ترياق الأمراض النفسية
أخر الأخبار

الكوابيس.. معزوفة الرعب

هل تعاني من الكوابيس؟ لطالما أثارت الدمى ذعري منذ نعومة أظفاري؛ إن نظرتُ إليها خُيِّل إلي أن عيونها الجوفاء تبادلني النظرات، وإن مررت بجانبها شعرت بابتسامتها الساخرة تتسع، وإن أغفلت عيني عنها لحظة واحدة فلربما انقضت على عنقي بأصابعها الباردة لتعتصره بلا رحمة. 

كانت تلك الدمى تطاردني في يقظتي ومنامي. وفي كل مرة، أحاول الصراخ كي ينقذني أحدهم من براثن الأرواح الشريرة التي تسكنها، ولكن بلا جدوى.
أصرخ فلا أسمع لي صوتًا، وأنادي فلا أجد لي مجيبًا. 

كان ذلك كابوسي الوحيد، يتكرر ليلة تلو الأخرى. ثم هدأت تلك الكوابيس فجأة، تمامًا كما بدأت، ولم أعد أدري هل صرت أكبر من أن تطاردني الدمى في الكوابيس؟ 

في هذا المقال، ننبش الكوابيس الدفينة في ثنايا عقلك، ونكشف معًا ما يكتنفها من غموض وما يحيط بها من أسرار.

ما هي الكوابيس؟

هي تلك المشاهد الحية المرعبة التي تقلق نومك وتقض مضجعك. قد تأتيك الكوابيس في صورة وحوش خرافية وأشباح خيالية، كما هو الحال في كوابيس الأطفال.

أو تصبح تلك الكوابيس مشاهدَ من أحداث حقيقية مررت بها، وقد يجتمع الوهم بالحقيقة في مزيج يبث الذعر في قلبك. 

تبدأ الكوابيس في الظهور في الطفولة كجزء من عملية التطور والنمو. وتتوقف عادة من سن 9 إلى 11 سنة، أما إذا استمرت بعد ذلك، رغم عدم وجود صدمة ما، فمن المرجح ألا تتوقف أبدًا، يبدو الأمر مرعبًا أليس كذلك؟

متى تحدث الكوابيس؟

تنشط الكوابيس في النصف الأخير من الليل، في مرحلة نوم “حركة العين السريعة”.

في تلك المرحلة يصبح عقلك نشيطًا بينما يظل جسدك خاملًا، فمهما طاردتك الوحوش، لن يقوم جسمك بالحركة أو إيذاء نفسه، إلا إذا كنت تعاني من اضطراب ما. 

ولا تمثل الكوابيس عادة مشكلة، إلا إذا أثّر الأمر على ساعات نومك وراحة جسدك وتسبب في استنزاف طاقتك بالنهار.

ما الفرق بين الكابوس والفزع الليلي؟

قد يتبادر إلى ذهنك صورة خاطئة لطفل مذعور يسير نائمًا أو يصرخ في نومه، في حين أن ذلك هو ما يُدعى الفزع الليلي

وعلى الرغم من تشابه الكوابيس مع الفزع في الرعب المصاحب لهما، إلا أن هنالك فروقات مهمة، فعلى سبيل المثال:

  • توقيت حدوثها: تظهر الكوابيس في الجزء الأخير من دورة النوم، أو في بدايات الصباح، في أثناء مرحلة حركة العين السريعة.
    في حين يظهر الفزع الليلي في الجزء الأول من دورة النوم، أو نوم حركة العين غير السريعة.
  • قدرتك على تذكر تفاصيلها: بإمكان عقلك استرجاع تفاصيل كابوس مزعج بسهولة.
    في حين يعجز الفرد المصاب بالفزع الليلي عن تذكر الأحداث التي مرت به رغم هلعه وصراخه. 
  • إمكانية إيقاظك: من السهل إيقاظك إذا كنت تمر بكابوس سيء.
    في حين يعجز المحيطون بك عن إعادتك لوعيك في حالة الفزع. ويجب عليهم في هذه الحالة تركك حتى تمر النوبة.
  • سن حدوثها: يصيب الفزع الأطفال عادة، وتقل هذه النوبات حتى تختفي مع بلوغهم.
    في حين قد تستمر الكوابيس في الحدوث في أي سن.

ما أسباب الكوابيس ؟

أسباب الكوابيس

هنالك العديد من العوامل التي قد تزيد احتمالية تعرضك لكابوس مزعج، منها على سبيل المثال: 

  • التوتر العصبي والقلق: يعد ذلك سببًا رئيسيًا لأغلب الكوابيس.
  • التعرض لحادث أليم أو صدمة شديدة: كفقدان شخص عزيز أو التعرض لاعتداء ما.
  • الأرق والحرمان من النوم: كذلك عدم الانتظام في مواعيد أو عدد ساعات النوم.
  • الأعراض الجانبية لبعض الأدوية: مثل مضادات الاكتئاب وبعض أدوية الضغط.
  • بعض أمراض النوم: مثل انقطاع النفس أثناء النوم، ومتلازمة تململ الساقين.
  • بعض الاضطرابات النفسية: مثل اضطراب ما بعد الصدمة أو الاكتئاب.
  • تناول الأطعمة الدسمة قبل النوم: قد يؤدي ذلك إلى تنشيط عملية الأيض ويجعل عقلك أكثر يقظة.
  • قراءة قصص الرعب أو مشاهدة الأفلام المرعبة: قد يبدو ذلك سببًا مدهشًا، ولكن كم مرة امتزج أبطال الفيلم بشخصيات في كابوسك؟

ومع ذلك، لا يشترط وجود أي من العوامل السابقة ليطاردك كابوس ما؛ فقد يحدث الأمر دون وجود سبب واضح.

ما علاج الكوابيس ؟

لا تحتاج الكوابيس عادة إلى علاج باستثناء بعض الدعم المعنوي من الأهل أو الأصدقاء إذا كنت تشعر بضيق أو خوف.

لكن إذا استمرت لفترة طويلة بشكل يخل بمعدل نومك وصحتك النفسية فقد يتطلب الأمر علاجًا.

اقرأ: متى أحتاج إلى طبيب نفسي؟

يعتمد العلاج على مواجهة الأسباب إن وجدت، واتباع العادات الصحية قبل النوم التي من شأنها تقليل فرص الكوابيس في المنام. 

علاج الأسباب المرضية

قد يصف طبيبك العلاج السلوكي المعرفي أو الدوائي على حسب الحالة المرضية أو المشكلة التي تعاني منها مثل: 

  • العلاج التخيلي الاسترجاعي: يستخدم هذا النوع من العلاج النفسي للتعامل مع الكوابيس المصاحبة لاضطراب ما بعد الصدمة. وتعتمد هذه الطريقة على استرجاع الكابوس، وتخيل نهاية سعيدة عوضًا عن النهاية المرعبة. يشعرك ذلك أنك تملك زمام الأمور، فيصبح الكابوس أقل رعبًا.
  • تمرينات الاسترخاء: تستخدم هذه الطريقة للتعامل مع التوتر العصبي، والقلق والأرق.
  • تغيير بعض الأدوية: إذا كانت الأدوية التي تتناولها لمرض مزمن كالضغط سببًا في كوابيسك، يمكن للطبيب تبديل هذه الأدوية بأخرى أو تغيير مواعيدها.
  • وصف بعض المهدئات أو مضادات الاكتئاب: لا تستخدم هذه الخطوة عادة للحد من كوابيسك ولكنها قد تكون ضرورية للتعامل مع اضطرابات نفسية أعمق مثل اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب.
  • علاج أمراض النوم: مثل استخدام جهاز ضخ الهواء المتواصل لمرضى انقطاع النفس أثناء النوم.

العادات الصحية للنوم والتخلص من الكوابيس

العادات الصحية

تساعدك هذه العادات على الحصول على نوم أفضل، حتى لو لم تكن تعاني من أي كوابيس، ومنها ما يلي: 

  • نظم مواعيد نومك واستيقاظك: احرص على النوم في نفس المواعيد تقريبًا، يساعد ذلك ساعتك البيولوجية، ويجعل نومك أكثر راحة.
  • لا تستخدم سريرك سوى للنوم: تجنب المذاكرة أو القيام بأعمال مجهدة على سريرك طوال اليوم، يصعب ذلك دخولك في نوم عميق.
  • حاول التقليل من الكافيين: إن الإفراط في المشروبات المنبهة كفيل بإبقاء عقلك يقظًا حتى لو أدركك النوم، وستشعر بالإجهاد في اليوم التالي.
  • تجنب تناول الأطعمة الدسمة: يفضل التوقف عن ذلك قبل النوم بساعة أو ساعتين. 
  • استرخ قبل النوم: قد يساعدك في ذلك حمام دافئ أو مشروب ساخن.
  • احرص على ممارسة رياضة خفيفة: يساعدك المشي مثلًا على تخفيف حدة التوتر والقلق، لذا ينصح بالمشي نصف ساعة على الأقل، ثلاث مرات أسبوعيًا، كلما أمكن. 
  • ابتعد عن الهواتف والشاشات الذكية: ويفضل ترك الهواتف المحمولة خارج غرفة النوم.

ربما، يا صديقي العزيز، كانت كوابيسك تشبه تلك التي تطاردني، وربما كنت مثلي تشعر بأنفاس باردة وعيون ماكرة تراقبك. 
وما تلك الكوابيس إلا حيل تعزفها عقولنا واسعة الخيال، في معزوفة رعب، لا يستطيع غيرنا سماعها.

ولكن لا تدع الخوف يملأ قلبك ولا ترتعد..
فعقلك الذي نسج الكابوس قادر على نسج أحلام سعيدة تمحي ما خلفته كوابيسك من آثار، فاطمئن!

اظهر المزيد

د. لميس ضياء

صيدلانية إكلينيكية، قضيت شطرًا من عمري بحثًا عن العلم، وأنوي قضاء الشطر الآخر في تبسيط ما تعلمته وتقديمه بلغة سهلة مستساغة للجميع. تستهويني النفس البشرية وأسعى دومًا لسبر أغوارها، وفك طلاسمها، وفهم ما قد يؤرقها من اضطرابات واعتلالات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق