب واضح؛ إذ لا توجد دراسات -حتى الآن- تبيِّن أسباب الإصابة بها.

ومع ذلك، يعتقد العلماء أن هناك بعض العوامل التي يمكن أن يكون لها دور في الإصابة بالاكتئاب، ومن أشهر هذه العوامل:

الجينات الوراثية

يعتقد العلماء أن الجينات الوراثية لها دور في الإصابة بالكآبة؛ إذ وُجد أن نسب الإصابة تزداد إذا كان أحد أفراد العائلة مصابًا، وما زال العلماء يبحثون عن الجين الذي يُعتقد أن له علاقة بذلك.

الهرمونات

يعد التغير في مستوى الهرمونات واحدًا من أهم العوامل التي تؤدي إلى الإصابة بالكآبة، ويظهر ذلك في الحالات التي يحدث بها تغير كبير في مستوى الهرمونات، مثل: شهور الحمل وما بعد الولادة، والوصول إلى سن اليأس،
بالإضافة إلى مشكلات الغدة الدرقية.

كيمياء الدماغ

تشير الدراسات الحديثة إلى أن الناقلات العصبية الموجودة في الدماغ تلعب دورًا مهمًّا في الإصابة بالاكتئاب،
ويحدث ذلك عند وجود خلل في طريقة تفاعل هذه الناقلات مع الخلايا العصبية.

الحالة الصحية

تؤثر الصحة العامة في المزاج، فمثلًا: الإصابة بالأرق والأمراض والآلام المزمنة تؤدي إلى الإصابة بالكآبة.

وقد وُجد أن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) له دور أيضًا.

الإدمان

لا شك أن الإدمان من أكثر العوامل التي تؤدي إلى الكآبة؛ إذ يمكن أن يصاب المدمن بالاكتئاب عندما لا يتمكن من الاستمرار في ممارسة سلوكه الإدماني، وأيضًا يظهر الاكتئاب كأحد الأعراض الانسحابية التي تصيب الشخص في أثناء فترة التعافي من الإدمان.

ما أشهر أنواع الاكتئاب؟

يوجد العديد من أنواع الكآبة التي تختلف باختلاف حدة الأعراض، ولكن دعونا نذكر منها  نوعين من أكثر الأنواع شيوعًا، وهما: الكآبة الشتوية، والكآبة عند الحامل. 

الكآبة الشتوية

تُعرف بالكآبة الموسمية، ويُصاب بها الأشخاص في نهاية فصل الخريف وبداية فصل الشتاء، ولا يُعرف السبب الحقيقي حتى الآن وراء هذا النوع.

ولكن يعتقد العلماء أن التغير في عدد ساعات الليل والنهار يؤدي إلى اختلال الساعة البيولوجية للإنسان،
ومن ثم إصابته بأعراض الاكتئاب.

ويُعتقد أيضًا أن التغير في مستويات هرموني “السيروتونين” و”الميلاتونين” مع تعاقب فصول السنة له دور فعال في معاناة الشخص الكآبة الشتوية.

الكآبة عند الحامل

يصاب بعض النساء الحوامل بالاكتئاب في أثناء الحمل وبعد الولادة، ويُعتقد أن التغير في مستوى الهرمونات والضغط النفسي الذي تتعرض له الأم في هذه المرحلة له دور مهم في الشعور بالكآبة.

ما طرق علاج الكآبة؟

لحسن الحظ أن الكآبة من أكثر الاضطرابات النفسية التي يمكن علاجها بسهولة؛ إذ تشير الإحصائيات أن تسعين في المائة (90%) من الحالات يمكن أن تستجيب للعلاج، وتتحسن بشكل ملحوظ.

ومن أهم طرق العلاج المُتبعَة في التخلص من الاكتئاب:

العلاج الدوائي

توجد العديد من الأدوية المضادة للاكتئاب التي تعيد التوازن إلى كيمياء الدماغ.

تبدأ الأعراض في التحسن بعد أسبوعين من بدء العلاج، وقد تزول تمامًا بعد ثلاثة أشهر.

العلاج النفسي

يساعد العلاج النفسي بجانب استخدام الأدوية على التخلص من الكآبة، ويعد العلاج المعرفي السلوكي من أكثر طرق العلاج النفسي فاعلية في علاج الاكتئاب.

تختلف مدة العلاج النفسي باختلاف حدة الأعراض، وعادة ما يستغرق العلاج من عشر (10) جلسات إلى خمس عشرة (15) جلسة.

العلاج بالصدمات الكهربائية

تُعد هذه الطريقة فعالة جدًا في علاج حالات الكآبة الشديدة، التي لا تتحسن بالأدوية أو العلاج النفسي.

ويكون العلاج عن طريق توصيل شحنة كهربية إلى الدماغ بعد تخدير المريض، والتي من شأنها أن تعيد التوازن إلى كيمياء الدماغ.

ختامًا…

لا شك أن الكآبة أصبحت شبحًا يخيم على حياتنا، ويحصد العديد من الأرواح! 

ولكن مع التطور الطبي وزيادة الوعي المجتمعي بهذا الاضطراب؛ أصبح من الممكن التخلص منه،
ومن ثم الحفاظ على زهرة المجتمع من خطر الانتحار.

وأخيرًا، لا تتردد في طلب المساعدة إذا عانيت أيًّا من أعراض الكآبة، فأنت تستحق أن تعيش حياتك بسعادة بعيدًا عن وجه الحياة المظلم.

المصدر
What Is Depression?Depression (major depressive disorder)Everything You Want to Know About DepressionThe difference between depression and sadness
اظهر المزيد

Mohamed Ebaid

محمد عبيد، مترجم وكاتب محتوى ومدقق لغوي وأدرس الطب البشري. شغوف باللغة العربية وهدفي إثراء المحتوى العربي بعلم يُنتفع به.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى