ترياق الأمراض النفسية

الهستيريا بين الخيال والحقيقة

منذ زمن ليس ببعيد، أصيب الأطباء بهستيريا تشخيص “هستيريا السيدات” لكل المشاكل الصحية للنساء اللواتي فشلوا في تشخيصهن.

فـ”الإغماءات المتكررة” هستيريا، و”الأرق” هستيريا، و”ضيق التنفس” هستيريا، و”الرغبة الجنسية” هستيريا.. إلخ.

وإن تعجب؛ فإليك الأعجب عن سبب الهستيريا: فقد زعموا أن (رحم المرأة قد شعر بالملل وبدأ يتجول بحرية، فيمكن أن يهاجم الأمعاء أو الرئتين أو القلب أو أي شيء!).

في عام 1887، وفي كتابها “عشرة أيام في مستشفى المجانين“، نشرت الصحفية “نيللي بلاي” عن المعاملة السيئة التي تعرضت لها المريضات المحتجزات حيث الإهمال والقسوة.

كانت هذه السيدات قد احتجزن بداعي علاج الهستيريا، بعد فشل أنواع أخرى من العلاج بالتنويم والإيحاء.

تابع معنا هذا المقال؛ لتتعرف على نشأة مصطلح الهستيريا وخصائص الشخصية الهستيرية.

ما هي الهستيريا؟

الهستيريا هي حالة مرضية -لم تعد تشخص حاليًا-، تجعل ردود أفعال المصاب بها مبالغًا فيها، سواء في الفرح أو الحزن أو الغضب، وقد تجعله يشعر بأعراض جسدية وهو معافى تمامًا.

تاريخ الهستيريا 

يرجع تاريخ الهستيريا إلى عصر القدماء المصريين؛ حيث تم وصفها في بعض رسوم المعابد.

لكن “أبقراط” كان أول من استخدم مصطلح “مرض الهستيريا”، نسبة إلى (هستيرا) وهي كلمة يونانية تعني الرحم؛ الذي كان يعزى إليه السبب في كل الأعراض المصاحبة للهستيريا!

ظلت الهستيريا ملجأ للأطباء الذين يتشككون فيما يعانيه مرضاهم، وظل مرض الهستيريا مرتبطًا بالنساء زمنًا طويلًا.

ليس هذا فحسب؛ بل كانت المجتمعات تتعامل مع مرضى الهستيريا على أنهم مجانين، أو أن لديهم  انحرافًا فكريًّا، أو مَسَّهم الشيطان.

لكن ومع تقدم علم وظائف الأعضاء وفهم علم النفس بصورة أكبر، شهد أوائل القرن العشرين انخفاضًا حادًّا في عدد النساء اللاتي شخصن بالهستيريا.

يرجع الفضل الأكبر لفهم مرضى الهستيريا إلى عالم النفس “سيجموند فرويد”؛ حيث كان أول من ربط أعراض الهستيريا بنشاط الجهاز العصبي وليس الرحم.

عكف فرويد على دراسة التحليل النفسي للمصابين بالهستيريا، الأمر الذي ساعد على فهم المعاناة النفسية والجسدية للشخص المصاب.

وفي عام 1980، أسقطت الجمعية الأمريكية لعلم النفس مرض الهستيريا من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، وأدرج فيما بعد كاضطراب سلوكي تحت مسمى “اضطراب الشخصية الهستيرية”.

تعرف أكثر على أثر الهرمونات الأنثوية في سلوك المرأة من هنا

كانت هذه هي الهستيريا، إذًا فما هي قصة الهستيريا الجماعية؟

الهستيريا الجماعية

الهستيريا الجماعية

 الهستيريا الجماعية -كما يعرفها علماء الاجتماع- هي ردود فعل غير عقلانية -غالبًا ما تكون حالة هلع- من قِبل مجموعة كبيرة من أفراد المجتمع نتيجة حدث ما، ينتشر بين أفراده. 

هذه الاستجابة قد تؤدي إلى اضطرابات نفسية معدية، لم يجد العلماء تفسيرًا منطقيًّا لها حتى الآن.

ومن أشهر حالات الهستيريا في التاريخ:

  • طاعون الرقص 

في عام 1518، أصيب أكثر من 400 شخص في ستراسبورغ بالرقص الجنوني، وسمي بهذا الاسم لسرعة انتشاره.

دفع هذا الجنون المئات إلى الرقص لأيام -بدون سبب- بشكل مستمر؛ مما أدى إلى حالات فقدان الوعي وحتى الوفاة!

  • سفاح هاليفاكس

عرفت مدينة هاليفاكس في إنجلترا رعبًا حقيقيًّا في عام 1938، عندما ادعت سيدتان بأن رجلًا يحمل مطرقة هاجمهما في أحد الشوارع!

 وسرعان ما انتشرت مزاعم أخرى بالتعرض لهجوم من قِبل رجل غامض يحمل سكينًا أو موس حلاقة -كما ادعى آخرون. 

هذه الأخبار ومثيلاتها انتشرت سريعًا في أنحاء المدينة، وتسببت في رعب شديد لقاطنيها؛ فأغلقت المتاجر، وخلت الطرق من المارة.

توقفت الحياة كليًّا في المدينة لمدة أسبوع، حتى استطاعت الشرطة حل القضية أخيرًا، باعتراف أحد الضحايا المزعومين بأنه ألحَق الضرر بنفسه ولم يتعرض له أحد!

وبعد أن تعرفنا على تاريخ الهستيريا، تعالَ لنتعرف على “اضطراب الشخصية الهستيرية” وكيفية التعامل مع المصاب به. 

ما هو اضطراب الشخصية الهستيرية؟

هو واحد من مجموعة أكبر من الاضطرابات النفسية تسمى اضطرابات الشخصية “العنقودية B” أو “الدراماتيكية”. 

يتميز المصاب باضطراب الشخصية الهستيرية بردود فعل عاطفية ودرامية، ومشاعر غير مستقرة، ونمط من السلوكيات المفرطة في البحث عن الاهتمام.

يشخص اضطراب الشخصية الهستيرية بمعدل أكبر في النساء عنه في الرجال (بنسبة أربعة إلى واحد)، وعادة ما يكون واضحًا في سن المراهقة أو مرحلة البلوغ.

ما هي أعراض اضطراب الشخصية الهستيرية؟

ما هي أعراض اضطراب الشخصية الهستيرية؟

إذا ما نظرت إلى الأطفال دون سن الخامسة، سترى سلوكًا مشتركًا يبرز في البراءة والسطحية والأنانية ومحاولة جذب الانتباه من كل من حولهم.

هل يمكن تخيل هذه الصفات في شخص بالغ؟!

في الحقيقة، هذا أقرب تشبيه يمكن أن يوصف به المصابون باضطراب الشخصية الهستيرية: الأطفال الكبار!

غالبًا ما يكون لدى هؤلاء الأشخاص مهارات شخصية واجتماعية رائعة، وغالبًا ما يستخدمون هذه المهارات للتلاعب بالآخرين؛ حتى يكونوا محور الاهتمام.

وفقًا للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية، يعاني الأشخاص المصابون باضطراب الشخصية الهستيرية من الأعراض التالية:

  • التأثر بسهولة بآراء الآخرين.
  • التقلب السريع للحالة العاطفية والمزاج العام.
  • الشعور بعدم الارتياح إذا لم يكن الشخص هو مركز الاهتمام.
  • الحساسية الشديدة للنقد أو الرفض.
  • الاهتمام الكبير بالمظهر الخارجي.
  • محاولة الانتحار أو التهديد به؛ سعياً لجذب الانتباه.
  • اتخاذ قرارات عاطفية ومتهورة.
  • ارتداء ملابس استفزازية مع تلميحات جنسية.
  •  التغاضي عن حل المشكلات.
  • ارتداء الملابس المثيرة أو غير اللائقة.
  • الصعوبة في الحفاظ على العلاقات الحقيقية.

أنواع الشخصية الهستيرية:

حدد عالم النفس الأمريكي “ثيودور ميلون” ستة أنواع فرعية من اضطراب الشخصية الهستيرية، أو كما يطلق عليها -مجازًا- أنواع الهستيريا.

 وتتضمن ما يلي:

  1. الاسترضائي:

 وهو الذي يركز على استرضاء الآخرين وتهدئة الاختلافات، وربما يصل إلى التضحية بالنفس.

  1. المفعم بالحيوية:

  وهو النشط المندفع المتحمس الذي يبحث عن المتعة اللحظية.

  1. الهستيري العاصف:

وهو الذي يسهل إغضابه، المتهور، متقلب المزاج. 

  1. التحقيري المخادع:

وهو الذي يعادي المجتمع، ويتميز بالخداع والتآمر. 

  1. التمثيلي المسرحي:

وهو الذي يركز على مظهره الخارجي، صاحب المواقف الملفتة للنظر.

  1. الأطفال الصغار:

وهو الذي ينخرط في سلوكيات طفولية، مثل العبث أو طلب أشياء غير ممكنة.

علاج اضطراب الشخصية الهستيرية

غالبًا، لا يعتقد الأشخاص الذين يعانون من اضطراب الشخصية الهستيرية أنهم بحاجة إلى علاج.

ولأنهم يميلون إلى المبالغة في مشاعرهم ويكرهون الروتين؛ فإن اتباعهم لخطة العلاج سيكون أمرًا صعبًا.

 ومع ذلك، قد يطلبون المساعدة إذا تعرضوا لاكتئاب نتيجة لعلاقة فاشلة أو لمشكلة أخرى ناتجة عن أفعالهم.

  • العلاج النفسي

 يهدف العلاج النفسي إلى مساعدة الفرد على كشف الدوافع والمخاوف المرتبطة بأفكاره وسلوكه، ومساعدته على تعلم كيفية التواصل مع الآخرين بطريقة أكثر إيجابية.

يبدأ المعالج النفسي بتشجيع المرضى على استبدال السلوك بالكلام، وبالتالي يمكن للمرضى فهم أنفسهم والتواصل مع الآخرين بطريقة أقل إثارة.

بعد ذلك، يمكن للمعالج أن يساعد المرضى على إدراك كيف أن سلوكياتهم الهستيرية هي طريقة غير ملائمة للتأثير على انتباه الآخرين وكسب احترامهم لذاتهم.

  • الأدوية

يمكن استخدام الدواء أحيانًا كعلاج لحالات أخرى قد تكون مصاحبة لهذا الاضطراب، مثل (الاكتئاب والقلق).

  • المعالجة المجتمعية

تعد المعالجة المجتمعية من أنجح وأصعب سبل التعامل مع الشخصية الهستيرية.

فإذا كان لديك صديق يعاني من هذا الاضطراب، حاول التركيز على إيجابياته، وتجنب النقد.

أظهِر الاهتمام دائمًا، وكن أول الناصحين والداعمين له حين يقع في أزمة.

المصدر
Histrionic Personality Disorder: Management and TreatmentHistrionic Personality Disorder: Management and TreatmentHistrionic Personality DisorderHistorical roots of histrionic personality disorderHistrionic Personality DisorderWhat Is Hysteria? The Past and PresentHysteria
اظهر المزيد

د. محمود الرزاز

محمود الرزاز، صيدلي اكلينيكي، و أخصائي معلومات طبية، استمتع بالبحث عن الدليل العلمي، ومهتم بوصول المعلومات الطبية الحديثة للقاريء بلغة بسيطة و مفهومة، في ظل فوضى انتشار المعلومات غير الدقيقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق