اختبارات

الميول الانتحارية | هل ينتهي البؤس؟!

“الفِكرة تلحُّ عليَّ كثيرًا، فهَل أستطيعُ ألّا أفعل؟! 

شيئانِ يُحرّكانِ روحي: التحديقُ بالشّمس، وفي الموت… 

أريدُ أن أسافر في النُجوم، وهذا البائسُ جسدي يعيقني! 

متى سَنمضي، نحنُ أبناء الأرض، حاملينَ مناديلنا المدمَّاة؟!

– ولكن إلى أين؟!

– إلى الحُلمِ طبعًا!…

وداعًا يا ثيو، سأغادر نحو الربيع”. 

كان هذا أحد مقاطع رسالة فان جوخ الأخيرة، قبل أن يقرر إنهاء حياته، عن عمر يناهز سبعة وثلاثين عامًا، بطلق ناري! 

تلك الرسالة المحملة بالقدر الكافي من الأفكار الانتحارية والسوداوية؛ ما يجعلها رمزًا لكل منتحر.

 في هذا المقال نتحدث  حول شبح الانتحار وأفكاره التي تحوم حول رؤوسنا بين الحين والآخر! 

ونتحدث تفصيلًا عن طرق تشخيص الانتحار وعن مقياس الميول الانتحارية، ونبحث معًا عن العلاج.

شبح الانتحار!

كل أربعين ثانية تمر علينا، هناك شخص ما يقرر إنهاء حياته بأكثر الطرق قسوة وبشاعة…

شخصٌ فقد رغبته في الحياة ونفدت كل الحلول في التخفيف من معاناته؛ فقرر الخلاص بشكل جذري منها. 

وبناء على تقارير منظمة الصحة العالمية، فالانتحار يحتل المرتبة الثالثة من بين الأسباب المؤدية إلى الموت في وقتنا الحالي. 

ومن هنا، نحتاج إلى الوقوف وإمعان النظر؛ علَّنا نستطيع إنقاذ ما يمكن إنقاذه من براثن هذا الوحش الذي يلتهم خيرة شبابنا.

علامات تشير بوضوح لوجود أفكار انتحارية

علامات تشير بوضوح لوجود أفكار انتحارية

هناك الكثير من العلامات التي يعني ظهورها أن الأفكار الانتحارية وجدت طريقها لعقلك أو عقل من تحب، وأشهر تلك العلامات:

  • السوداوية الشديدة، والشعور التام بانعدام الأمل في الحياة.
  • الرغبة في الموت والحديث المستمر حوله.
  • تفضيل العزلة حتى عمن يحب.
  • تقلب المزاج المستمر، والحساسية المفرطة تجاه كل شيء.
  • الإقدام على القيام بأفعال متهورة على عكس طبيعة الشخص.
  • التخلص من أي مقتنيات ثمينة؛ ليس زهدًا فيها بل رغبة في إهدائها كتذكار لأحبابه.
  • محاولة اقتناء أداة للانتحار.

لمعرفة المزيد من العلامات التحذيرية للانتحار؛ يمكنك قراءة: إقناع شخص بعدم الانتحار | مهمة ليست مستحيلة

تشخيص الميول الانتحارية 

يعتمد تشخيص الميول الانتحارية على استراتيجية واضحة، يفحص فيها الطبيب المريض؛ للتأكد من وجود الأفكار الانتحارية وتقييم مدى حدتها ومعرفة أسبابها. وذلك عن طريق عدة خطوات، وهي: 

  • معرفة التاريخ المرضي.
  • الفحص الجسدي.
  • التقييم النفسي. 

أولًا: التاريخ المرضي 

يطرح الطبيب المختص عدة أسئلة على المريض؛ للتحقق من وجود العوامل المؤدية إلى ظهور الميول الانتحارية، مثل:

  • هل هناك تاريخ مرضي للانتحار في عائلتك؟
  • هل هناك محاولات انتحار سابقة لك؟
  • هل تدمن الكحول أو أي نوع من المخدرات؟
  • هل تعاني أي أمراض نفسية كالاكتئاب؟ 
  • هل تتناول أي أدوية نفسية؟ 

وبناء على إجابات تلك الأسئلة تتضح الصورة أكثر للطبيب، وينتقل للخطوة التالية وهي التشخيص الجسدي.

ثانيًا: التشخيص الجسدي 

في تلك الخطوة، يفحص الطبيب جسد المريض بدقة؛ للبحث عن أي سبب عضوي قد يؤدي إلى ظهور أفكار انتحارية. 

يفحص الطبيب عينة من دم المريض للتأكد من احتمالية وجود أثار من الكحول أو الأدوية أو المواد المخدرة فيها.  

ثالثًا: التقييم النفسي (اختبار الانتحار)

التقييم النفسي

يقيم الطبيب النفسي المختص حالة المريض النفسية لتحديد مدى خطورة الأمر، وبناء على ما يتوصل إليه يضع خطة العلاج المناسبة.

ويعتمد الطبيب على عدة اختبارات ومقاييس للميول الانتحارية، نشرحها في الفقرات التالية.

مقياس التفكير الانتحاري (SSI)

يتكون مقياس التفكير الانتحاري من 21 بندًا، كل واحد منهم يمثل واحدًا من الأفكار الانتحارية المعروفة. 

تقسم كل فكرة حسب حدتها إلى ثلاثة مستويات مرقمة من صفر إلى اثنين ويختار المريض رقمًا منها. 

في النهاية، تجمع الأرقام للحصول على تقييم لحالة المريض.

مقياس بيك لتصنيف الفكر الانتحاري

يعرف هذا المقياس أيضًا باسم “مقياس بيك للانتحار”. ويعد مقياس بيك لتصنيف الفكر الانتحاري نموذجًا مطورًا لمقياس التفكير الانتحاري المذكور في الفقرة السابقة. 

ويستطيع المريض إجراء الاختبار بنفسه دون الحاجة لمتخصص، فقط كل ما يحتاج إليه قلم وعشر دقائق من وقته مع التحلي بالشجاعة والصراحة في أثناء الإجابة عنه.

مقياس كولومبيا لتقييم مخاطر الانتحار (C-SSRS) 

صَمم الاختبار باحثون في جامعة كولومبيا بمساعدة عدة مؤسسات أخرى؛ لتقييم حدة الأفكار الانتحارية. ونظرًا لأهميته؛ ترجم لأكثر من 100 لغة. 

يجري هذا الاختبار متخصصون، وهو يلقي الضوء على ثلاثة عوامل مهمة، وهي:

  1. وجود الأفكار الانتحارية.
  2. حدة الأفكار الانتحارية.
  3. حدة السلوك الانتحاري.

اختبار الميول الانتحارية للبالغين (Adult Suicidal Ideation Questionnaire)

يتكون هذا الاختبار من خمسة وعشرين بندًا، يجيب عنهم المريض بنفسه، ويُقاس من خلاله حدة الأفكار والسلوكات الانتحارية لديه.

بعد انتهاء الطبيب من الفحوصات المختلفة -سواء كانت جسدية أو نفسية- يمكن البدء في اختيار العلاج المناسب، وهذا ما سنشرحه في الفقرة التالية.

علاج الميول الانتحارية 

يعتمد علاج الميول الانتحارية على مزيج من العلاج النفسي والدوائي، بجانب علاجات أخرى نشرح كلًّا منها بالتفصيل لاحقًا.

أولًا: العلاج النفسي 

للعلاج النفسي هنا دور البطولة في مساعدة المريض على التعامل مع أفكاره الانتحارية بشكل سليم، والتخلص منها.

هناك الكثير من أنواع الجلسات النفسية المخصصة للتعامل مع الميول الانتحارية، ومن أشهرها:

  • العلاج السلوكي الجدلي (Dialectical behavior therapy)

يعد هذا النوع من العلاج واحدًا من أنواع العلاج السلوكي المعرفي، وهو مخصص للتعامل مع  أصحاب الميول الانتحارية. 

ويساهم العلاج السلوكي الجدلي في تكوين مهارات جديدة، تساعد المريض على التعامل مع أفكاره بشكل سليم. 

  • العلاج المعرفي لمنع الانتحار (Cognitive therapy for suicide prevention)

تتعامل تلك الجلسات مع العوامل المؤدية إلى ظهور الأفكار الانتحارية؛ محاولة التخلص منها. 

بجانب هذا، تساعد المريض على تعلم مهارة التعامل مع الضغوط والمشاكل المتسببة في ظهور تلك الأفكار. 

بالإضافة إلى تلك الجلسات، يحتاج أهل المريض وعائلته إلى تلقي جلسات علاج أسري تساعدهم على التعامل مع المريض بشكل صحي. 

ثانيًا: العلاج الدوائي 

العلاج الدوائي

للعلاج الدوائي دور مهم في التعامل مع الميول الانتحارية، خاصة لهؤلاء الأشخاص الذين يعانون من أمراض نفسية أخرى. 

ومن أشهر تلك الأدوية:

  1. مضادات الاكتئاب.
  2. الأدوية المضادة للذهان.
  3. الأدوية المضادة للقلق.

يجب التنويه -يا صديقي- أن تلك الأدوية تؤخذ تحت إشراف طبي فقط، ويجب الالتزام بجرعتها الموصوفة. 

ثالثًا: العلاج بالصدمة الكهربية (ELECTROCONVULSIVE THERAPY) 

يستخدم العلاج بالصدمة الكهربية في علاج الاكتئاب الحاد المقاوم للأدوية المختلفة، بجانب دوره في علاج اضطراب ثنائي القطب. 

وقد أثبت نجاحًا أيضًا في علاج الميول الانتحارية المصاحبة لتلك الأمراض بنسبة كبيرة، ورغم هذا الأمر، لا يزال تحت البحث والدراسة. 

يجب مراعاة حاجة بعض المرضى إلى البقاء تحت ملاحظة شديدة داخل إحدى المصحات لتلقي العلاج، خاصة هؤلاء الذين يشكلون خطورة على أنفسهم أو الآخرين، أو الذين لا يتوفر حولهم الدعم النفسي الكافي. 

في الختام، نذكرك -عزيزي القارئ- بأن: 

  • شبح الانتحار يطارد الكثير من حولك، فكن على استعداد لمواجهته في أي وقت.
  • للميول الانتحارية الكثير من الأسباب والعوامل المحفزة التي لا تقتصر على المرض النفسي فقط.
  • للميول الانتحارية علامات واضحة لا تخطئها العين.
  • لاختبارات الميول الانتحارية دور مهم في التشخيص، ومن أشهرها ” مقياس الميول الانتحارية ” و”مقياس بيك للانتحار”.
  • في الحياة -يا صديقي- الكثير من المباهج التي تستحق المقاومة من أجلها… كن بخير.
المصدر
The Columbia Protocol for ResearchMedical and Psychotherapeutic InterventionsSuicideWhat You Should Know About Suicide
اظهر المزيد

د. مروة إسماعيل

مروة إسماعيل صبري، طبيبة بيطرية وكاتبة محتوى طبي، مهتمة بالبحث في مختلف العلوم الطبية وتبسيطها وإثراء المحتوى الطبي العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق