مفاهيم ومدارك

النضج

دائمًا ما يصادف الآباء بعض المشكلات في تربيتهم لأبنائهم خلال مراحل حياتهم المختلفة؛ نظرًا للتغيرات الفسيولوجية والنفسية التي تحدث لهم. 

ولذلك؛ نحاول في السطور القليلة الآتية الكلام عن أحد أهم أسباب هذه المشكلات، وهو التعامل مع مراحل النضج وأنواعه المختلفة. 

ما النضج؟ 

في الواقع، يمكن تعريف النضج (Maturity) من أكثر من منظور، ولكننا هنا سنوضح معنى النضج بأبسط أشكاله؛ إذ يعرف النضج بأنه القدرة على التعامل الأمثل مع المواقف والظروف المحيطة. 

فإذا نظرنا إلى هذا التعريف من منظور العمر، فهو يعني إما كون الإنسان رضيعًا أو طفلًا أو بالغًا أو مسنًّا. 

وإذا تعاملنا مع معنى النضج من منظور عاطفي فهو يعني: كيف تتصرف مع أي موقف، بمعنى أن الطفل لا يمكن أن يتعامل مع المواقف العصيبة والشدائد مثلما يتعامل معها البالغون.

مراحل النضج

لتناول الأمر بشكل واضح وملموس؛ يمكن تقسيم مراحل النضج حسب الفئة العمرية إلى 5 مراحل:

1- مرحلة الرضاعة

وفيها تلبى جميع احتياجات الرضيع بمساعدة الأبوين أو غيرهما من البالغين، ولا يتوقع فيها منه أي استجابة لمعظم المواقف والظروف.

لننظر إلى أي طفل رضيع في هذه المرحلة؛ لن ننتظر منه أي اهتمام بأي شيء، ولا أن يتصرف بطريقة ملائمة في أي موقف، فمن الطبيعي أن تسمع كلمة “لا” دائمًا من الرضيع ذي العامين بصرف النظر عما يطلب منه. 

هذا هو الطبيعي لمن في هذه المرحلة العمرية.

2- مرحلة الطفولة 

وتمتد من عمر 4-13 سنة تقريبًا، يبدأ الأطفال فيها تعلم كيفية الاعتناء بأنفسهم وأداء المهام البسيطة، مثل: غسل أسنانهم، وارتداء ملابسهم. 

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

بالإضافة إلى إدراكهم أن هناك طرقًا مناسبة وأخرى غير مناسبة للتعامل مع المواقف المختلفة.

لنكمل رحلتنا مع الرضيع في المرحلة السابقة… 

عندما يصبح طفلًا سيتعلم كيف يفعل الأشياء بنفسه، وكيف يتكيف بشكل ملائم مع الظروف المحيطة به من خلال تقليده البالغين الأقرب إليه.  

فمثلًا عندما ترفض أمه إعطاءه الحلوى بعد طلبه إياها، فلن يعجبه هذا التصرف غالبًا، ولكنه لن يستلقي على أرضية محل الحلوى ويبدأ في الصراخ.

3- مرحلة المراهقة

وتمتد من عمر 13 سنة إلى منتصف العشرينات. 

يتطور فيها الإحساس بالهوية، سواء بصفته فرد أو جزء من مجموعة، ويبدأ فيها اكتشاف المراهقين للميول الجنسية، وكيفية إقامة العلاقات مع الجنس الآخر.

عادة ما يستمتع المراهقون بقضاء الوقت مع أصدقائهم، وتبدأ شخصيتهم في التبلور، ويفكرون في مستقبلهم.  

وربما يبدؤون بالتفكير في الزواج، ولكنهم على الأرجح لن يحسنوا التعامل مع 

الأبناء في هذه المرحلة إذا تزوجوا وأنجبوا.

4- مرحلة الرشد والأبوة

وتمتد منذ ولادة الطفل الأول إلى أن يبلغ أصغر الأبناء سن المراهقة، وفيها يحتاج الأشخاص إلى شريك يشجعهم على إكمال رحلة الحياة، وإلى النصح ممن هم أكبر منهم، ويستفيدون من تجارب الأقران. 

يساعد الآباء أبناءهم على تكوين بيئة آمنة ومنظمة لأبنائهم، ويكون العطاء دون انتظار مقابل هو سمة هذه المرحلة،
وتكون سعادتهم الحقيقية في مساعدة أبنائهم على الوصول الآمن إلى مرحلة البلوغ.

وعادة ما يشغل الأشخاص في هذه المرحلة مراكز متقدمة في مجتمعهم أو عملهم، ويمكن اتخاذ النماذج الناجحة منهم قدوات يحتذى بها.

5- مرحلة الكِبَر

حين يكون أصغر الأبناء بالغًا، وفيها يكون المسنون آباءً لمجتمعاتهم، وينهضون بها كما ينهض الآباء بأسرهم،
ولذلك فهم يحتاجون إلى العرفان من مجتمعاتهم. 

لا يستغني المجتمع عن دورهم الإرشادي وخبرتهم الطويلة في الحياة في أثناء المصاعب والمحن، وهم أيضًا يستمتعون بنقل تجاربهم وخبراتهم إلى من هم أصغر سنًا.

علامات النضج

هناك بعض العلامات الدالة على النضج والتي ينبغي أن يلاحظها المربون فيمن تحت أيديهم، منها:

  • القدرة على الوفاء بالالتزامات طويلة الأمد، وتأجيل المتع في سبيل إنجاز ما هو مطلوب، حتى وإن كان شيئًا عسيرًا وغير محبب إلى النفس.
  • الثبات الانفعالي وعدم التأثر بالمدح أو الذم، وعدم الحكم على الأمور بظواهرها. 
  • التواضع، وترك الغرور والتكبر، وعدم الاهتمام بجذب أنظار الآخرين.
  • الالتزام بالمبادئ والقيم، والتفكير الاستباقي، وعدم بناء القرارات على العواطف والآراء الشخصية.
  • الامتنان والاعتراف بالفضل لأهله.
  • القدرة على العطاء وإيثار الآخرين على النفس، وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الشخصية.
  • القابلية للتعلم المستمر وعدم ادعاء الإلمام بكل شيء، وعدم الخجل من طلب المشورة والنصيحة من أهلها من الآباء والمعلمين والمربين. 

أنواع النضج

هناك أنواع نضج متعددة؛ نذكر منها:

1– النضج الجسدي

وهو أبسط مفاهيم النضج وأسهلها في الملاحظة، فعند الوصول إلى مرحلة البلوغ يزيد الطول وتشتد القوة،
وتنمو العضلات وتزيد القدرة على أداء الأنشطة الحركية، وتنشط الهرمونات لتساعد على ظهور علامات البلوغ وتباين الصفات الجنسية بين الذكور والإناث.

وهذا النضج الجسدي قد يكون له أثر اجتماعي إما في الخير وإما في الشر؛ فعلى سبيل المثال: 

يميل طوال القامة غالبًا إلى أن يكونوا قادة وسط أقرانهم أكثر من قصار القامة. 

وعلى الجانب الجنسي: 

يكون الفتيان مبكرو النمو غالبًا قادة لفرق الرياضة أو رؤساء على صفوفهم، بينما تميل الفتيات مبكرات النمو إلى الانعزال عن أقرانهن.

2- النضج الاجتماعي

كحال النضج الجسدي، فإن النضج الاجتماعي غالبًا ما يكون محور حديث البالغين لسهولة ملاحظته أيضًا. 

فالطفل ذو خمسة الأعوام الذي يمد يده إليك ليصافحك، والطفلة ذات ثمانية الأعوام التي تنظر إليك بلباقة وتقول لك «شكرًا»، بينما ذاك البالغ من العمر اثني عشر عامًا ولا يفعل شيئًا من ذلك… 

كل هذه الأشياء لا بد أن تدفعك إلى إبداء رأيك في مستوى نضجه/نضجها الاجتماعي.

إذن فالنضج الاجتماعي هو مسألة خبرة واختيارات. 

فالطفل الذي يشاهد من أمامه يتعامل بمنتهى اللياقة -كالأبوين مثلًا-، والأطفال الذي يمارسون قواعد اللياقة بأنفسهم -كحال بعض المراهقين عندما يطلبون من آبائهم شيئًا-، هذه الأمثلة وغيرها توضح معنى النضج الاجتماعي وتبرزه.

3- النضج العاطفي

وهو من أصعب أنواع النضج في التعريف، مع أنه أكثرها قيمة، وهو قدرة الإنسان على التكيف مع الضغوطات المحيطة به طول الوقت. 

ويحتاج النضج العاطفي دومًا قدرًا من الثقة بالنفس والقدرة على التأقلم

يتمتع الناضجون عاطفيًا بالقدرة على المحافظة على حياتهم العاطفية طبيعية، وعلى إمكانية النظر إلى الأمور من مختلف الزوايا.

يتأثر هذا النوع من النضج -أحيانًا- بالأحداث والتقلبات الكبيرة التي تعصف بالأسرة وبالمجتمع، ويعجل بنمو الأطفال عاطفيًّا. 

ولذلك؛ تجد الأطفال الذين عاشوا تجارب أسرية صعبة أو عاصروا أحداثًا مهمة في محيطهم -مثل الحروب والكوراث الطبيعية- يختلفون كليًّا وجزئيًّا عن أقرانهم الذين لم يعايشوا نفس هذه الظروف.

4- النضج العقلي والذهني

ويعني النمو المستمر في مهارات التفكير، واكتساب أفكار ومعلومات جديدة، والقدرة على فهم الأشياء وتخيلها. وتتنوع الطرق التي تنمى بها هذه المهارات. 

يتأثر النضج العقلي والذهني بالظروف المحيطة؛ فقد نجد طفلًا يحظى بمهارات عقلية فائقة، فيجد من ينميها ويصقلها

وفي المقابل نجد طفلًا آخر لا تواتيه نفس الظروف والإمكانات، وإنما يكون محاطًا بالمشكلات الأسرية أو المجتمعية منذ صغره؛ فيؤثر ذلك في قدراته الذهنية والعقلية.

ختامًا… 

نأمل أن نكون قد وفقنا في تسليط الضوء على هذا الموضوع المهم، وأجبنا عن بعض الأسئلة التي تدور في ذهن القارئ الكريم.

المصدر
Maturity: DefinitionThe Marks of MaturityStages of MaturityDevelopmental Psychology
اظهر المزيد

Mohammed Saad

صيدلي ومترجم طبي وكاتب محتوى طبي، أسعى إلى تبسيط وإثراء المحتوى العلمي العربي؛ لإلسهام في نشر الوعي والثقافة الطبية في العالم العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى