ترياق الأمراض النفسية

الميثومانيا | الكذب الخيالي لدى الكبار

– من فضلك يا دكتور، محتاجة استشارتك! 

 خطيبي شاب خلوق وكريم، أحبه ويحبني، لكنه كثير الحديث عن نفسه، شديد التفاخر بها! 

ينسج القصص دائمًا حول بطولاته وعبقريته! 

وربما يختلق الأكاذيب في سبيل ذلك ..

يحكي لي مثلًا، عن الرجال الخمسة الذين ضربهم بلكمة واحدة!

وعن الفتيات الفاتنات اللاتي وقعن في حبه! 

وعن رحلاته حول العالم وسفره عبر القارات! 

لم أعد أحتمل سماع ذلك الهراء وسئمتُ التظاهر بالتصديق والإعجاب! 

حتى أمه وإخوته، تعلوهم نظرات الذهول والإنكار كلما شرع في قص الحكايات!

من فضلك يا دكتور، أخشى أن يتطور الأمر بعد الزواج فيكذب حول أمور أكثر أهمية، وأخشى أن يصبح مريضًا نفسيًا بهذا الخيال والكذب والغرور ..

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

= عزيزتي السائلة، ما ذكرتيه من صفات خطيبك وأفعاله، ما هي إلا أبرز أعراض اضطراب الكذب الخيالي!

اليوم أكتب لكِ حول هذا الاضطراب -المزعج-، أحدثك عن سماته وأعراضه، وبالطبع طريقة علاجه والتعامل معه.

مرض الكذب الخيالي 

يعرف مرض الكذب الخيالي أو الكذب المرضي أو الكذب القهري أو الميثومانيا، بأنه مرض نفسي مزمن يدفع صاحبه إلى اختلاق القصص والأكاذيب، والمبالغة في وصف الأحداث لنيل إعجاب الآخرين وإشباع رغباته النفسية.

قد يكون المريض على علم بأنه يكذب، وقد يظن أنه يقول الحقيقة، وفي بعض الأحيان يصدق المريض كذبته ويؤمن بها نتيجة تكرارها حتى تتكون لديه ما يسميه العلماء (الذاكرة الكاذبة).

وعادة ما يتمركز حديث المريض حول نفسه؛ إنجازاته وبطولاته وعلاقاته بأصحاب الشأن والنفوذ -الذين لا وجود لهم على الأغلب-، إذ يتسم حديثه بالمبالغة الشديدة والتفاصيل غير الواقعية واستخدام الخيال لنسج أحداث غير حقيقية.

الفرق بين الكاذب العادي والكاذب المرضي

  • لم ينجُ أحدنا من الكذب مرة واحدة على الأقل طيلة حياته، لكننا قد نكذب على فترات متباعدة ابتغاءً للثواب أو درءًا للعقاب، بالطبع لا نكذب كل يوم! وغالبًا ما نشعر بالذنب والتأنيب بعدها.

على خلاف مريض الكذب الخيالي، الذي لا يكاد يمر يوم إلا وهو يختلق الحكايات، ويشعر بالراحة تمامًا من جراء ذلك!

  • كذلك يختلف الشخص الذي يكذب بشكل مرضي عن الذي يكذب بشكل عادي، في أنه قد يعتقد بصحة وحقيقة ما يقول ولا يدرك في بعض الأحيان أنه يخبر بغير الحقيقة، لذلك ينظر إليه الناس على أنه مريض نفسي ويحتاج إلى علاج. 
  • إضافة إلى ما سبق، فقد يكذب الشخص الطبيعي لهدف ما، مثل: التهرب من موقف محرج أو الحصول على منفعة، بينما يكذب مريض الميثومانيا إما للتفاخر بنفسه كما ذكرنا أو قد يكذب بغير هدف، يكذب لأنه فقط لا يستطيع التوقف عن فعل ذلك.

الكذب الخيالي عند الأطفال 

يختلف الكذب الخيالي عند الأطفال قليلًا عن الكذب الخيالي عند الكبار من حيث الطبيعة والهدف.

إذ يعد الكذب الخيالي لدى الأطفال في سن مبكرة (قبل 4 سنوات عادةً) إحدى سمات المرحلة العمرية، فهو ضروري في بعض الأحيان لتطوير خيال الطفل وقدرته على التصور وتكوين حصيلة لغوية جيدة.

كأن يحكي الطفل عن مغامرته بالمدرسة وهو لم يذهب إليها بعد، أو يحكي عن أصدقائه من الأبطال والأميرات.

الكذب الخيالي عند الأطفال

ويمكنك الاطلاع على أسباب وأنواع الكذب عند الأطفال من خلال المقال الآتي: الكذب عند الأطفال – القضاء عليه نهائيًا

علامات المريض بالكذب الخيالي

غالبًا ما نعرف الشخص الذي يكذب حينما نسمعه، لا سيما إن كان مغرورًا أو يحب التفاخر ويحكي أحداثًا بعيدة عن الواقع!

إليك أشهر علامات الشخص المريض بالكذب القهري أو الميثومانيا:

  • في كثير من الأحيان يمتلك مريض الكذب الخيالي شخصية اجتماعية، فهو يحب جذب الانتباه وتكوين العلاقات المختلفة، ويستطيع إقناع الآخرين بما يقول.
  • لا يبتغي من وراء الكذب تحقيق مصلحة أو الدفاع عن نفسه، بل يبالغ أو يكذب لجذب انتباه الآخرين ونيل إعجابهم.
  • يظن أنه البطل دائمًا وينغمر في عرض تفاصيل كثيرة معقدة.
  • كثيرًا ما يصور نفسه على أنه ضحية لظلم الآخرين أو ضحية الظروف التي لا يمكن لأحد أن يتحملها مثلما فعل.
  • لا يقبل النصيحة وربما ينكر كونه مبالغًا أو كاذبًا حين يواجهه أحد بذلك.
  • مرضى الميثومانيا هم أشخاص وَلِعون بالكذب، يكذبون بشأن الأمور المهمة وغير المهمة، فهم لا يستطيعون مقاومة رغبتهم في الكذب وسماع المدح والإطراء من الآخرين.

أسباب الكذب الخيالي

  • قد يصبح الشخص مريضًا بالكذب الخيالي نتيجة الإصابة بأحد الأمراض التي تؤثر في الجهاز العصبي المركزي.
  • تؤدي الصدمات النفسية وإصابات الرأس دورًا كبيرًا في الإصابة بالكذب القهري أو الخيالي.
  • وقد يؤدي الخلل في مستوى هرمون الكوليسترول بالجسم إلى ظهور أعراض الكذب الخيالي.

أشارت دراسة أجريت في عام 2016 حول ما يحدث في الدماغ عندما تكذب، إلى أنه كلما زاد عدد الأكاذيب التي يقولها الشخص، أصبح الكذب أسهل وأكثر تواترًا. وهو ما يفسر سبب كذب مريض الميثومانيا بنفس القدر والسهولة في كل مرة.

تشخيص مرض الكذب الخيالي

قد يكون تشخيص هذا المرض صعبًا بسبب العديد من الأسباب والاضطرابات المحتملة لسلوك الكذب، لذلك فإن التحدث مع الشخص ومعرفة التاريخ الطبي لا يكفي عادة لإثبات التشخيص إذا لم يعترف الشخص أنه يعاني مشكلة الكذب الخيالي.

يستخدم بعض المتخصصين جهاز كشف الكذب في أثناء التشخيص، المعروف أيضًا باسم (اختبار كشف الكذب). 

تشخيص مرض الكذب الخيالي

لا يتمثل الاختبار في القبض عليهم يكذبون، ولكن يُستخدَم لمعرفة مدى قدرة المريض على التغلب على جهاز كشف الكذب بشكل جيد، الأمر الذي يشير إلى أنهم يصدقون أكاذيبهم أو أصبحوا بارعين في استخدام تدابير أخرى لإقناع الآخرين بأكاذيبهم.

أيضًا يجري بعض الأطباء النفسيين مقابلات مع أفراد الأسرة والأصدقاء عند تشخيص الكذب المرضي.

علاج الكذب الخيالي

يتوقف اختيار العلاج على ما إذا كان الكذب المرضي عَرضًا لأحد الاضطرابات النفسية أم أنه مرض في حد ذاته.

ويعتمد نجاح العلاج وفعاليته على رغبة المريض في الشفاء، فقد يصر الشخص على كونه ليس مريضًا وقد يكذب على الطبيب نفسه؛ وهو ما يصعب من مهمة العلاج.

تتضمن خطة العلاج جلسات العلاج النفسي سواء بشكل فردي أو جماعي، وقد تشمل أيضًا استخدام الأدوية للحد من بعض الأعراض، مثل الأدوية المستخدمة لعلاج القلق أو الاكتئاب.

ويمكن علاج الكذب القهري أيضًا باستخدام العلاج السلوكي المعرفي، وفيه يحاول الطبيب تغيير مفاهيم المريض واستبدال أفكار إيجابية بالأفكار السلبية الدافعة للكذب.

كيف تتعامل مع المصاب بالكذب المرضي؟

قد يكون وجود الشخص الكاذب الخيالي في دائرة معارفك أو المقربين لديك أمرًا محبطًا، إذ يصعب إجراء حتى المحادثات البسيطة معه بشكل صادق ومريح.

إليك هذه النصائح التي تساعدك على التعامل مع الشخص المصاب بالكذب القهري:

  • كن لطيفًا عند التعامل معه ولا تدع الغضب يسيطر عليك.
  • حاول إخباره بشكل ودود ومرح أنه يبالغ بعض الشيء، وأنك لن تستطيع الاستماع إليه مجددًا إذا لم يترك هذه الأكاذيب.
  • حاول أن تكثر من ذكره بالخير والثناء عليه حتى لا يحتاج إلى نسج القصص البطولية عن نفسه.
  • اطلب منه أن يكرر كلامه مرة أخرى فربما يشعر بالحرج ويخبر بالحقيقة.
  • اقترح عليه طلب المساعدة الطبية من المختص النفسي، دون إصدار حكم عليه ودون أن تفضحه.
  • توقع الإنكار والرفض وكن صبورًا وداعمًا.
  • لا تأخذ كذب مريض الميثومانيا على محمل شخصي، فإنه يعاني مشكلة نفسية تظهر في تعامله مع الجميع.
  • تجنب كثرة اللوم والعتاب.
  • اسأله عن وجود أعراض أخرى نفسية أو عصبية، فربما يكون سبب الكذب المرضي أمراضًا أخرى أكثر خطورة.
  • وأخيرًا، تزود بالمعلومات الكافية حول هذا الاضطراب وطرق التعامل معه من خلال الكتب والمصادر الموثوقة، وكن إيجابيًا وصادقًا في التعامل مع المصاب به.
المصدر
MythomaniaHow Do I Cope with Someone Being a Pathological Liar?What to know about pathological liarsWhat Is Pathological Lying?
اظهر المزيد

د. رحاب علي

صيدلانية، شغوفة بالعلوم والتفاعلات والعمليات المعقدة التي تجري كل صباح داخل النفس البشرية. نَصفُ أنفسنا ونَجلدُ الآخرين وننصب محاكم التصنيف والتمييز، ولا ندري أننا نتائج، وأن الفاعل الحقيقي مجموعة من الأحماض والبروتينات! "نفسي أجوجل باللغة العربية والاقي نتايج تُحترم!"

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى