ترياق الطفل

اللاوعي عند الأطفال | استثمار “سبيستون” الخفي!

حتى يكون الفرد منا جزءًا من هذا العالم، وحتى يتسنى له الدخول في هذه المنظومة البشرية، فهناك كمٌّ هائل من القواعد والمفاهيم التي لا بُدَّ من تعلُّمها أولًا.

فهل تساءلت يومًا كيف باستطاعة الأطفال تعلُّم مئات الآلاف من هذه المعلومات والمفاهيم الأساسية في عالمنا؟

كيف لطفل لم يتجاوز الرابعة من عمره أن يتفاعل مع الهواتف الذكية؟ بل وقد يُجيد استخدامها أكثر منك في حال لم تكن جيدًا في استعمالها؟ 

كيف له أن يتعلم كل هذه الأمور دون أن يستغرقه ذلك سوى الملاحظة فقط؟

الإجابة بسيطة، وهي: اللاوعي عند الأطفال. ولكن بقدر بساطة الإجابة، فهي لا تخلو من بعض التعقيد.

لا يُعَدُّ اللاوعي عند الأطفال شيئًا يفكر به الآباء والأمهات عادةً، فجُلُّ اهتمامهم ينصب حول حركات الأطفال، وكلامهم، وتغذيتهم، وبكائهم، وانتظام نومهم وإخراجهم…

فما كان لنا إلا أن نسلط الضوء -في هذا الترياق- على هذا الجانب الخفيِّ من أطفالنا.

الوعي واللاوعي عند الأطفال | ما الفرق بينهما؟

يأبى العالِم (سيغموند فرويد) إلا أن يضع بصمته على معظم مواضيع علم النفس؛ فهذه المرة يُطلُّ علينا بنظريته التي تتناول العقل البشريِّ ومستوياته.

فعلى الرغم من التقدم الكبير الذي شهده علم النفس، والجهد الكبير المبذول في فهم نظرية التحليل النفسي،
إلا أن مفاهيم فرويد الأساسية ما زالت تشكل جزءاً هاماً من علم النفس.

وليس في هذا الموضوع فقط؛ بل في كثير من نظريات علم النفس الأخرى. ولهذا، يتحتم علينا فهم ما وضعه فرويد أولًا للانطلاق في هذا الترياق.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

يُقسَّم العقل البشري -تبعًا لهذه النظرية- إلى ثلاثة مستويات رئيسة:

  • الوعي (Consciousness): يشكل العقل الواعي كل ما نفكر ونشعر به وندركه، ففي هذه اللحظة التي تقرأ
    فيها هذا المقال، أو تستمع لموسيقى هادئة، أو تتحدث فيها مع شخص آخر، يدخل كل ذلك ضمن نطاق الوعي.
  • العقل الباطن (Subconsciousness): هو المخزن لكل ما مررنا به من تجارب، والانطباعات
    التي تركتها هذه التجارب على أذهاننا، والميول التي أيقظتها أو عززتها هذه الانطباعات، باختصار هو كل ذكرياتنا.
  • اللاوعي (Unconsciousness): هو المستوى الأعمق في العقل، حيث تقطن جميع أفكارنا وذكرياتنا وغرائزنا المدفونة في أعماقنا، والتي ليس لنا علم بوجودها إلا أنها تشكل جزءًا كبيرًا من سلوكنا.

فلك أن تتخيل الدماغ مثل لوحٍ جليديٍَ طافٍ على سطح الماء، إذ يشكل الوعي الجزء الظاهر من هذا الجليد فوق الماء. أما العقل الباطن واللاوعي، فيشكلان الجزء الخفي المغمور تحت الماء.

تجدر الإشارة إلى أن هذه المستويات ليست دقيقة تمامًا؛ فهناك تداخل كبير فيما بينها، خاصة في المستويين: العقل الباطن واللاوعي.

إذ إن كثيرًا من الناس على مواقع التواصل الاجتماعي -أو حتى من ذوي الاختصاص- قد يستخدمون هذين المصطلحين للتعبير عن شيء واحد.

ومن هذا المنطلق، وتسهيلًا على القارئ، فضلنا استخدامهما في هذا المقال للدلالة على نفس المفهوم.

اللاوعي عند الأطفال وعلاقته بأمواج الدماغ

اللاوعي عند الأطفال وعلاقته بأمواج الدماغ

كما نعلم، فإن الدماغ يحتوي على شبكة ضخمة من من الخلايا العصبية (Neurons) التي بدورها ترسل الأمواج العصبية وتستقبلها من مختلف الأماكن في جسم الإنسان.

تُقسَّم هذه الأمواج في عقل الإنسان البالغ إلى خمسة أنواع تختلف في تردداتها ووظائفها على النحو الآتي:

  • أمواج جاما (Gamma waves): تنطلق هذه الأمواج بسرعات فائقة، إذ تتراوح تردداتها ما بين 35-100 هرتز، ويطلقها دماغ الشخص عند وصوله إلى ذروة تركيزه في أثناء التفكير الشديد في مسألة معينة.
  • أمواجُ بيتا (Beta waves): تتراوح تردداتها ما بين 12-38 هرتز، ويرسلها الدماغ في حالة النشاط واليقظة والانخراط في المهام اليومية.
  • أمواجُ ألفا (Alpha waves): تتراوح ترددتها ما بين 8-12 هرتز، وتُرسَل عندما يكون الإنسان مستيقظًا لكنه في حالة من الهدوء والاسترخاء العقلي والبدني.
  • أمواج ثيتا (Theta waves): تتراوح تردداتها ما بين 3-8 هرتز، يبعثها الدماغ في أثناء النوم، أو في حالة الاسترخاء الشديد والتأمل، بالإضافة إلى أحلام اليقظة.
  • أمواج دلتا (Delta waves): هي الأمواج الأقل سرعة بترددات تتراوح ما بين 0.5-4 هرتز،
    تنبعث في حالة النوم العميق الخالي من الأحلام.

إلا أن أمواج الدماغ عند الأطفال ما دون السادسة تنحصر في نوعين فقط:

  • أمواج دلتا (Delta waves): إذ إن نشاط الدماغ للطفل في أول عامين يقتصر على هذه الأمواج.
  • أمواج ثيتا (Theta waves): تسود هذه الأمواج على نشاط دماغ الطفل من سن 2-6 أعوام، إذ يقضي الأطفال في هذه الفترة الكثير من الوقت في مزج العالم الخيالي الخاص بهم بالعالم الحقيقي؛ فتجدهم يطلقون أسماء خاصةً بألعابهم وينادونها بها، ويشربون الشاي ويقيمون الحفلات بجميع أنواعها معها.

ولهذا، فإن نشاط أدمغة الأطفال ما دون السادسة أدنى من مستوى الوعي. ولكن ما معنى ذلك؟!

ماذا تعني السنوات السبع الأولى من حياة الطفل؟

ماذا تعني السنوات السبع الأولى من حياة الطفل؟

يقول الفيلسوف اليوناني العظيم (أرسطو) بما معناه: “دعني أربي طفلًا حتى يبلغ السابعة، وسأريك كيف يغدو في المستقبل”.

إن الجزء الأيسر من دماغ الطفل -الجزء المسؤول عن التفكير النقدي والتمييز بين الخطأ والصواب- لا يعمل بكفاءة في السنوات السبع الأولى من عمره لعدم اكتمال نموه بعد، على عكس الجزء الأيمن من الدماغ الذي يعمل بكفاءة عالية. 

وقد أشرنا سابقًا إلى أن دماغ الطفل في هذه الفترة يكون دون مستوى الوعي، في حالة مشابهة تمامًا لما يحدث للدماغ في التنويم المغناطيسي -أحد أنماط الإيحاء النفسي– الذي يعَدُّ طريقةً مباشرةً للولوج إلى العقل الباطن عند الإنسان.

وبالتالي، إن كل ما يرى أو يسمَع أو يُشعَر به يذهب مباشرةً إلى العقل الباطن عند الأطفال دون معالجة، ويُخزن على أنه حقيقة.

بمعنى آخر، إن كل ما يعاش من تجارب وكل ما يُؤخَذ من تصورات عن هذا العالم -سيئة كانت أم حسنة- يبقى في اللاوعي عند الطفل.

ويستمر تطوير مكتبة اللاوعي عند الطفل وتوسيعها يومًا بعد يوم بتعريفات وارتباطات جديدة، مشكِّلةً بذلك سيناريو حياة الطفل المستقبلية، دون مقدرته في هذا السن على تمييز صالحها من طالحها.

تنتج عن هذه التعريفات ارتباطات معينة، والتي بدورها تؤدي إلى تكون المشاعر.

فعلى سبيل المثال، إذا كان لطفل تجربة مخيفة مع  كلب، يعَدُّ الكلب هو “التعريف”. وبما أن التجربة كانت خَطرة،
فقد ربط الطفل صورة الكلب بمفهوم “الخطر”، فأدى ذلك مستقبلًا إلى الشعور بالخوف بمجرد رؤيته للكلب.

لذلك، قد يكون إدراكنا للقيم والمعتقدات الأساسية في حياتنا غرِس فينا دون قدرتنا على اختيار أو رفض هذه القيم والمفاهيم!

وهنا، تتجلى حكمة الفيلسوف (أرسطو) ويظهر بعد بصره وبصيرته عندما أدرك مفهوم برمجة الطفل، إلا أنه لم يعبر عنه بمصطلح خاص.

والآن دعني أطرح عليك سؤالًا عزيزي القارئ، هل يمكن القول بأننا جميعًا مبرمجون منذ نعومة أظافرنا؟

اللاوعي عند الأطفال وتأثيره على الحضارة

اللاوعي عند الأطفال وتأثيره على الحضارة

لعلك تتساءل الآن: أليس هنالك جانب سلبي خطير للغاية لاكتساب الطفل إدراكه وقيمه ومعتقداته بهذه الطريقة؟!

في الحقيقة إن نتائج ذلك لا تقتصر على الفرد فقط؛ بل تتعدى لتؤثر في مجتمعات وحضارات بأكملها.

تكمن المشكلة الأساسية في كون دماغ الطفل مثل الإسفنجة؛ فهو قادر على امتصاص أي شيء من حوله دون أي تنقيح أو تنقية.

ماذا لو كانت برمجة الطفل سيئة؟ ماذا  لو كانت هذه المعتقدات والمفاهيم مدجَّجةً بالأفكار والتصورات الفاسدة والخاطئة؟

كل هذه المفاهيم والقيم السلبية ستولد بعد ذلك مشاعرَ وسلوكاتَ منسجمةً ومتوائمةً معها تمامًا. باختصار… ستشكِّل هويَّة الطفل مستقبًلا.


في المقابل، دعنا ننظر الآن إلى النصف الممتلئ من الكأس. ماذا لو كانت برمجة الطفل حسنة؟ ماذا لو كانت معظم المفاهيم والقيم المغروسة صالحة ومحمودة؟

لا داعى لأن تتخيل وتفكر في الأمر؛ فسأضرب لك مثالًا حيًا بجيل التسعينيات.

إذا ما ذكِر اسم (سبيستون) لأحد من جيل التسعينيات -ولعلك أيها القارئ، أحد أفراد هذا الجيل العظيم- تجد عينيه قد اتسعت ولمعت مضاهيةً بذلك لمعان البرق.

 ناهيك عن الهتافات والاحتفالات التي يقودها “جيل النبلاء” على مواقع التواصل الاجتماعي في ذكرى افتتاح القناة من كل عام. فلماذا أسرت هذه القناة قلوب مشاهديها إلى هذه الدرجة؟

تبنت (سبيستون) منذ نشأتها نطاقًا واسعًا من القيم الأخلاقية والمفاهيم التي حرصت على غرسها في اللاوعي عند الأطفال.

فقد غرست معاني الحب والأخوَّة والرابطة المتينة التي تجمع أفراد الأسرة الواحدة في “أنا وأخي”، والفرح والسرور عند الاجتماع بالعائلة كما جسدته “ريمي”، والإصرار والعزيمة للوصول إلى المُبتغى كما فعل “سابق ولاحق”
في حلبات سباق السيارات، والطموح الذي لا يحدُّه سقف ولا يمنعه حاجز كما كان طموح كل من “الكابتن ماجد” و”الكابتن رابح” في الملعب.

لم تتوقف القناة عند هذا الحد؛ فقد حملت على عاتقها غرس معاني العروبة والوطنية والانتماء، مصورةً إياها
في “النمر المقنع”، وفواصل القناة وأغانيها مثل “وطني عربي وطن الحب”، أو “الوطن العربي – فلّة”.

ناهيك عن الطابع الديني التي أضْفته إلى بعض أناشيدها، مثل: “يا طيبة”، و”قمرٌ سيدنا النبي”.

فقد نجحت (سبيستون) في كونها “قناة شباب المستقبل”، وضربت لنا أروع الأمثلة في قدرة القنوات الفضائية على التأثير في اللاوعي عند الطفل.

إعادة برمجة العقل الباطن عند الأطفال

إعادة برمجة العقل الباطن عند الأطفال

لعلك الآن تمرر شريط الذكريات بسرعة مفتشًا عن لحظات كنت قد وجهت فيها كلامًا مسيئًا -أو غير لائق- لطفلك،
بينما كنت منهكًا من ضغوطات الحياة وأعبائها المستمرة، أو تمر بفترات صعبة في العمل، وتحدث نفسك بنبرة يغلب عليها القلق والندم: “ليتني أستطيع الولوج إلى اللاوعي عند طفلي وأمحو هذه الكلمات منه!”.

في الحقيقة قد تستطيع فعل ذلك!

أدركت (جوان جولدينج – Joane Goulding)، الخبيرة في علم النفس الحيوي ومديرة الأكاديمية الأسترالية لعلوم التنويم، منذ عدة سنوات إمكانية برمجة عقل الطفل في أثناء النوم، وذلك بإنشاء طريقة سمَّتها (The Goulding SleepTalk® process).

يستخدم أطباء الأطفال هذه الطريقة من قبل 30 عامًا تقريبًا لانتزاع الأفكار السلبية التي اكتسبها اللاوعي عند الطفل،
وتعزيز الثقة بالنفس والأفكار الإيجابية عنده بالمقابل.

تتمثل هذه التقنية ببساطة في برمجة عقل الطفل في أثناء النوم، عن طريق الحديث معه دوريًا وتوجيه كلمات إيجابية
داعمة تعزز الصفات الحميدة فيه وتزيد ثقته بنفسه، مما ينعكس إيجابًا عليه مستقبلًا، ويقلل خوفه من الفشل.

ومن هنا تنبع أهمية الوسطية والاعتدال في التعامل مع الأطفال، أن تجمع بين الشدة واللين في آنٍ واحدٍ فتُلزم
كلًّا منهما موطنه فلا تُفلت الحبل إلى حد الارتخاء ولا تشده أكثر مما ينبغي فينقطع.

على الرغم من أهمية وحساسية هذه المرحلة من حياة الطفل، إلا أن ارتكاب بعض الأخطاء في أسلوب تربيتهم
ومعاملتهم لا يعني الحكم عليهم بالفشل لبقية حياتهم.

فمن منا لا يملك صفات وسلوكات سيئة يحتمل أننا اكتسبناها منذ صغرنا إلا أننا نحاول جاهدًا التغلب عليها فننجح
في مرات ونفشل في مرات أخرى كثيرة.

أهمية اللاوعي عند الأطفال

تكمن أهمية اللاوعي عند الأطفال في كونه قاعدة البيانات الضخمة التي يقضي أول سنين حياته في بنائها وتحضيرها،
لينبثق منها وعيه وإدراكه وقدرته على خلق أفكار إبداعية جديدة والتمييز بين الخطأ والصواب، وبالتالي القدرة على اتخاذ القرارات.

أهمية اللاوعي عند الأطفال

تخيل عقلك على أنه هاتفك الذكي ووعيك يمثل شاشة العرض التي تستخدمها في أداء الوظائف المختلفة،
والعقل الباطن هو البيانات ونظام التشغيل لهذا الهاتف.

فلا فائدة للهاتف الذكي وشاشة العرض بدون نظام التشغيل والبيانات الداخلية، وهكذا العقل؛ فلن يكون هناك وعي
ما لم يكن هنالك لاوعي لينطلق منه.

فكل سلوك وراءه فكرة، فإذا أردت تغيير سلوك، عليك بتغيير الفكرة أولًا. أما إذا أردت زراعة سلوك، فعليك بزراعة الفكرة التي ستُنبته وتزهره.

المصدر
95% Of Your Life Is Programmed By The First 7 Years Of Your LifeDo the First 7 Years of Life Really Mean Everything?The First Seven Years Are Key to a Successful LifeWhat to Know About Gamma Brain WavesGP-SleepTalk-Manual-Level1.pdfA Child’s Subconscious Mind: How Parents Can Hurt or Help Their KidsAre You Programmed at Birth?
اظهر المزيد

Abdalrahman Ajjour

"أنت طبيب! فلماذا تكتب؟" لطالما تردد هذا السؤال على مسامعي، فأكتفي بابتسامة خفيفة يتبعها سكون عميق في محيط من إجابات مكنونة لا أبوح بها. أنا أكتب؛ لأنّني لا أملك إلاّ أن أكتب، أنْ أقول، أنّ أسرد، أن أحكي، وأنْ أقصّ كلّ ما في أعماقي، ربّما لو توقّفْت عن فِعل ذلك لمُت. القلم إكسير الحياة، والحروف أرواحٌ جديدة، والورق إغراء بالاستمرار، وكلّ لحظات اللّقاء مع الورقة البيضاء يعني أنّ حياةً جديدةً سوفَ تُكتَب لنا، وانّنا ربّما سنعيش أعمارًا طويلةً.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى