مفاهيم ومدارك

المغالطات المنطقية | ما بين التحايل لإثبات الرأي، والوقوع بها دون قصد!

في صباح أول يوم دراسي للسنة الجديدة، يُقبِل الطلاب على مدارسهم مشتاقين لزملائهم، ومستعدين لمناهجهم الدراسية الجديدة، والمدرسين الجدد الذين يعرفونهم بأنفسهم وبما يشرحونه لهم.

ذهب (سامر) -الطالب في المرحلة الإعدادية- مع صديقه (علي) إلى فصلهما، وبدآ حصصهما المدرسية.

عندما دق جرس الفسحة، تبادلا الحوار حول المواد والمدرسين، فقال (سامر): “الكيمياء… يا لها من مادة مملة لا أطيق سماعها، فطوال الوقت يغلبني النعاس، وتطوق نفسي للهروب من الحصة”.

رد عليه (علي): “إنها الحصة الأولى من مقرر الكيمياء، امنح نفسك فرصة لفهمها في الحصص القادمة”.

قاطعه (سامر) قائلًا: “لا، إنها مادة مملة جدًا، وهذا واضح جدًا من مقدمتها التي يُفترَض أن تكون سهلة، فما بالك بباقي المنهج!”.

نقاش قد يبدو بسيطًا بين طفلين، لكنه يحتوي على مغالطات منطقية تحدث بشكل دائم في نقاشاتنا مع بعضنا -سواء دون قصد أو عمدًا- من أجل إثبات حجتنا.

ما هي المغالطات المنطقية؟ وما أهم الأنواع المنتشرة في حياتنا؟ وهل من نصائح للتغلب على فخ الوقوع في المغالطات المنطقية في النقاش؟ كل هذا سنتناوله بالتفصيل في السطور القادمة…

ما هي المغالطات المنطقية؟

يشمل تعريف المغالطات المنطقية الاعتماد على أدلة خاطئة أو غير كافية في الوصول للحجة السليمة، أو الاستنتاج الخاطئ نتيجة للربط بين البيانات المطروحة أمامك بطريقة خاطئة.

قد تقع في المغالطات المنطقية في النقاش مع الآخرين عند محاولتك إثبات فكرتك دون قصد، وقد تتعرض أيضًا لأشخاص يستخدمون المغالطات المنطقية لإثبات حجتهم وفرض رأيهم، سواء كان صحيحًا أم خطأً.

تأثير المغالطات المنطقية في النقاش على حياتنا

للمغالطات المنطقية تأثير سلبي على تسلسل الحوار والوصول إلى الحجة السليمة؛ فهي تُفسد الحوار وتجعله يسلك محورًا آخر بعيدًا عن الهدف الأساسي منه.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

والهدف من ذلك إما التعتيم على الحوار، أو لإثبات فكرة مخالِفة للفكرة المطروحة بالخداع أو التضليل، أو للتقليل من الشخص صاحب الحجة الصحيحة لأسباب شخصية. 

تظهر المغالطات المنطقية في وسائل الإعلام بشكل كبير، وكذلك بين مندوبي المبيعات وشركات التسويق، نتيجة افتقارهم لمهارات الإقناع والأدلة الواضحة التي تُثبت حجتهم في عقول جمهورهم.

أنواع المغالطات المنطقية وأبرز الأمثلة عليها

إليك أبرز أنواع المغالطات المنطقية حتى تتجنبها في إثبات حجتك، وحتى تفهمها إذا حاول أحد خداعك وتضليلك:

١. مغالطة رجل القش

تعتمد هذه المغالطة المنطقية على التقليل من حجة الشخص الآخر أو تحريفها، حتى تسنح له الفرصة في الهجوم عليه من خلال الاستعانة بحجة مشابهة ظاهريًا لحجته، لكنها مختلفة في توجيهها لهزيمة الحجة المنافسة له.

مثال على ذلك: موظف يقول لمديره: “نحن بحاجة إلى موظف علاقات عامة جديد، ينشر هدف رسالتنا لشركائنا بطريقة احترافية”.

فيرد المدير: “أنت تريد صرف مال الشركة على موظفين جدد بدلًا من الاستثمار الداخلي لموظفي الشركة! هذا سيؤثر في الشركة اقتصاديًا على المدى البعيد”.

٢. الاحتكام إلى الشعبية

بمجرد سيادة فكرة ما في أذهان بعض الناس، يتعاملون معها على أنها حجة مُسلَّم بها، على الرغم من عدم وجود أي دليل على صحتها.

وهذا ما يحدث في بعض المجتمعات التي يسيطر عليها العقل الجمعي، أي التي تنساق وراء فكرة واحدة.

مثال على ذلك: اعتقاد معظم الناس أن المنتَج التابع لشركة ما بعينها هو أفضل منتَج في السوق، دون تجربة المنتجات الأخرى.

وكذلك اعتماد مطوري البرامج على برنامج معين لأن الكل يستخدمه، في حين أن هناك برامج أخرى أفضل.

٣.مغالطة الاحتكام إلى السلطة

أخذ الحجة من فم مؤسسة أو شخصية مشهورة، والاعتماد في صحة تلك الحجة على شهرة هذه الشخصية، رغم أن ما يقوله خارج مجال خبرته، وقد يكون صادرًا من تحيزه لفكرة ما.

مثال على ذلك: نشر شركة (تويوتا) بحثًا يُقِر بأن أفضل سيارة من حيث الأمان هي تويوتا، أو تناول طالب دواءً لمعدته بعد سؤال أستاذه عن أفضل دواء للمعدة.

٤. مغالطة الجهل

عدم معرفتك بأمر ما لا يلغي وجوده، والعكس صحيح؛ اعتقادك في وجود شيء ما -دون امتلاك دليل يثبت وجوده- ينفي وجوده؛ فالعبرة بالحجة.

مثال على ذلك، عدم معرفتك بقانون معين في دولة ما لا يلغي وجوده، وكذلك اعتقادك بأن هناك قانون سائد في دولة ما نتيجة لأعراف خاطئة يتبعها أولاده لا يثبته؛ فالعبرة بالحجة.

٥. المغالطات القائمة على الشخصنة

تعتمد هذه المغالطة المنطقية على إظهار عيوب الشخص صاحب الحجة، بدلًا من مناقشة حجته وإثبات صحتها من عدمها.

مثال على ذلك: قول الأهل لطفلهم الصغير: “مَن أنت لتدلي برأيك في هذا الموضوع؟! أنت ما زلت صغيرًا لا تفهم هذه الأمور”.

أو قول شخص ما لصاحبه الذي يتحدث عن فوائد الرياضة: “لا تتكلم عن فوائد الرياضة، اذكر لي آخر مرة مارست فيها الرياضة!”.

٦. المغالطة الدائرية

هذا النوع من المغالطة المنطقية يؤكد على الحجة بدلًا من إثباتها، فتجد أن الإجابة على السؤال ما هي إلا تكرار له.

مثال على ذلك: عند سؤال الطبيب (لماذا نشعر بالنعاس بعد تناول دواء الحساسية؟)، يُجيب بأن دواء الحساسية يسبب النعاس. أو مثلًا كقول أحدهم: “أحمد محاور ممتاز لأنه يتحدث بفاعلية”.

٧. المغالطة المنطقية المعتمدة على المنشأ (المغالطة الجينية)

في هذا النوع، يسند الشخص للمؤسسات والأشخاص والأفكار القادمة من منشأ ما وصفًا معينًا وفقًا لميوله تجاه هذا المنشأ.

مثال على ذلك: كره بعض الأشخاص الأفكار القادمة من أمريكا لمجرد كرههم للبلد دون فهم طبيعة هذه الأفكار، أو كره اليهود للمنتجات الألمانية لعدائهم الشديد لها من أيام الحرب العالمية الثانية.

٨. مغالطة (ليس اسكتلنديًا حقيقيًا)

يلجأ الشخص إلى محاولات عديدة لإثبات فكرة أو ادعاء معين، وإذا أتيت بدليل يُثبت عكس هذا الادعاء، يحاول جاهدًا إبطاله بشتى الطُرق.

مثال على ذلك: ادعاء شخص ما بأن كل الاسكتلنديين أمناء، وإذا قلت له أنك تعرف شخصًا اسكنلنديًا قُبِض عليه بتهمة السرقة، سيقول لك أن هذا الشخص ليس من أصول اسكتلندية بالتأكيد.

٩. مغالطة الأدلة القصصية أو الشخص الذي

تعتمد الأدلة القصصية على تعميم التجربة الشخصية لتكون فرضية لكل الحالات المشابهة لها.

مثال على ذلك: طرح شركة ما بأن مبيعاتها زادت بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة عندما غيرت نصوص صفحاتها على وسائل التواصل الاجتماعي باللون الأحمر، فتحاول هذه الشركة إثبات نظرية أن تغير لون النصوص للون الأحمر يضاعف عدد المبيعات لكل الشركات، متجاهلةً حقيقة أن مثالًا واحدًا لا يكفي ليكون دليلًا قاطعًا على فرضية أكبر.

١٠. مغالطة قناص تكساس

يلجأ أصحاب هذه المغالطة المنطقية إلى خداع أنفسهم قبل الآخرين؛ فهم يستخدمون مجموعة من البيانات لخدمة نتيجة محدَّدة مسبَقة من أجل دعم أهدافهم وأفكارهم، بدلًا من إتباع أدلة صحيحة تقودهم لنتائج منطقية. وعند مقابلتهم أي أدلة تتعارض مع أهدافهم، يتجاهلونها.

اكتسبت هذه المغالطة المنطقية اسمها من رجل من مدينة (تكساس) أطلق نار مسدسه على جدار حظيرة، ثم رسم هدفًا حول أقرب مجموعة من ثقوب الرصاص ليثبت مهارته في الرماية.

ينطبق هذا المثال من المغالطات المنطقية على العرافة التي تظهر في بداية العام الجديد بأحداث كثيرة معظمها لا يتحقق، لكن واحدًا منهم تحقق بالصدفة، فتحاول إبراز هذا التوقع الصائب وتلميعه بالرغم من فشلها في توقعات كثيرة.

١١. مغالطة الرنجة الحمراء

أحد أشهر المغالطات المنطقية في النقاش اليومي، وفكرتها تعتمد على الهروب من إثبات الحجة المطروحة بالدخول في موضوع آخر، للتمويه عن الحجة الأصلية.

مثال على ذلك: عند قدوم الزوج إلى المنزل وسؤاله لزوجته عن الطعام، فتقول له: “منذ متى يعجبك ما أقدمه لك؟! فأنا أفعل ما بوسعي لك وللأولاد ولا أحد يقدر مجهوداتي! كلكم أنانيون تبحثون عن مصلحتكم!”.

إليك مثالًا آخر: مناقشة فكرة أن الاصطياد من هذه البحيرة ممنوع لثبوت وجود مواد كيميائية بها، وأن الأسماك قد تضر بصحة مَن يأكلها، فيرد أحدهم “ماذا سنفعل في الصيادين الذين لن يجدوا قوت يومهم؟ وماذا عن مسؤولياتهم وأطفالهم؟!”.

١٢. السبب الزائف

يعتمد تعريف المغالطة المنطقية هنا على القول أن حدثا ما سبب لحدث آخر لمجرد وقوعهما تباعًا لبعضهما.

مثال على ذلك: الديك يؤذن ثم تشرق الشمس، إذا آذان الديك سبب لشروق الشمس. أو القول بأن (هدى) قد لبست فستانًا جديدًا ثم قابلت (مَي) وبعدها بساعات انقطع الفستان، إذًا (مي) حسدت الفستان فانقطع.

١٣. التعميم السريع

يعتمد تعريف المغالطات المنطقية هنا على الإدلاء باستنتاج سريع، من خلال الاعتماد على أدلة غير كافية أو متحيزة، أي قبل وضوح الصورة لك بشكل نهائي.

من أبرز أمثلة التعميم السريع: القصة التي طرحناها في بداية المقال عن (سامر) الذي تسرَّع في الحكم على الكيمياء من أول حصة فقط، فينبغي له حضور عدة فصول، والإطلاع على الكتاب المدرسي، والتحدث مع زملائه الأكبر سنًا من الذين أنهوا هذا المقرر للوصول إلى استنتاج سليم.

١٤. مغالطة التركيب

يظهر هذا النوع من المغالطات المنطقية في وسائل الإعلام على نطاق واسع؛ فهو يعتمد على إثبات صفة الجزء للكل.

مثال على ذلك: وصف الإعلام الغربي المسلمين بالإرهابيين لصدور أفعال إرهابية من فئة تتستر تحت عباءة الإسلام.

١٥. مغالطة التقسيم

الاعتقاد بأن ما ينطبق على الكل ينطبق على الجزء. ومن أبرز أمثلة مغالطة التقسيم: الاعتقاد بأن حارس مرمى منتخب أمريكا يتمتع بمستوى ممتاز لأن فريقه حاصل على بطولة كبيرة.

نصائح لتجنب الوقوع في فخ المغالطات المنطقية

حتى لا يسهل خداعك من قِبل مَن يحاورك، ويسحب البساط لمنطقته معتمدًا على المغالطات المنطقية في طرح فكرته، بدلًا من الاستناد إلى حجج وبراهين واضحة لدعم فكرته، ينبغي لك -عزيزي القارئ- فهم كيفية الوصول للحجة، وطُرق التفكير المنطقي.

الحجة هي مجموعة من البيانات التي تُستنتَج كواحدة من الأخرى، وهناك نوعان من البيانات:

  • الافتراضات المقدمة لتوفير أدلة استنتاج الحجة.
  • الاستنتاجات، وهي البيانات التي تُستنتَج من الأدلة المقدَّمة.

للتأكد من سلامة الحجة، ينبغي أن تدعم الافتراضات المقدَّمة الاستنتاجات، وذلك من خلال طريقتين:

١. المنطق الاستنتاجي

يعتمد المنطق الاستنتاجي على الربط بين المقدمات العامة، للوصول إلى نتيجة محدَّدة.

مثال على ذلك: قررت شركة (س) ذات الفروع المنتشرة في كافة أنحاء البلاد تسريح بعض العمال من الفرع (ص) للتقليل من ميزانية الشركة، ثم تلقَّى (أحمد) إشعارًا بالتسريح من العمل، إذًا (أحمد) كان يعمل بالفرع (ص).

٢. الاستدلال الاستقرائي

تعتمد هذه الطريقة على الوصول لاستنتاج غير مؤكَّد من خلال فرضيات محدَّدة.

مثال على ذلك:

  • الفرضية الأولى: رفعت العروض الترويجية لشهر أبريل المبيعات بنسبة 15% -في المتوسط- على مدار خمس سنوات.
  • الفرضية الثانية: خلال هذه الفترة، لم تسفر العروض الترويجية الصيفية عن أي زيادة في المبيعات.
  • الاستنتاج: من الأفضل الحصول على عروض هذا العام في أبريل بدلًا من الصيف.

وختامًا…
للتحقق من أي حجة تقابلها في نقاشك مع الآخرين، قِس مدى صوابها من عدمه عبر هاتين الطريقتين. وإذا لم تتوصل إلى نتيجة سليمة، اطلب المزيد من المعلومات والأدلة الداعمة.

المصدر
Logical Fallacies: What They Are and How to Counter Them15 Common Logical Fallacies and How to Spot ThemLogical FallaciesLogical FallaciesHow To Spot Logical FallaciesHow to Argue Against Common Fallacies
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى