ترياق الأمراض النفسية

الهروب من الواقع | عجز أم سبيل!

كان خبر موتها المفاجئ كقنبلةٍ أُلقيت داخل قلبي.

بالكاد كنت أتنفس حتى لا أفقد فرصة الوداع الأخير.

 حين رأيت وجه أمي الملائكي مغطى بالأبيض، أصابتني رعشة قوية لم أشعر مثلها في حياتي.

كأن مليارات الخلايا العصبية اتفقت جميعاً على توصيل عقلي رسالة معينة كانت فحواها “ما هذا إلا كابوس بشع كباقي الكوابيس التي تطاردني كل ليلة، سوف أستيقظ وينتهي كل شيء”.

 وباتت هذه العبارة النور الذي يضيء طريقي إلى الهروب من الواقع المؤلم. 

في هذا المقال سوف نناقش طرق الهروب من الواقع وأنواعه وما إذا كان وسيلة مفيدة أم ضارة.

الهروب من الواقع إلى الخيال

الهروب في أبسط أشكاله هو الانفصال عن العالم الواقعي، مما يتيح لنا الفرصة من جديد لشحن أرواحنا ونستعد للعودة مرة ثانية لمعركة الحياة.

يعد الهروب إلى الخيال هو أسهل أنواع الهروب من الواقع، فالأمر لا يتطلب سوى إطلاق عنان أفكارنا لتحلق في أفق الخيال.

 إذ يستطيع الفاشل سماع الأيادي تصفق له لما حققه من إنجازات مبهرة، ويستطيع الجائع تناول أشهى الطعام، ويسافر السجين جميع أنحاء العالم.

 فالهروب من الواقع إلى الخيال هو عادة يمارسها كل إنسان دون شرط أو قيد.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

 الهروب من الواقع إلى العالم الافتراضي

 العالم الافتراضي هو بيئة مجتمعية ناشئة في العالم العنكبوتي يعتمد على المحاكاة القائمة على الكمبيوتر، يستطيع المستخدمون التفاعل من خلاله بالكتابة أو الاتصال الصوتي.

هناك نوعان من العالم الافتراضي:

1- قائم على الترفيه:

 يلعب المستخدمون مجموعة من الألعاب ثنائية أو ثلاثية الأبعاد من خلال صور رمزية خاصة بهم تتأثر بالخيال العلمي والرسوم المتحركة. 

2- قائم على التفاعل الاجتماعي:

يتفاعل المستخدم من خلال عوالم محاكاة ليخوض تجارب في العديد من النشاطات مثل: حضور جلسات تعليمية، ومشاهدة المناظر الطبيعية، والتعرف على الحضارات الأخرى، والرحلات المغامرة، وعالم الحيوانات، والفضاء وغيرها من النشاطات المفيدة. 

هناك الكثير من مواقع العالم الافتراضي التي تأخذنا بعيداً عن أرض الواقع لكن ينبغي استخدامها فقط للاستراحة من ضغوط الحياة وليس الهروب إليها بشكل دائم ونسيان الواقع الحقيقي.

الهروب النفسي

 يمر الإنسان بفترات يشعر فيها بالضعف والانكسار الناتج عن الشعور بعدم الثقة في النفس، ويفضل دائماً العزلة عن الآخرين، والبعد عن المواقف الاجتماعية، وخلق عداوة بينه وبين ذاته؛ مما يدفعه إلى الهروب النفسي، ظناً منه أنه في مأمن طالما هو معزول عن العالم ومحبوس في صندوق من الخيال.

 لكن الهروب النفسي أمر سئ يجب على المرء التوقف عن اللجوء إليه، والتفكير في خلق حلول تعالج أسباب هروبه النفسي ومنها:

  • التوقف عن جلد الذات وإدراك أن مواجهة النفس خير سبيل للنجاح
  •  تحديد أهداف في الحياة ورسم الطرق السليمة التي تساعد في تحقيقها
  • تقبل انتقاد الآخرين والرأي الآخر 
  • إصلاح الأخطاء قبل أن تتفاقم وتزيد
  • تطوير الفكر بالعلم والمعرفة لتعزيز الثقة بالنفس

الهروب من الواقع بالنوم

يلجأ البعض إلى الهروب من المشاكل والأزمات التي يتعرضون لها بالخلود إلى النوم في أوقات كثيرة.

ويقتصر الاستيقاظ فقط على تناول الطعام والعمل في ساعات قليلة، اعتقاداً منهم أنهم بالنوم يبتعدون عن التفكير والانغماس في الضغوط النفسية.

فسر العلماء ذلك أنه عند شعور الفرد بالتعب والإرهاق، يُفرز في الدم الإنزيمات التي تساعد في عملية الأيض، هذه الإنزيمات تُسبب الشعور بالرغبة في النوم.

 أكد أطباء علم النفس على مدى خطورة الهروب من الواقع بالنوم لما له من مشاكل نفسية مثل: (ضعف الشخصية، والاكتئاب، والشعور بالندم)، وايضًا مشاكل جسدية مثل: (الجلطات، ومشاكل ضغط الدم، والأزمات القلبية، وخلل في إفراز الهرمونات).

لذلك أن يمضي الفرد وقته في محاولة إيجاد حلول للمشاكل، أفضل بكثير من الاستسلام للنوم والهروب من الواقع.

الهروب من المشاكل

يتعرض الجميع للكثير من العقبات والعثرات في طريق الحياة، لكن هناك من يهوى الهروب من المشاكل ويستسلم للسقوط وهناك آخر ينهض ويقوى بالأزمات.

رغبة المرء في الهروب والابتعاد عن كل شيء لن يحل المشاكل لكن على النقيض، الهروب لن يجلب سوى مشاكل أكثر تسبب الضغوط والاضطرابات النفسية؛ لذلك ينبغي تحديد أسباب الهروب وحلها وعدم التوقف عن القتال والمواجهة في وجه الأزمات.

طرق صحية للهروب من الواقع

الهروب من الواقع نوعان أحدهما جيد ومفيد والآخر قادر على تدمير حياتنا وحياة من حولنا.

هناك من يهرب إلى تناول المخدرات والكحول وإدمان نشوة العالم الوهمي الذي تخلقه له المواد المخدرة.

وهناك من يبحث عن المهارات والأنشطة المفيدة التي تغذي العقل والجسد والروح ومنها:

 1- قراءة كتاب

اعتاد البعض القراءة في الهواتف وشاشات الأجهزة الإلكترونية، لكن اتخاذ الكتاب صديق لك متعة تمكنك من خوض تجربة رائعة تحلق بها في أفق الخيال والإبداع الفكري.

2- مشاهدة الأفلام 

تمتلك الأفلام القدرة الكبيرة على أن تأخذنا في رحلة بشكل غير مباشر، الأمر الذي يتيح لنا الهروب من أرض الواقع بضع ساعات.

3- ممارسة الرياضة

نشأنا على حكمة عظيمة قالها الحكماء “العقل السليم في الجسم السليم”، فما أعظم الرياضة وما أعظم أن نمارسها بشكلٍ منتظم.

4- السفر أو التنزه والذهاب للتخييم

من منا لا يعشق السفر والمغامرة وخوض حياة جديدة في مكان بعيد، فالسفر ليس فقط وسيلة للهروب من الواقع لكنه يهب الفرصة لخوض الكثير من المغامرات واكتساب المهارات الجديدة؛ لنعود قادرين على البدء من جديد.

5- ممارسة اليوجا

اليوجا رياضة ذات شعبية كبيرة، تساعد الجسم في التخلص من الطاقات السلبية، وتحافظ على سلامة العقل والجسد والروح؛ لنحظى بسلام داخلي يحفظنا بمأمن بعيداً عن الأمراض النفسية.

وختاماً لموضوعنا يمكننا القول أن الحياة ليست دائماً وردية، وأننا كثيراً ما نعاني الضغوط والمسؤوليات؛ لذلك فإن التراجع خطوة إلى الوراء أمر ضروري يسمح لنا بالتأمل في نوع المشاكل التي نواجهها. 

لكن الهروب من المشاكل بشكل دائم خطأ كبير، إذ إن المشاكل التي نهرب منها لها القدرة على الإمساك بنا يوماً ما؛ لذلك ينبغي أن نتوقف عن الهروب من الواقع، ونسلك درب المواجهة لنتغلب على المصاعب والعقبات.

كتبته:آلاء سعيد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى