مفاهيم ومدارك

الكلمة الطيبة صدقة

“ما أجمل ثوبكِ يا صديقتي! دائمًا ما تبهرينني باختياراتكِ المميزة”…

“سلمت يداكِ زوجتي العزيزة، الطعام شهيٌ للغاية!”…

“أحسنتَ يا محمد، إجابتك مبهرة!”…

“شكرًا جزيلًا لك أيها العم، لولا مساعدتك في حمل أشيائي لما استطعت صعود السلم”…

الكلمة الطيبة هي تلك الكلمة التي تخرج من أفواهنا، لا تكلفنا شيئًا ولا نلقي لها بالًا، فتمس القلوب وتسمو بالأرواح،
ويرفعنا بها رب العالمين درجات. 

فكم من كلمة أزالت همًا، ومسحت دمعًا، وشحذت هممًا! 

وعلى النقيض… كم من كلمة جلبت ألمًا، وكسرت خاطرًا، وكست النفس سوادًا وأحزانًا! 

في هذا المقال، سنصحبكم في رحلة قصيرة لنتعرف سويًا إلى الكلمة الطيبة وأثرها في النفوس، وكيف يمكنها أن
تلعب دورًا في تقوية العلاقات والحفاظ عليها.

الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة

لكي تعلم أثر الكلمة الطيبة في النفوس، انظر إلى ما تفعله الكلمة الخبيثة في العلاقات الإنسانية. 

الكلمات هي الوسيلة التي يعبر بها البشر عن أنفسهم، وعن مشاعرهم وأحاسيسهم، وهي وسيلة التواصل بين بعضهم
بعض. لذا، فانتقاء الكلمات مهارة هامة يجب أن يتعلمها كل فرد، إذا كان يرغب في إقامة علاقات صحية مع الآخرين.

يبرر بعض الناس كلماتهم القاسية الخبيثة بطيب القلب؛ فلأن ألسنتهم لا يجري عليها سوى ما في قلوبهم،
فهم بذلك أنقياء لا ينافقون ولا يظهرون عكس ما يبطنون!

لكن هذا نوع من دس السم في العسل؛ فلم تكن القسوة قط دليلًا على طيب القلب، لأن الكلمة يمكنها أن تكسر القلوب،
وتُضعِف الهمم، وتسبب الأذى والحزن.  

لذلك، الحرص على قول الكلام الطيب يجب أن يكون هدف الجميع، من أجل الحفاظ على علاقاتهم من الانهيار.

أثر الكلمة الطيبة في العلاقة بين شركاء الحياة

العلاقة مع شريك الحياة من أسمى وأقدس العلاقات، وتُبنَى بالأساس على المودة والرحمة. وقول الكلمة الطيبة أساس
هذه الرحمة، وعمودها الأول. 

كثيرًا ما نسمع عن أزواج يدخرون معسول الكلام للأهل والأصدقاء وحتى الأغراب، ويضنون به على شريك الحياة؛
بحجة أن هذا الشريك هو الأقرب لهم، وهو الذي يجب أن يتحمل أوقات ضيقهم وغضبهم، وهو الذي لا يجب أن
يتكلف أو يتصنع بحضرته، فيكون نصيبه الجفاء. 

أثر الكلمة الطيبة في العلاقة بين شركاء الحياة

في الحقيقة، ليس هناك أولى من الشريك بالكلمة الطيبة، وسواء كان هذا الشريك رجلًا أو امرأة، فكلاهما بحاجة إلى سماع الكلام الطيب ممَّنْ يتقاسم معه حياته، حيث يمثل هذا الكلام له:

  • دليلًا على تقدير شريك حياته لوجودهما سويًا. 
  • إحساس شريك حياته به، ومشاركته له في أفراحه وأحزانه. 
  • تقدير الجهد الذي يبذله الشريك في إنجاح العلاقة، والوصول بها إلى بر الأمان. 

إذن، فالكلمة الطيبة بين شركاء الحياة تؤثر تأثيرًا عميقًا وملحوظًا في نجاح العلاقة واستقرارها. 

نصائح ستساعدك على قول الكلمة الطيبة لشريك حياتك

  • إذا كان شريكك يشعر بالضيق لأنه وقع في خطأ ما، أو تسبب في ضرر ما، فأجِّل انتقادك وعتابك لوقت آخر
    حتى يهدأ، وأسمِعه فقط كلمات التفهم والمواساة، لا كلمات العقل والمنطق. 
  • درِّب نفسك على الاستماع لشريك حياتك، فمثلًا إذا اقترح شريكك اقتراحًا ما ولكنك تراه غير مناسب،
    لا ترفضه مباشرة، لأن هذا قد يكون مؤلمًا له، بل اطلب منه أن يشرح لك ما يعنيه بوضوح أكثر؛ فربما أقنعك!
  • احترم شريكك في وجود الآخرين؛ لا تقلل من شأنه حتى وإن كنت تمزح، ولا تقاطعه وهو يتحدث، ولا تسفه من
    رأيه، بل ادعمه وادعم رأيه حتى وإن كنت غير متفق معه؛ فأمامكما متسع من الوقت بمفردكما لمناقشة ما تختلفان
    فيه، وليس أمام الآخرين.
  • أسمِع شريكك دائمًا عبارات المدح والثناء، وأشعره بثقتك فيه وإيمانك بقدراته ومهاراته، حتى تزداد ثقته في نفسه
    ويشتعل حماسه، حتى وإن كان يسمع هذا الكلام من الآخرين؛ فسيظل سماعه من شريك حياته أهم وأقوى تأثيرًا في نفسه. 
  • تجنَّب استخدام الكلمات المسيئة والعبارات التهكمية في أثناء تجادلكما بخصوص أمر ما؛ فقد ينتهي الجدال ويظل
    أثر ما قلت محفورًا غائرًا في نفس شريكك. واعلم أن في الجدالات الزوجية لا يوجَد خاسر وكاسب،
    بل إما تخسرا سويًا أو تكسبا سويًا، فلا تحاول الانتصار لرأيك على حساب نفسية شريكك. 

إذا حرصت على فعل تلك الأمور، ستجد أن الكلمة الطيبة هي التي تجري على لسانك دائمًا، لأنك تعلم أهميتها
وتأثيرها في نفس شريكك، وستجد نتيجة ذلك ظاهرة في استقرار علاقتكما سويًا. 

أثر الكلمة الطيبة في العلاقة بين الأبناء والآباء

يركز الآباء في الغالب على كلمات أبنائهم وطريقة تحدُّثهم، فيحاولون إصلاحها إن كانت سيئة أو غير لائقة،
ويرشدون أطفالهم إلى كيفية قول الكلمات والعبارات بطريقة صحيحة لا تزعج مَنْ نتحدث إليه، ولا تقلل من احترامه.

لكنهم عادة لا يعيرون اهتمامًا كبيرًا لتأثير كلماتهم هم -كآباء- في نفوس صغارهم، ويجهلون الأثر العظيم للكلمة
الطيبة في تقويم وتعديل سلوك الأبناء، بل وفي تعزيز ثقتهم بأنفسهم ونظرتهم إليها!

لماذا يجب أن تتحدث إلى أبنائك دائمًا بالكلمة الطيبة؟

1- لأن هذا سيجعل طفلك أكثر استعدادًا للاستماع إلى نصائحك.

ربما ستشعر بالسيطرة أكثر إذا ارتفع صوتك، وكانت كلماتك أكثر قسوة وأنت تتحدث إلى ولدك بخصوص خطأ ما قد
ارتكبه، لكن هذه الطريقة غالبًا ما تأتي بنتائج عكسية.

أما الكلام الطيب الهادئ، فهو الذي يجعل الأبناء أكثر تقبُّلًا لما تقول، خاصةً إذا كانوا في سن المراهقة

أثر الكلمة الطيبة في العلاقة بين الأبناء والآباء

2- لأن الكلمات القاسية المؤذية ستدمر علاقتك بأبنائك على المدى البعيد.

ربما صراخك سيجلب لك نتيجة مُرضِية على المدى القصير، وسيسمع طفلك كلامك، لكنه في مرحلة ما سيخرج من
تحت عباءتك، ولن يفيدك وقتها الصراخ؛ بل ستكون بحاجة إلى علاقة ورابطة قوية بينك وبينه، لتجعله قادرًا على
الاستماع إليك والاهتمام لرأيك. 

3- لأنك قدوة لأبنائك؛ فالصغار يتعلمون من الملاحظة والمحاكاة.

فكِّر كيف سيتعامل ولدك مع أصدقائه ومعلميه -بل ومعك أنت شخصيًا بعد ذلك- إذا كان كل تعاملك معه بالكلام
القاسي الخبيث. كلم ابنك بالكلام الطيب دائمًا، حتى يقلدك ويصير مثلك. 

أثر الكلمةِ الطيبة في العلاقة بين زملاء العمل 

سواء كنت رئيسًا أو مرؤوسًا، فأنت بحاجة إلى انتقاء ما تقول إلى زملاء العمل،؛ فعلاقات العمل ليست علاقات
عابرة، بل قد تستمر سنوات وسنوات. لذلك، حرصك عليها وعلى جعلها علاقات صحية -لا سامة– أمر هام لسلامتك
النفسية.

قد يظن بعض الناس أن قوله الكلمة الطيبة نوع من النفاق والوصولية، وأنه يجب أن يكون فظًا حتى يثبت للآخرين أنه
سليم الذمة.

لكن هذا غير صحيح؛ الكلمة الطيبة تعني أن تتجنب قول الكلام المؤذي، حتى وإن كان صحيحًا، بل تستبدله بكلام آخر
أقل وقعًا على النفس، ويؤدي نفس المعنى.

وتعني أيضًا أن تثني على مَنْ يستحق الثناء، وتشجع مَنْ بذل جهدًا؛ كل ذلك سيقوي علاقتك الطيبة بزملائك،
ويخفف من ضغوط العمل التي قد تتعرض لها. 

نصائح ستساعدك على قول الكلمة الطيبة

  • فكِّر جيدًا قبل أن تتحدث.
  • ابحث عن ميزات الآخرين، والأشياء الجيدة بداخلهم، وحدثهم عنها. 
  • لا تتحدث وأنت غاضب، خذ وقتك حتى تهدأ.
  • إذا كنت في جدال مع أحد، فحاول أن تضع نفسك مكانه حتى تفهم الأمور من وجهة نظره. 
  • لا تقل كلامًا يحتمل معنيين، خاصةً إذا كان أحدهما سيئًا.

ختامًا، لا تنسَ أن الكلمة الطيبة مفتاح القلوب، فاحرص عليها وكن سهلًا لينًا، حتى لا ينفض الناس من حولك.

المصدر
The Power of Words Can Make or Break Your RelationshipYour Words Have Impact, So Think Before You SpeakWhy the Way You Talk to Your Child MattersHow to Avoid Using Cruel Words
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق