مفاهيم ومدارك

المشاعر الجياشة Overwhelming feelings| أمواج عاتية!

كأنني قدر مملوء بالماء يغلي على الموقد بلا توقف!

أو كأن أمواجًا عاتية تفاجئني وتعصف بي وبروحي، مرارًا وتكرارًا!

هذا -بالضبط- ما يصف تلك المشاعر الجياشة التي تغمرني. 

أشعر وكأنني ترس يتحرك في عجلة الحياة؛ تحاصرني المسؤوليات في بيتي وعملي.

يرن هاتفي بلا انقطاع، عقلي مشغول بالتزامات البيت ومهام العمل… 

متى سأشتري طلبات البقالة؟ 

متى سأطهو طعام الغذاء؟ 

ما زلت لم أتفقد رسائلي الإلكترونية!

متى سأراجع نتائج البحث؟…

وعندما يعصف بي التعب والإرهاق، يجتاحني فيض من مشاعر القلق أو الغضب أو الحزن أو الإحباط… 

تستحوذ علي تلك المشاعر؛ فتغمرني وتبقيني في مكاني؛ فلا أستطيع التفكير أو المضي قدمًا!

أشعر وكأنني أحترق من الداخل؛ فأنا أعجز تمامًا عن السيطرة على تلك المشاعر الغامرة.

ولكن ما هي المشاعر الجياشة؟ وما هي العلامات الدالة عليها؟ وكيف يمكننا التعامل مع هذه المشاعر الفياضة؟ هذا ما سنعرضه في هذا المقال. 

ما هي المشاعر الجياشة (Overwhelming feelings)؟

تعرف المشاعرُ الجياشة بأنها تلك المشاعر والانفعالات التي لا يمكننا السيطرة عليها، وتؤثر سلبًا في حياتنا.

فهي فيض من المشاعر يصعب علينا إدارته أو التحكم به، وقد تؤثر في قدرتنا على التفكير أو التصرف بعقلانية، وقد تعطلنا عن أداء مهامنا اليومية.

ويطلق عليها أيضًا “المشاعر الفياضة” أو “المشاعر الغامرة”.

لقد تزايدت التحديات التي نواجهها يوميًا في حياتنا الخاصة أو العملية، إلى جانب احتياجاتنا اليومية التي يجب تلبيتها، وتلك الطموحات والتوقعات التي نأمل تحقيقها؛ مما أدى إلى تزايد الضغوط التي نشعر بها، ومشاعر الإرهاق والتعب التي تصيبنا.

يعد الشعور بالتعب والإرهاق طبيعيًا، وجزءًا من رحلتنا في الحياة، ولكن ماذا لو غمرتنا تلك المشاعر الجياشة، وأصابت تفكيرنا بالشلل؟!

كيف أعلم أني أعاني المشاعر الجياشة؟

كل منا له تجربته الفريدة وتحدياته الخاصة، ولكن هناك من تتغلب عليه الضغوط والمسؤوليات الملقاة على عاتقه، ويعجز عن التعبير عما يشعر به.

تصيبك المشاعر الفياضة عندما تفوق شدة هذه المشاعر قدرتك على التعامل معها؛ فتطغى عليك المشاعر السلبية، وتؤثر في صحتك النفسية والجسدية.

تشمل العلامات التي تنذر بأنك تعاني المشاعر الجياشة (Overwhelming feelings):

  • الاستجابة بردود أفعال غير متوقعة تجاه المواقف الصغيرة، مثل أن يصيبك الهلع إذا فوَّت اتصالًا مهمًّا.
  • الشعور بالإرهاق أو بآلام جسدية دون سبب واضح.
  • صعوبة في التركيز أو إنجاز المهام الصغيرة.
  • الانعزال عن الآخرين، والانسحاب الاجتماعي.
  • طغيان المشاعر داخلك على رؤيتك لما حولك؛ فعندما تكون حزينًا ترى العالم قاتمًا من حولك، وعندما تكون سعيدًا يخيَّل إليك أنك تسمع زقزقة العصافير.

كيف تؤثر المشاعر الجياشة في حياتي؟

قد تواجه صعوبة في الاعتناء بنفسك عندما تحاصرك تلك المشاعر الجياشة؛ فقد:

  • تنسى تناول الطعام.
  • تعاني مشاكل في النوم.
  • تقل قدرتك على التفكير بعقلانية.
  • تتأثر حياتك الاجتماعية.
  • تعاني مشاكل صحية نفسية وجسدية.

كيف أتعامل مع المشاعر الجياشة ؟

هناك ثماني تقنيات تساعدك على السيطرة على تلك المشاعر الغامرة، وهي:

  • استخدم تقنية 5-4-3-2-1

وهي إحدى تقنيات “التأمل الواعي”، وتعتمد على استخدام الحواس الخمسة، وخطواتها:

(5) انظر حولك، وسمِّ خمسة أشياء يمكنك رؤيتها حيث تجلس.

(4) أنصت، وسمِّ أربعة أشياء يمكنك سماعها.

(3) لاحظ ثلاثة أشياء يمكنك لمسها، مثل: صفحات الكتاب الذي بجانبك، أو شعور قدميك على السجادة.

(2) حدّد شيئين يمكنك شم رائحتهما، مثل: أن تشم رائحة الورق أو تلك الشمعة العطرية.

(1) تذوق شيئًا واحدًا، تكفيك رشفة من الماء البارد.

تساعدك هذه التقنية على قطع الطريق أمام هذه المشاعر الفياضة في التحكم بك، كما يساعدك العد وتتبع الحواس في الخروج من دائرة هذه المشاعر، وإحكام السيطرة على انفعالاتك من جديد.

  • نظف الفوضى من حولك

“ترتيب خارجي = هدوء داخلي” هذه ليست فقط مقولة شائعة، ولكنها حقيقة أيضًا.

فإن تنظيم المنطقة حولك يشبه إعادة النظام إلى ركن صغير في الكون، ويساعدك في المضي قدمًا.

كيف أتعامل مع المشاعر الجياشة؟

ليس المقصود أن تنهك نفسك في التنظيف، ولكن يكفيك وضع تلك الأوراق المكدسة بترتيب في أحد أدراج المكتب، ووضع تلك الأقلام في مكانها، ولا تنس إزالة الغبار والأتربة من على سطح المكتب.

بعد إنهائك المهمة؛ ستشعر بالإنجاز، وقد تشرع في التركيز على تلك الفكرة من جديد، وستنسى تمامًا أمر تلك الفوضى.

  • الأهم فالمهم

قد تتزاحم عليك المهام، توقف قليلًا، وفكِّر، والتزم فقط بأداء المهام التي تحتاج إلى إنجازها الآن.

  • لا تعدِّد المهام

نحن نعلم أن تعدد المهام ليس شيئًا حقيقيًا ولا يحدث عادةً؛ فالدماغ البشري ليس مصممًا للقيام بمهمتين أو ثلاث في نفس الوقت.

وينتهي بنا الأمر، ونحن نتحرك ذهابًا وإيابًا بين تلك المهام دون إنجازها؛ مما يتركنا عرضة لهجوم تلك المشاعر الجياشة علينا.

ولكن قد يحدث “تعدد المهام” بشكل غير متعمد، وذلك عندما تعمل من المنزل، وتراقب أطفالك الصغار في نفس الوقت، أو تجري مكالمة هاتفية وأنت تشاهد التلفاز. فهناك العديد من الأشياء التي تشتت انتباهك باستمرار، ثم تعود من بعدها للتركيز في المهمة الأساسية.

اقرأ أيضًا: الانتباه الانتقائي – Selective attention

عليك الالتزام بمهمة واحدة في كل مرة حتى لا يصيبك الإرهاق والإحباط، وتقع فريسة لتلك المشاعر الغامرة.

  • اخطُ الخطوة الصغيرة التالية

عندما تجد نفسك واقفًا بلا حراك وسط مهمة ما، وكأنك تجمدت، ولا تعرف ما عليك فعله؛ فكِّر فقط في الخطوة الصغيرة التالية.

لا تفكر في المهمة ككل، قم فقط بالخطوة الصغيرة التالية.

مثال لذلك: “حسنا، انقر على ذلك المجلد، وافتح ذلك المستند، والآن ابدأ بالقراءة.”

قد تشعر أن الأمر يدعو إلى السخرية، ولكن اعلم أنك تستخدم التفكير لتتقدم ببطء.

  • اتبع دوافعك، ولكن لا تتمادَ

أنت منهمك في الإعداد لهذا المشروع، وأنت على بعد ساعات من موعد التسليم النهائي، ولكن العمل ممل.

إذن فمن السهل، أن يتشتت انتباهك من أي خاطرة صغيرة، فتتذكر أنك كنت ترغب في تناول البيتزا؛ فتنحي العمل جانبًا، وتبدأ في البحث عن “طريقة عمل البيتزا الإيطالية في المنزل”.

احتفظ بمذكرة صغيرة بجانبك وأنت تعمل، واكتب فيها تلك الخاطرة، أو تلك الأسئلة التي تود البحث عن إجابتها. 

إن مجرد كتابة الفكرة دون التمادي في البحث عنها، قد يساعدك في التغلب على تشتت الأفكار.

  • أعد التفكير في قائمة مهامك

يساعدك وضع قائمة مهام (To Do List) على إنجازها وفق الوقت المتاح وتنظيم وقتك.

أعد التفكير في قائمة مهامك

ولكن إن كنت تعاني الإرهاق والضغط العصبي، فعليك أن تكتب قائمة مهام تناسب وقتك وحالتك النفسية؛ فلا تثقل نفسك بالمهام.

  • تقبَّل حقيقة أنه لا يمكنك فعل كل شيء

يمكنك وضع الاستراتيجيات وتحليل المعلومات لتنظيم أداء المهام، ولكن في مرحلة ما، ستواجه شيئًا لا يمكنك القيام به أو التحكم فيه.

فما عليك هنا سوى تقبل تلك الحقيقة، وأن تستمر فيما يمكنك فعله بدلًا من التفكير فيما لا يمكنك فعله.

كيف أساعد نفسي لتخطي تلك المشاعر الجياشة؟

عندما تهاجمك تلك المشاعر الجياشة، وتجد نفسك عالقًا، تذكر الآتي:

  • أنت لست وحدك، يمر الجميع بنفس التحديات والضغوطات.
  • تلك المشاعر الجياشة ما هي إلا أفكارك، ولا تمثل انهيارًا حقيقيًا لحياتك الفعلية.
  • تتغير الأشياء بسرعة، ما عليك سوى أن تبدأ بخطوة صغيرة.
  • سبق ومررت بهذا الشعور من قبل، واستطعت التغلب على تلك المشاعر، وما زلت صامدًا.
  • مشاكلك ليست بالسوء الذي تبدو عليه.
  • عندما تشعر أنك لا تستطيع فعل شيء؛ فلا تستسلم لهذا الشعور، وابدأ في اتخاذ خطوات صغيرة لأداء تلك المهمة.
  • كن ممتنًا لما تملكه.

عندما تتزاحم عليك المهام والتحديات، وتعجز عن السيطرة على المشاعر الجياشة، وترغب في عدم المحاولة، بل في الاختباء في حجرتك وعلى سريرك وتحت لحافك…

توقف قليلًا، وتنفس بعمق، وتذكر أن مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة؛ فابدأ بتلك الخطوة، ولا تستسلم.

المصدر
8 Things to Remember When You’re Feeling Overwhelmed8 Strategies to Manage Overwhelming FeelingsEmotional Overwhelm
اظهر المزيد

د. أمل فوزي

أمل فوزي، صيدلانية، أعمل في الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية. أعشق الكتابة، وأجيد البحث، أستمتع بكتابة المقالات الطبية بأسلوب سلس وبسيط، هدفي الارتقاء بمستوى المحتوى الطبي العربي، ونشر العلم من مصادره الموثوقة لينتفع به القارئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق