ترياق الأمراض النفسيةترياق الصحة الجنسية

المازوخية – متعة الألم ولذة الخضوع | Masochism

كنت جالسًا ذات يوم مع أحد الأصدقاء نتسامر في أمورنا الحياتية، بدا عليه الحزن ذلك اليوم وهو يحدثني عن ذكريات طفولته القاسية.

كان يواري ذراعه عني طيلة الوقت على غير العادة، ولمحت على ذراعه شيئًا يبدو كأنه جرح حديث، وعندما سألته قال مُنكِرًا: “لا تهتم، ليس هناك أي جرح”!

أثار رده شكوكي وفضولي، فألححت عليه في السؤال عما يحاول إخفاءه، ومع الضغط أجاب بأنه جُرِح بسكين زاعمًا بأنه عن طريق الخطأ.

فلما سألته عن كيفية حدوث هذا، رد متلعثمًا بأن الأمر ليس بالمهم، وحاول تشتيتي عن الإجابة. وبعد محاولات عديدة، يأس مني وقال أنه هو من جرح نفسه بالسكين، بل لديه عدة جروح وكدمات في مختلف أنحاء جسده.

توقفت عن الكلام لبرهة مندهشًا، وأعطيته المجال ليكمل حديثه. قال: “في الحقيقة أنا أعاني من اضطراب نفسي يُدعَى بالمازوخية أو الماسوشية”.

 كان وقع الكلمة غريبًا على أذني، سألته إن كان قد ذهب إلى طبيب نفسي لعلاج هذه المازوخية ، فأجاب بالنفي.

اتفقنا على موعدٍ لزيارة الطبيب النفسي، وكان لدي الفضول لمعرفة تفاصيل هذا المرض العجيب.

نتابع في هذا المقال لقاءنا مع الطبيب، ونتحدث عن ماهية المازوخية وأسبابها، وعن سمات الشخصية الماسوشية، وكيفية علاجها والتعامل معها.        

ما هي المازوخية؟

وصلنا إلى مقر الطبيب النفسي، وبعد الترحيب سأل صديقي عما يعانيه، فبدأ صديقي في سرد ما يشكو منه؛ في النهاية أكد الطبيب أن ما يعاني منه هو المازوخية.

قلت: “عفوًا سيدي الطبيب، لكن ما هي المازوخية؟!”.

أجابني قائلًا: “المازوخية -وتُسمَّى أيضًا بهزيمة الذات (Self-defeating personality disorder)- هي اضطراب نفسي يسعى فيه المرء للحصول على اللذة من خلال الشعور بالألم والمعاناة والخضوع للآخرين، بل ويمكن للمريض إيذاء نفسه للحصول على هذه المتعة إذا لم يتوفر من يؤذيه”.

أردف الطبيب حديثه: “وللمازوخية عدة مظاهر، منها: التلذذ بالأذى اللفظي كالسب والقذف، أو الأذى المادي كالضرب والجرح والجَلد.

وقد تمتد المازوخية إلى العلاقات الجنسية وهو من أشهر مظاهر المازوخية؛ فكم سمعنا عن نساء يتلذذن بالضرب أو السب أو الجلد أثناء العلاقة الحميمية، وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى حدوث إصابات بالغة أو كسور أثناء هذه العلاقة”.

الفرق بين المازوخية والسادية

سألت الطبيب: “لكن -سيدي- هل مفهوم المازوخية مشابه بعض الشيء لمفهوم السادية؟”.

قال: “بالطبع لا، شتان بين هذه وتلك؛ فالسادية على النقيض هي اضطراب نفسي يحصل من خلاله المرء على المتعة من تعذيب الآخرين وإذلالهم وإخضاعهم والتلذذ بمعاناتهم”. 

ثم أكمل قوله: “وتكمن الكارثة فيما إذا اجتمع الشخص المازوخي مع الشخص السادي؛ فالمازوخي كلما زاد تعذيبه
كلما زادت متعته، والسادي تزداد متعته بزيادة معاناة الضحية، الأمر الذي قد يؤدي إلى الموت في عدة حالات”.

درجات الشخصية المازوخية 

سأل صديقي: “لكن ما هي درجات الشخصية المازوخية، كي أعرف تصنيف حالتي؟”.

أجابه الطبيب: “تتفاوت درجات المازوخية من مريض لآخر بين ثلاث درجات، وهي:

  • درجة ضعيفة؛ ويتلذذ فيها المازوخي بشعور الخوف كالاستمتاع بمشاهدة أفلام الرعب، أو الذهاب إلى الأماكن المخيفة، أو التلذذ باستقلال الألعاب المروعة في الملاهي.
  • درجة متوسطة؛ ويتقبل فيها المازوخي السب والتحقير والضرب دون إبداء أي مقاومة، بل ويشعر بالمتعة من مثل هذه الأمور.
  • درجة شديدة ومستعصية؛ وفيها يبدأ المازوخي بطلب الأذية من الآخرين أو استفزازهم حتى يتوجه الشخص له بالسب والإهانة والضرب.
    وكذلك يمكن للشخص أن يؤذي نفسه بالجروح البالغة ليشعر بالمتعة من جراء الألم، وقد يتعرض المازوخي للكسور أو حتى الموت.

أسباب المازوخية

أسباب المازوخية

قلت: “يبدو -سيدي الطبيب- أن الأمر خطير، لكن ما هي أسباب المازوخية؟”.

نظر إليَّ ثم التفت إلى صديقي وقال له: “من فضلك أَعِد سرد ما قلته عن طفولتك في أول لقائنا”.

قال صديقي: “بالطبع -سيدي-، فقد عانيت في طفولتي من عنف ومعاملة قاسية من أبي وأمي؛ كانا يقللان من شأني ورأيي، كنت أتعرض للضرب المبرح وأنعزل بعيدًا عن الناس، أصبحت مضطرب الشخصية واهتزت صورتي أمام نفسي”. 

أكمل صديقي حديثه: “وعندما ذهبت إلى المدرسة كان الأطفال يضربونني ويؤذونني كثيرًا، ولا أستطيع الرد عليهم أو الدفاع عن نفسي، بل كنت أكتفي بتأنيب ضميري، حتى تطور معي الأمر فصرت لا أحصل على المتعة إلا إذا شعرت بالإهانة أو الألم”.

قلت: “هذا يعني أن الأمر يبدأ مع الشخص منذ الصغر، ويقع على عاتق الأبوين مسئولية كبيرة في الإعداد النفسي للطفل كي لا يصاب بالمازوخية”. 

رد الطبيب: “أوافقك الرأي؛ فسوء معاملة الوالدين وتهميشهم للطفل وعدم إعطاءه المساحة الكافية ليبدي رأيه هو ما يصيبه فيما بعد بالمازوخية”.

هل أنت ماسوشي؟

استكمل الطبيب كلامه: “ويمكن أيضًا أن يكون الشخص ماسوشيّا دون أن يشعر”.

قلت متعجبًا: “أحقًا هذا؟!”. 

قال: “أجل؛ فهناك سمات للشخصية الماسوشية من الممكن أن تكون أحد جوانبها أو أكثر في شخصية الإنسان،
أسردها لكما فأعيراني انتباهكما:

سمات الشخصية الماسوشية

  • يعمل بشدة لدرجة الإنهاك فقط لتحقيق أهدافه، وهذا أمر مسيء للذات فأنت تذلَ نفسك بالعمل بأقصى ما لديها، بل وفوق حدود طاقتها.
  •  يشعر بالإهانة الداخلية، فهو على عكس المحيطين به لا يتأفف ولا يتخذ خطوات جدية للتعبير عن اعتراضه على هذه الإهانة مثل معظم الناس.
  • لا يستطيع قول (لا) إذا اعترض على شيء من حقه، لكن يستبدله بإطالة الرجاء لمن أمامه ويرتجف قلبه خوفًا من الاعتراض.
  • يشعر بأنه غير مرغوب به في هذا العالم، ويظل يعمل جاهدًا فوق طاقته لإرضاء مَنْ حوله، ولا يرى ذلك كافيًا بل يتمادى في ذلك على حساب نفسه.
  • هناك ناقدٌ وصوتٌ داخلي ينتقد دائمًا كل ما يفعله، ويدفعه إلى المزيد من الإنهاك لتحقيق ذاته.
  • يشكو من حياته دائمًا ويقف دون أدنى محاولة لإصلاح ذلك الخلل، ويرفض مساعدة الآخرين.
  • ينجذب للعلاقات المسيئة التي يتعرض فيها للإهانة والإذلال، ويتخذ تحمل الألم وعدم إظهاره للناس مجالًا للفخر بالذات.
  • يشعر بأنه محاصر في دورات لا متناهية من الهزيمة الذاتية، فلا يستطيع الشعور بالسعادة دون تأنيب نفسه وإلقاء اللوم عليها، ودائمًا يشعر بخيبة الأمل من المستقبل”.

علاج الشخصية الماسوشية

“إذًا، ما هو علاج الشخصية الماسوشية، سيدي الطبيب؟”، قالها صديقي بصوت محتقن.

رد الطبيب: “هناك عدة خطوات يجب اتباعها إذا كان لدى الشخص عرض أو أكثر من أعراض المازوخية السابق ذكرها، وهي كالآتي:

  • التوجه الفوري إلى الطبيب النفسي حال اكتشاف بعض الصفات السابقة، وتحكي له ماضيك وما تعرضت له كي يصف لك العلاج المناسب.
  • يجب التحكم في القلق، ربما يكون الأمر مرعبًا في البداية لكن مع الوقت تستطيع التعود والاعتماد على نفسك في قراراتك.
  • التحكم في الناقد الداخلي، ومعرفة متى يتم تشغيله وعدم الالتفات إليه.
  • الاستعانة بالمعالج النفسي لتحريرك من الحزن على ماضيك، وليساعدك على التغلب على جروح الطفولة المؤلمة.

هذه نصائح عامة لمن أراد أن يتخذ سبيل العلاج الحقيقي، وعليه ألا يتأخر”.

قال صديقي: “شكرًا -سيدي الطبيب- على هذه النصائح القيمة، وإلى لقاء في موعد آخر لمتابعة سير الخطة العلاجية”.

المصدر
Sexual MasochismAre You A Masochist? Here’s How To Tell… And What To Do About ItSelf-defeating Personality Disorder: Recognition and TreatmentMasochism and Pathological Gambling
اظهر المزيد

د. محمود المغربي

صيدلي إكلينيكي، عملت في المجال الطبي لسنوات اكتسبت خلالها الخبرة الكافية بالإضافة إلى الخلفية الطبية القوية كصيدلي إكلينيكي. أهدف إلى مساعدة الناس على تحقيق حياة صحية أفضل من خلال إعطائهم معلومات دقيقة تستند إلى مراجع طبية موثوقة، بأسلوب كتابة سهل تتحول فيه المعلومات الطبية الأكثر تعقيدًا إلى كلمات سلسة تتدفق بسهولة في ذهن القارئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق