ترياق الأمراض النفسية

المتلازمات الثقافية

Culture-bound syndrome

«أنا فاشلة!… لا أستطيع التركيز!… لن أكون مثل زميلاتي!… سوف أخذل عائلتي!… لماذا أشعر بألم برأسي؟!…»

– ما بال ابنتك يا رجاء؟!

– لا أعلم! احترتُ بأمرِها!

– أنا أعلم، ابنتُك “ممسوسة”، وتحتاج إلى “زار” في أقرب وقت!

– أنتِ على حق، فقد تبدل حالها في وقت قصير! لن اُضيع مزيدًا من الوقت… هيا بنا!

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

«إن قوة الفكر قادرةٌ على إحداث المرض والشفاء منه!» 

عندما قال العالم المسلم (ابن سينا) مقولته هذه، لم يكن يعلم وقتها أنه قد سبق الأطباء النفسيين في اكتشاف “المتلازمات الثقافية” بعشرة قرون!

ما مفهوم “المتلازمات الثقافية”؟

لمعرفة مفهوم “المتلازمات الثقافية”، يجب توضيح المعنى الطبي لكلمة “متلازمة” أولًا. 

“المتلازمة” هي مجموعة من العلامات والأعراض المجتمعة التي تُميز حالةً معينة، قد تكون مجموعة من العواطف أو الأفعال المتزامنة التي تُشكل نمطًا يمكن التعرف إليه.

إذن، مفهوم “المتلازمات الثقافية” أو “المرض الشعبي” من منظور طبي ونفسي هو: مزيج من الاضطرابات النفسية والجسدية التي تُميز مجموعات عرقية ثقافية بعينها.

لذا، يمكن عدها أنماطًا من السلوك المنحرف متكررة ومحددة جغرافيًا، وهي تجربة مُقلقة قد تتعلق في المقام الأول بالبنية الأساسية للأنظمة التصنيفية النفسية الدولية.

عام 1985، أعدت قائمة مكونة من 168 متلازمة ثقافية في مسرد، بينما احتوت الطبعة الرابعة من الدليل التشخيصي والإحصائي للجمعية الأمريكية للطب النفسي على مسردٍ يحوي 25 إدخالًا.

بينما تسرد المعايير التشخيصية للبحث في المراجعة العاشرة للتصنيف الدولي للأمراض (التابع لمنظمة الصحة العالمية) اثني عشر مثالًا على “المتلازمات الثقافية”، وتقترح رموزًا تشخيصية، مع الإشارة إلى عدم إمكانية استيعاب هذه الحالات بسهولة في التصنيفات النفسية المعترف بها.

أعراض المتلازمات الثقافية

تختلف أعراض كل متلازمة ثقافية عن الأخرى، فلا يمكن تعميم الأعراض لكل هذه المتلازمات، ولكن يمكن ذكر بعض الأعراض التي أمكن حصرها للمتلازمات الثقافية.

ومن تلك الأعراض:

  •  نوبات بكاء وارتجاف وصراخ لا يمكن السيطرة عليها.
  •  العدوان الجسدي أو اللفظي.
  •  حرارة شديدة تبدأ في الصدر وتتحرك نحو الرأس. 

ترتبط هذه الأفعال بأحداث مرهقة غالبًا، على سبيل المثال: 

  • وفاة أحد الأحبة. 
  • الطلاق أو الانفصال. 
  • مشاهدة حادث يشمل أحد أفراد الأسرة.

هل المتلازمات الثقافية مرتبطة ببلد المنشأ أم بلد المعيشة؟

وصِفت المتلازمات الثقافية أول مرة منذ أكثر من 60 عامًا، كان الافتراض الأساسي وقتها هو أن بعض المتلازمات النفسية تقتصر على ثقافات معينة. 

وليس من شك في أن الثقافات تؤثر في كيفية إدراك الأعراض وشرحها وطرق طلب المساعدة.

لقد جعلت العولمة العالم قرية صغيرة، ومن ثم تأثرت الثقافات ببعضها تأثرًا كبيرًا، وقد أدى ذلك إلى تغييرات اجتماعية واقتصادية عالمية، أدت إلى انتشار تلك المتلازمات الثقافية. 

كان الاعتقاد السائد أن المتلازمات الثقافية تحدث فقط في البلد أو المنطقة الأصلية، لكن التحركات السكانية الكبيرة وميل المهاجرين إلى البقاء داخل ثقافاتهم -على الرغم من انتقالهم إلى بلدان جديدة- أسهم في نشر المتلازمات في أجزاء أخرى من العالم. 

أمثلة لبعض المتلازمات الثقافية الشهيرة

  1. متلازمة أموك:
  • ظهرت أول مرة في شعب الملايو.
  • تصيب الذكور عادةً.
  • تتكون من فترة اكتئاب تليها فورةٌ مفاجئة من هيجان القتل العشوائي، الذي يثيره أحيانًا الشعور بالإهانة أو الغيرة أو اليأس. 
  • قد يموت الشخص الذي يمارس الفوضى بشكلٍ من أشكال القتل أو الانتحار. 
  1.  متلازمة شلل الدماغ:
  • وصِفت الحالة أول مرة في طلاب المدارس الثانوية والجامعات النيجيرية في الستينيات. 
  • تشمل أعراضٌ جسدية متعلقة بالنوم والإدراك، وصعوبة التركيز والتذكر، وآلام الرأس والرقبة والعين. 
  • تعد من المتلازمات الثقافية الناتجة عن الضغط المفرط الذي يمارسه بعضهم على الشخص ليكون ناجحًا في المجتمع. 
  1. متلازمة الزار:

يُعد الزار نوعًا من الطقوس التي يُزعم أنها مفيدة في تهدئة الأرواح التي تمتلك البشر، و يُعتقد أنها سبب الإصابة بالأمراض. 

تنتشر تلك العادة في:

– دول شمال أفريقيا وشرقها، مثل: السودان ومصر وإثيوبيا والصومال -حيث يُطلق عليها “سار”.

– بعض دول الشرق الأوسط، مثل: الكويت وجنوب إيران.

في هذه الثقافات، يرتبط امتلاك الروح بحلقاتٍ انفصالية، مثل التغيرات المفاجئة في الوعي أو الهوية التي قد تشمل فتراتٍ من الصراخ أو ضرب الرأس بالحائط أو الضحك أو الغناء أو البكاء.

  1. متلازمة الهجوم العصبي:

تظهر بين الأفراد من أصلٍ لاتيني، وتتميز بأعراض اضطراب عاطفي شديد، بما في ذلك: 

  • القلق الحاد أو الغضب أو الحزن.
  • الصراخ الشديد.
  • نوبات البكاء. 
  • ارتفاع حراري يمتد من الصدر إلى الرأس.
  • عدوان لفظي وجسدي.

كذلك تبرُز التجارب الانفصالية -مثل: فقدان الذاكرة أو الانفصال عن الواقع- والنوبات التي تشبه الإغماء والإيماءات الانتحارية في بعض المواقف.

لكن السمة العامة هي الشعور بفقد السيطرة، وتتكرر الهجمات مباشرة نتيجة التعرض لأحداث مُفجعة تتعلق بالعائلة.

  1. متلازمة لاتاه:
  • مرتبطة بالثقافة الماليزية والإندونيسية.
  • فيها يستجيب الأشخاص إلى الحد الأدنى من المحفزات برد فعلٍ مبالغ فيه، وغالبًا ما يصيحون بكلمات ذات إيحاء جنسي.

مما لا شك فيه أن المجتمع هو المُحفز الأساسي لكل سلوكات الأفراد، والمُوجد لكل المتلازمات الثقافية. 

فيجب عليك الاعتدال في التفكير، وعدم الانسياق وراء الجموع من أجل الاندماج فحسب؛ فأنت لا تشبه أحدًا، وهذا ليس نقصًا وإنما تميُز.

استوعب وفكِر، ولا تبالغ في ضغط نفسك سعيًا وراء النجاح، وحاول أن تكون مُفكرًا وباحثًا عن الحقيقة والإيجابية في كل زمان ومكان.

حافظ على آرائك الخاصة ولا تُكرر ما لا تفهم. 

فإن لم تفعل؛ فربما تكون سببًا في خلق إحدى المتلازمات الثقافية الجديدة في المستقبل دون أن تعلم! 

كتبته: نسمة عصام الدين علي بركات

المصدر
مصدر 1مصدر 2مصدر 3
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى