ترياق الطفل

الكذب عند الأطفال | القضاء عليه نهائيًا!

مثل كل الأمهات… أجتهد لتعليم ابنتي وتربيتها على حسن الخلق…

فأحكي لها كل ليلةٍ قصة (الولد الكذّاب)، الذي يدَّعي السقوط في كل مرةٍ ويصيح: “أمي! أدركيني؛ لقد سقطتُ على الأرضِ وجُرِحت!”…

فتهرع أمه إليه لتجده يضحك ويقول: “أنا بخير، لقد كذبتُ عليكِ”، ودائمًا ما تتكرر المسرحية…

وفي يوم من الأيام، سقط الطفل من فوق الطاولة، وظل يبكي وينادي أمه، لكن دون جدوى! فقد اعتادت الأم على كذبه وضحكه ولم تُجِبه هذه المرة!

ثم أُتبِع: “أرأيتِ يا ابنتي كيف أن عاقبة الكذب وخيمة! يهملكِ الناس وينعتونكِ بالكذابة!”.

ثم تنام طفلتي وهي على اقتناع تام بأن الكذب سلوك سيء يجب اجتنابه. لكنه ما يلبث النهار، حتى أجدها تكذب وتُخفِي الحقيقة مرةً أخرى!

تُرى أين المشكلة؟! لماذا تكذب طفلتي مرارًا؟! هل أنا من أساء توجيهها أَمْ أنها تعاني مشكلةً وتحتاج إلى علاج؟!

إليكِ -عزيزتي الأم- أكتب هذا المقال، أربت على كتفيكِ وأهمس في أذنيك: “لا تقلقي”، معًا سنتعرف إلى أسباب الكذب عند الأطفال، ومدى خطورته، وكيف يمكنكِ علاج هذا السلوك واستبداله بالصدق والثقة.

ما هو الكذب؟

الكذب: هو الإخبار بغير الحقيقة، أو المبالغة في سرد الحقيقة، أو الامتناع عن قول الحقيقة، أو هو اختلاق أحداث ليس لها وجود من الأساس.

وأيًا كان نوع الكذب الذي قد يقترفه الطفل، وأيًا كان الدافع وراء تزييفه للحقيقة، فإنه سلوك يدل على خلل بشخصية الطفل أو خطأ بطريقة توجيه الطفل وتنشئته، وقد يدل على عدم النضج بشكل كافٍ.

ويُعَدُّ الكذب أحد السلوكات السيئة التي ينفر منها الأهل والأصدقاء، وتؤثر بالسلب في علاقة الفرد بمَنْ حوله، وتهدم جدران الثقة مع الآخرين.

إضافة إلى ذلك، فإن الشخص الذي اعتاد الكذب -ولا سيما الأطفال- يعرض نفسه لمشكلات كبيرة قد تحدث من جرَّاء إخفاء الحقيقة أو تزييفها، كتلك المشكلات التي قد تقع في المدرسة، أو في النادي، أو في العمل بعد ذلك.

الكذب عند الأطفال في علم النفس

يُعَدُّ الكذب عند الأطفال في علم النفس جزءًا مهمًا في تكوين خبرات الطفل، واكتشافه لنفسه وللعالم الخارجي، حتى وصفه بعض علماء النفس بالفعل الإيجابي أو المفيد أحيانًا.

بل إن بعض الاتجاهات الحديثة في علم النفس تعتقد أن الأطفال الذين يمتلكون قدرات ومهارات مميزة هم أفضل بالكذب أيضًا من غيرهم، لأن الأدوات التي يحتاجها الكذب هي نفسها الأدوات التي يحتاجها النجاح في الحياة، مثل: الذكاء، والتنظيم، والذاكرة القوية، والتركيز، وفهم الآخرين، وغيرها.

على سبيل المثال: يحاول الأطفال صغار السن اختلاق بعض الأحداث الخيالية محاولةً منهم لسرد قصة كاملة وجذب انتباه الأبوين، وقد يكذب الأطفال في سن مبكرة لاختبار ردة فعل الآباء، وما يمكن أن يترتب على كذبهم من أحداث أو عواقب.

لذلك -عزيزي القارئ- لا داعي للقلق الشديد بشأن الكذب لدى الأطفال؛ فهم لا يزالون في محاولات لاكتشاف العالم الخارجي، واكتشاف قدراتهم الشخصية وردود فعل الأشخاص من حولهم.

أعراض الكذب عند الأطفال

الكذب في حد ذاته ليس مشكلة، لكنه سلوك خاطئ يمكن للآباء تقويمه وتعديله، وتشجيع الابن على التخلي عنه.

بالطبع لا يتمنى أي أبوين أن يريا ابنهما كاذبًا، ولكن قد يحدث في كثير من الأحيان أن يلجأ الطفل إلى الكذب أو الخداع في أحد مراحل حياته لأسباب سنتحدث عنها لاحقًا.

إليك هذه العلامات والأعراض التي يمكنك أن تعرف من خلالها أن طفلك يكذب:

  • تلعب لغة جسد الأطفال دورًا كبيرًا في كشف الكذب لديهم، مثل: المبالغة في حركات اليد لإقناع أحد الأبوين بتلك الكذبة، وتجنُّب النظر إلى العين مباشرة في أثناء الحديث.
  • شعور الطفل بالتوتر وعدم الراحة وهو يكذب.
  • التعرق وجفاف الفم.
  • انخفاض الثقة في النفس.
  • عدم تناسق الأحداث التي يرويها الطفل أو تناقضها مع الواقع.
  • البكاء أو الخوف الشديد في أثناء الحديث.

استبيان الكذب عند الأطفال

على الرغم من صعوبة الجزم بكذب الطفل في كثير من الأحيان، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بشكوى أو أمور حدثت مع الطفل في المدرسة حيث كان بمفرده، فإن براءة الأطفال وسجيتهم في الحديث قد تساعد الأم أو الأب على اكتشاف الكذب.

فيما يلي بعض طُرُق كشف الكذب عند الأطفال صغار السن:

  • ملاحظة وجه الطفل في أثناء الحديث، فغالبًا ما يكون الوجه مسترخيًا وهادئًا عند قول الحقيقة.
  • الاستماع الجيد للتفاصيل التي يحكيها الطفل، لأن رواية الطفل ستبدو غير منطقية إذا كان الطفل يكذب.
  • إذا شعرت الأم أن طفلها يكذب، فعليها أن تطلب منه إعادة سرد القصة كاملة.
  • الانتباه إلى ما إذا كان الابن يتحدث بتلقائية وعفوية، أَمْ يتكلف ويحاول سرد أحداث لا وجود لها.
  • ملاحظة لغة جسد الطفل وانفعالاته، مثل التغير في تعبيرات الوجه، أو تجنُّب النظر إلى العين مباشرة كما ذكرنا سابقًا.

ومن الجدير بالذكر إشارة الدراسات الحديثة إلى انخفاض قدرتنا على اكتشاف الكذب عمومًا، وعلى اكتشاف الكذب لدى الأطفال خصوصًا، حيث لا تتعدى فرصة اكتشاف الكذب -من خلال لغة الجسد أو غيرها من الوسائل التقليدية- نسبة 50%.

أسباب وأنواع الكذب عند الأطفال

يخشى الآباء أن يعتاد أبناؤهم الكذب، وأن يصبح صفة مكتسبة لديهم، لا سيَّما إن صاحبتها سلوكات سيئة أخرى كالغش أو السرقة. لذلك، وجب الانتباه إلى الأسباب التي تدفع الطفل إلى الكذب والحد منها.

أنواع ومراحل الكذب عند الأطفال

الكذب الخيالي

يحكي الأطفال دون سن الخامسة قصصًا غير واقعية بشكل لا واعي، وهي مرحلة من الكذب لا تدعو للقلق، حيث يعتمد عليها الطفل لزيادة حصيلته اللغوية وتوسيع مداركه.

الكذب الانتقامي

يلجأ إليه الطفل بسبب الغيرة من أحد أخوته وكثرة مقارنة الآباء بينهم، كأن يقوم بإلصاق التهم بأخوته أو الكيد لهم.

الكذب الدفاعي

وفيه يلجأ الطفل إلى الكذب حتى ينجو من العقاب أو رد فعل الآباء، كأن يكذب بشأن أغراضه الضائعة أو ألعابه المكسورة.

الكذب الادعائي

حيث يستخدم الطفل الكذب لتعويض نقص مادي أو نفسي أو جسدي يشعر به الطفل، مثل الكذب بشأن المصروف الذي يأخذه الطفل، أو الطول والوزن.

الكذب الواعي

هذا النوع من الكذب يلجأ إليه الأطفال الأكبر سنًا، فوق سن السابعة وصولًا إلى سن المراهقة، وفيه يستخدم الأطفال الكذب بشكل واعٍ -بخلاف الكذب الخيالي- ومتعمَّد للحصول على غرض ما، أو الهروب من العقاب، أو طمعًا في تحقيق أحد الرغبات.

أسباب أخرى للكذب عند الأطفال:

  • تقليد الأبوين أو الأخوة، إذا لجأ أحدهم إلى استخدام الكذب في حياته اليومية.
  • شعور الطفل بالخوف بسبب استخدام العقاب أو التعنيف بشكل مستمر من قِبَل الوالدين.
  • وجود مشكلات أُسَرية تجعل الطفل يشعر بعدم الأمان والاستقرار.
  • التعود، إذ يسرع الطفل بالكذب دون تفكير لأنه اعتاد ذلك.
  • إساءة التوقع من قِبَل الطفل، كأن يتوقع الطفل أن ترفض الأم طلبه فيكذب عليها.
  • وقد تصاحب الكذب سلوكات أخرى أكثر خطورة، مثل: السرقة، والعنف، والغش، والهروب.

علاج الكذب عند الأطفال

بدايةً -عزيزي القارئ- لا بُدَّ أن تعلم أن تغيير سلوك شخص يحتاج إلى صبر ووقت طويل، فلا يمكن أن ترى نتائج جيدة بعد محاولة أو اثنتين فقط!

فيما يلي بعض الحلول والاقتراحات التي تساعد طفلك على التخلي عن الكذب:

  • التوقف تمامًا عن الكذب أمام الطفل، حتى لو كان بشكل ودي أو بشيء من المزاح.
  • قصُّ حكايا ما قبل النوم التي تتحدث عن الصدق والأمانة والشجاعة بين الأطفال.
  • تجنُّب التعنيف والعقاب بشكل مستمر، حتى لا يلجأ الطفل إلى الكذب والخداع.
  • عوضًا عن العقاب، يمكنك مناقشة الطفل في أسباب المنع أو الرفض، ومشاركته في وضع قوانين يسير الجميع عليها.
  • لا تجبر الطفل على القيام بمهام تفوق سنه أو قدرته، ولا تجبره كذلك على القيام بمهام لا يحبها.
  • ابحث دائمًا عن السبب الذي دفع الطفل للكذب، وحاول علاجه.
  • الحوار الفعال بين الوالدين والأبناء يمكنه الحد من السلوكات الخاطئة، ويحفظ من أصدقاء السوء.
  • تجنُّب إظهار المشكلات التي بين الوالدين أمام الأبناء، حتى لا يشعروا بالخوف أو عدم الاستقرار.

وأخيرًا عزيزتي الأم، لا تلجئي أبدًا إلى العنف في محاولة منكِ لعلاج الكذب لدى طفلك، إذ يزيد العنف من خوف الطفل وعناده، ويدفعه إلى الكذب عليكِ وعلى غيركِ مرةً أخرى.

المصدر
Why Kids Lie and What Parents Can Do About ItHow to Handle Your Child’s Lying at Every Age3 Common Reasons Why Kids Lie (and How You Should Respond)
اظهر المزيد

د. رحاب علي

صيدلانية، شغوفة بالعلوم والتفاعلات والعمليات المعقدة التي تجري كل صباح داخل النفس البشرية. نَصفُ أنفسنا ونَجلدُ الآخرين وننصب محاكم التصنيف والتمييز، ولا ندري أننا نتائج، وأن الفاعل الحقيقي مجموعة من الأحماض والبروتينات! "نفسي أجوجل باللغة العربية والاقي نتايج تُحترم!"

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق