ترياق الطفل

الكذب الدفاعي | لماذا يزيِّف طفلك الحقائق؟

كانت الساعة تقترب من التاسعة مساءً، عندما وقفت الأم في شرفة منزلها منتظرة عودة ابنها المراهق. 

بعد دقائق، لمحته قادمًا من بعيد، فتوجهت بسرعة إلى الداخل وقد بدا على وجهها علامات الغضب الشديد. انتظرت حتى فتح الباب ثم انفجرت فيه قائلة: «أين كنت حتى هذه الساعة؟! من المفترض أن ينتهي درسك في السابعة مساءً!»

تلجلج الابن قليلًا ثم قال: «لقد مرض صديقنا (محمد) وذهبنا به إلى المستشفى، لم أستطع أن أعودَ إلى البيت حتى أطمئن عليه.»

كانت الأم تعلم في قرارة نفسها أن ابنها كاذب! 

يُطلِق علماء النفس على ما فعله الابن في قصتنا تلك “الكذب الدفاعي”. 

ماذا يعني الكذب الدفاعي؟ ولماذا يلجأ إليه الأطفال والمراهقون؟ وما الطريقة الصحيحة لتعامل الآباء والمربين معه؟ 

هذا ما سنتعرف إليه في السطور القادمة. 

أولًا…

 تعريف الكذب؟ 

الكذب هو التزييف المتعمد للحقائق وتغييرها بغرض الخداع والتضليل.

يعد الكذب من السلوكات الشائعة بين الأطفال، وعادةً ما يظهر هذا السلوك في سن صغيرة، وقد يستمر مع الطفل حتى مرحلة المراهقة، أو حتى أبعد من ذلك. وتختلف أسباب الكذب باختلاف العمر.

لذا؛ كان من الضروري عند التعامل مع كذب الطفل مراعاة عمره، ومرحلة نموه، وأنواع الأكاذيب المستخدمة، والأسباب المحتملة وراء هذا السلوك. 

في بعض الأحيان، يكون الكذب عند الأطفال مصحوبًا ببعض السلوكات السيئة الأخرى -مثل الغش أو السرقة-؛ وفي تلك الحالة تكون المشكلة أعقد وأخطر. 

أنواع الكذب 

في السن الصغيرة جدًا لا يدرك الطفل معنى الكذب؛ أي أنه لا يتعمد الكذب، بل إنه لا يستطيع التفريق بين الخيال والحقيقة. 

عندما ينضج طفلك بصورة كافية، ويستطيع التفرقة بين الصواب والخطأ وبين الحقيقة والخيال؛ عندئذ يكون مدركًا معنى الكذب، ومتعمدًا له إن فعل. 

أنواع الكذب

إذن، ما أنواع الكذب المختلفة؟ 

قسم الباحثون في جامعة أريزونا -بالولايات المتحدة الأمريكية- الكذب عند الأطفال إلى عدة أنواع:

  • الكذب الإيجابي: عندما يكذب الطفل من أجل مساعدة الآخرين، أو حمايتهم. 
  • الكذب الدفاعي: وفيه يكذب الطفل من أجل حماية نفسه من بعض العواقب غير المحببة، مثل: العقاب أو التوبيخ أو الوصم أو غير ذلك. 
  • الكذبُ الأناني: وهو نوع من الكذب الدفاعي، ولكن غالبًا ما يكون على حساب شخص آخر، أي أن الطفل يكذب لحماية نفسه، ولكنه في ذات الوقت يلصق التهمة بالآخرين؛ لكي يتنصل من مسؤوليتها. 
  • الكذب العدواني: وفيه يكون الطفل متعمدًا إلحاق الأذى بالآخرين بسبب أو بدون سبب. 

أسباب الكذب الدفاعي عند الأطفال والمراهقين

بعد أن استعرضنا تعريف الكذب وأنواعه، دعونا نستكشف الآن لماذا قد يكذب الأطفال والمراهقون. 

في الحقيقة، يلجأ الأطفال إلى الكذب الدفاعي في عدة مواقف، مثل:

  • شعورهم بأنهم لا يستطيعون تلبية توقعات والديهم أو المحيطين بهم، فيدَّعون غير الحقيقة؛ حتى لا يخيبوا آمالهم. 
  • ادعاء النجاح وإخفاء الفشل؛ حتى لا يتعرضوا للتوبيخ أو العقاب. 
  • إخفاء فعلهم شيئًا معينًا، عندما يعجز آباؤهم عن فهم رغبتهم في فعله أو يرفضونه؛ فيتعمدون إخفاءه تجنبًا للجدال والمشكلات. 
  • حماية خصوصياتهم، والشعور بالاستقلالية، وذلك عندما يكون الآباء شديدي التسلط والتدخل في حياتهم. 
  • التنصل من تحمل مسؤولية بعض أفعالهم.
  • جذب الانتباه؛ عندما تكون علاقاتهم مع من حولهم قائمة فقط على الحب المشروط، فيكذب الأبناء من أجل التجمل، والحصول على الحب والاهتمام. 

بالنظر إلى المواقف السابق ذكرها، نجد أن بعض الأطفال يكونون أكثر عرضة من غيرهم لظهور سلوك الكذب الدفاعي عليهم، وهم:

  • الأطفال الذين يتعرضون للضغط من والديهم أو معلميهم؛ من أجل تحقيق أهداف تفوق إمكاناتهم. 
  • الأطفال الذين يبالغ آباؤهم في ردة فعلهم تجاه المواقف المختلفة، فيدفعون بذلك طفلهم إلى الكذب؛ من أجل تجنب النزاعات والمشكلات معهم. 
  • وجدت الدراسات أيضًا أن الأطفال الذين يعانون اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه قد لا يستطيعون السيطرة على كذبهم. 
  • المراهقون الذين وقعوا في فخ التدخين أو تناول العقاقير المخدرة، يكونون أكثر كذبًا من غيرهم؛ لإخفاء أفعالهم. 

إذن، كيف تعرف إذا كان طفلك يكذب عليك أم لا؟!

علامات الكذب الدفاعي عند الأطفال

هناك بعض العلامات التي قد تشكك في رواية طفلك، مثل:

  • اللجلجة، وعدم ترابط أحداث القصة التي يرويها. 
  • التناقض عند إعادة سرد أحداث القصة. 
  • ظهور علامات الخوف أو الشعور بالذنب على طفلك.
  • الحماسة المبالغ فيها عند سرد الأحداث -إذا كانت غير متناسبة مع الموقف. 

بالطبع، لا تعني تلك العلامات بالضرورة أن ابنك كاذب، فقد يكون صادقًا في روايته رغم ذلك. لذا؛ فإن الأمر يحتاج منك إلى بعض الفراسة والتحليل المنطقي للتمييز بين صدقه وكذبه. 

علاج الكذب الدفاعي 

علاج الكذب الدفاعي

تقضٌّ مشكلة كذب الأبناء مضاجع الآباء والأمهات، فيتوترون عند شعورهم بأن طفلهم يخفي عنهم شيئًا ما، وقد يدفعهم هذا التوتر إلى التصرف بطريقة سلبية؛ مما قد يزيد الطين بلة! 

لذلك نقول: 

إن علاج الكذب الدفاعي عند الأطفال يقع بالأساس على عاتق الآباء والمعلمين وذوي السلطة على الطفل؛ لأن منشأه الرئيس هو الخوف، والشعور بالضغط الذي يُمارس عليه من المحيطين به. 

إذن، ماذا يجب أن تفعل إذا اكتشفت أن طفلك يكذب؟  

1- ابحث عن الدوافع والأسباب 

لكي تحل مشكلة الكذب من جذورها، فيجب أن تبحث عن الأسباب التي تدفع طفلك إليه. 

انظر إلى نفسك، إذا كنت شديد التسلط وكثير النقد والعقاب لطفلك، فربما هذا هو السبب الذي يجعله يُخفي عنك بعض الأمور حتى يتجنب غضبك وعنفك. 

غيِّر من طريقتك، وصاحب ابنك -خاصةً إذا كان مراهقًا-. اجعله يطيعك حبًا واحترامًا لك، لا خوفًا منك. 

2- كن قدوة 

اجعل سلوك الصدق ديدن حياتك وحياة عائلتك، دع أبناءك يرون ذلك في تصرفاتك اليومية مع الجميع -ومهما كانت الظروف المحيطة-؛ إذ يُعظِّم ذلك في نفوسهم قيمة الصدق، وينفرهم من الكذب والكذَّابين. 

3- أعطِ مساحة من الثقة 

لا تكن متشككًا دائمًا، ولا تُشعر طفلك بأنك لا تثق فيه، بل أعطه مساحة من الحرية، وأخبره أنك تثق في عقله وحكمته وقدرته على التصرف الصحيح. 

أشعره بالمسؤولية، واطلب منه أن يكون أهلًا لها. 

حينها سيشعر طفلك بأهمية أفعاله وأقواله، وسيخجل من نفسه إذا كذب. 

واحذر أن توبخه أو تعاقبه بعد أن يأتمنك ويخبرك بحقيقة بعض الأشياء التي يخفيها عنك. 

4- اطلب الدعم عند الحاجة 

بعد كل ذلك، إذا استمر طفلك في الكذب، فربما حان الوقت للتواصل مع أحد المختصين النفسيين؛ لمساعدتك على حل تلك المشكلة. 

كيف تقي طفلك الكذب الدفاعي؟

الوقاية خير من العلاج، ولكي تجنب نفسك وطفلك الوقوع في دائرة الكذب؛ احرص على اتباع هذه الأمور:

  • اخفض سقف توقعاتك من طفلك، ولا ترهقه بتطلعات أكبر من إمكاناته. 
  • لا تكن متسلطًا، ولا تقف لأبنائك على كل صغيرة وكبيرة، بل كن سهلًا هينًا معهم، وقلل من عقابك وانتقادك.
  • انزل إلى مستوى تفكير ابنك، وتفهم احتياجاته العمرية. 
  • أعطه مساحة لممارسة الأشياء التي يحبها، طالما ليس لها ضرر عليه. 
  • احترم خصوصيات ابنك، خاصةً إذا كان كبيرًا. 

في النهاية، فلتعلما -عزيزي الأب وعزيزتي الأم- أنه لكي تُجنبا طفلكما سلوك الكذب الدفاعي؛ فيجب أن توفرا له بيئة أسرية آمنة، خالية من الضغوط النفسية والعقاب الدائم المبالغ فيه. 

أي -باختصار-: لا تدفعا طفلكما إلى الكذب! 

المصدر
LyingLies: why children lie and what to do When Children Lie 3 Common Reasons Why Kids Lie (and How You Should Respond)
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق