مفاهيم ومدارك

الوحدة النفسية | لا تستسلم!

“الوحدة النفسية رمال متحركة… تبتلع زائرها!”.

جلست على المائدة لأتناول طعام الغداء مع والدتي، ثم نظرت إلى مكان “شقيقتي” الخاوي، وسألت أمي: أين (ندا)؟ ألن تتناول الطعام معنا؟

تنهدت والدتي بألم، وقالت: لا، لقد أكلت بمفردها كالعادة…

تعاني شقيقتي الصغيرة الوحدة النفسية منذ عامين، فهي تعيش وحيدة على الرغم من وجودنا حولها، وتأبى التواصل مع الجميع.

لقد عانت شقيقتي كثيرًا بعد انفصال والديّ، ولم تستطع التأقلم مع الوضع الراهن، وأصيبت بخيبة كبيرة جراء تخلي والدنا عنا، إذ كانت شديدة التعلق به…

حاولنا كثيرًا مساعدتها على عدم الاستسلام لتلك الوحدة والعزلة التي فرضتها على نفسها، ولكن باءت محاولاتنا بالفشل.

فهي تلوم والدتنا على الطلاق، ولم تتقبل حقيقة ابتعاد والدنا عنا…

سنتحدث في السطور القادمة عن تعريف الوحدة النفسية، والعلاقة بين الوحدة النفسية والاكتئاب، والفرق بينهما، وكيف تتخلص من الوحدة والاكتئاب؟ فتابع معنا هذا المقال.

تعريف الوحدة النفسية

تعرف الوحدة النفسية بأنها ذلك الشعور المتواصل بالوحدة والعزلة والابتعاد عن الآخرين.

لا يعني شعور الوحدة أنك وحيدًا بالفعل؛ فقد تشعر بالوحدة والعزلة على الرغم من وجودك وسط عائلتك.

وأقسى أنواع الوحدة النفسية هي تلك التي تجتاحك ومِن حولك أهلك وأصدقاؤك، ولكنك تعجز عن التواصل معهم.

وقد يشعر الإنسان الذي يعاني الوحدة بالانزعاج والإحباط؛ بسبب الفجوة بين رغبته في التمتع بعلاقات اجتماعية قوية وعدم قدرته على التواصل مع أحبائه.

ولهذا يرى الكثير من الباحثين أن الوحدة هي حالة عقلية تؤثر في قدرة الإنسان على التواصل مع غيره، وتؤثر في صحته النفسية والبدنية على المدى الطويل.

من الطبيعي أن نشعر بالوحدة في مرحلة ما من حياتنا إثر الصعوبات التي تواجهنا، ولكن ينبغي لنا ألا نستسلم لذلك الشعور بالوحدة والعزلة.

أسباب الوحدة النفسية

هناك بعض العوامل التي تسهم في الإصابة بالوحدة النفسية، وتشمل:

  • الطلاق.
  • فقدان شخص عزيز.
  • الانتقال لمدرسة جديدة أو وظيفة جديدة أو مدينة جديدة.
  • العيش وحيدًا.

قد يساعدك التأقلم مع الظروف السابقة على التغلب على الشعور بالوحدة والعزلة. 

ومع مرور الوقت، ستزول تلك المشاعر السلبية التي تجتاحك، وستتمكن من الاستمتاع بحياتك من جديد.

تشمل الأسباب الأخرى:

  • الشعور بتدني احترام الذات.
  • عدم الثقة بالنفس.
  • بعض مشكلات الصحة العقلية، مثل: الاكتئاب.

أعراض الوحدة النفسية

إن كنت تعاني شعور الوحدة والعزلة؛ فربما تشعر بالحزن والإحباط والانفصال عن الآخرين، وتشمل أعراض الوحدة النفسية:

  • انعدام الحافز.
  • عدم القدرة على التركيز.
  • الأرق أو النوم المتقطع أو أحد اضطرابات النوم الأخرى.
  • فقدان الشهية.
  • الشعور باليأس والإحباط.
  • الشعور بتدني احترام الذات.
  • الآلام والأوجاع الجسدية.
  • القلق والتوتر.
  • زيادة الرغبة في التسوق.
  • إساءة استخدام المواد المخدرة.

يتوق الإنسان الذي يشعر بالوحدة النفسية إلى الدفء الجسدي، ولذا؛ فهو يميل إلى شرب الكثير من المشروبات الدافئة، والتدثر بالأغطية الصوفية.

كيف تؤثر الوحدة النفسية في حياتك؟

تخيل معي:

“وحدك في المنزل مجددًا، ولا تجد ما تفعله، وتشعر باليأس والإحباط والملل، تريد التواصل مع الآخرين، ولكنك لا تستطيع…”

التواصل مع الآخرين ليست مجرد وسيلة ممتعة لقضاء الوقت، ولكنه أحد احتياجاتنا الفطرية؛ فنحن اجتماعيون بطبيعتنا.

يؤدي شعور الوحدة إلى ارتفاع مستويات هرمون الكورتيزول في الجسم “هرمون التوتر”؛ وهو ما يزيد من خطر إصابتك بالعديد من المشكلات الصحية، مثل:

  • داء السكري.
  • اضطرابات النوم.
  • أمراض القلب.
  • السمنة والبدانة.

يؤثر الشعور بالوحدة والعزلة أيضًا في صحتك النفسية، وقد تكون سببًا في تفاقم أعراض الكثير من المشكلات العقلية، مثل: الاكتئاب.

فوائد الوحدة

من الطبيعي أن نشعر بالوحدة من وقت لآخر، بل نحتاج في كثير من الأوقات إلى الاختلاء بأنفسنا والاستمتاع بقضاء الوقت بمفردنا.

فأنت تحتاج إلى خلوة مع نفسك من وقت لآخر؛ لتشحن طاقتك، وتحفز إبداعك. ومن فوائد الوحدة:

  • تمنحك الوقت الذي تحتاج إليه كي تتعمق في أفكارك.
  • تجعلك أكثر إنتاجية وأكثر اعتمادًا على نفسك.
  • تبتعد عن إزعاج الآخرين؛ لتتمتع بقدرٍ من الهدوء النفسي والراحة.
  • تساعدك على التعرف إلى نقاط قوتك، وهو ما يحفز إبداعك.
  • تمنحك المزيد من الوقت للتخطيط لحياتك.
  • قد تقلل الوحدة المشكلات السلوكية لدى الأطفال.

كذلك يساعدك ذلك الوقت الذي تقضيه بمفردك على التمتع بصحة نفسية أفضل.

العلاقة بين الوحدة النفسية والاكتئاب والفرق بينهما

قد يصعب التمييز بين الوحدة النفسية والاكتئاب في بعض الأحيان؛ إذ ينطوي كلٌّ منهما على الكثير من الأعراض المتشابهة.

لمعرفة المزيد عن أعراض الاكتئاب: كل ما تحتاج معرفته عن أسباب و أعراض الاكتئاب

تعد الوحدة النفسية أحد أعراض الاكتئاب الشائعة، ولذا قد يصعب على البعض التفريق بينهما…

العلاقة بين الوحدة النفسية والاكتئاب والفرق بينهما

كيف نفرق بين الوحدة النفسية والاكتئاب؟

يعد الاكتئاب مرضًا عقليًا خطيرًا، وقد تستمر معاناة المريض مع أعراضه سنواتٍ إذا تجاهل التشخيص والعلاج.

بينما الوحدة النفسية هي حالة عاطفية، وتتعلق عادة باحتياجاتك من التواصل والانتماء

وعندما تنجح في تلبية تلك الاحتياجات ستشعر بوحدة أقل وراحة أكثر.

قد تؤدي الوحدة النفسية على المدى الطويل إلى الإصابة بالاكتئاب، ولكن على الرغم من ذلك؛ فليس كل من يعاني الوحدة مريضًا بالاكتئاب.

كيف تتخلص من الوحدة والاكتئاب؟

هناك بعض النصائح والإرشادات التي عليك اتباعها لتتغلب على شعورك بالوحدة والاكتئاب، وتشمل:

  • ابقَ على اتصال مع أحبائك

نحن أقوى بعلاقاتنا القوية مع عائلاتنا وأصدقائنا؛ ولذا، حافظ على علاقاتك الاجتماعية مع من حولك، ولا تبتعد عنهم.

  • تطوع

تطوع في بعض المؤسسات الاجتماعية أو الأنشطة الخدمية؛ فهذا من شأنه أن يزيد من احترامك لذاتك.

ويجعلك تقضي المزيد من الوقت في مساعدة الآخرين، وهو ما يرسخ لديك الشعور بالانتماء.

  • جرِّب هوايات جديدة

إن كنت تعاني شعور الوحدة، ولديك الكثير من وقت الفراغ؛ فربما حان الوقت لتتعلم هواية جديدة، أو لغة جديدة.

يمكنك أيضًا ممارسة الأنشطة والهوايات التي لطالما كنت شغوفًا بها.

  • اخرج من المنزل

قد يساعدك الخروج من المنزل ورؤية أشخاص جدد على التغلب على شعورك بالوحدة.

لا تستسلم لشعورك بالوحدة والعزلة، وتدفن نفسك في غرفتك، قاوم هذا الشعور. 

اخرج لشراء احتياجاتك من المتجر بدلًا من توصيلها إليك، وألقِ التحية على جارك وقابله بابتسامة عند رؤيتك له.

  • اقتنِ حيوانًا أليفًا

يساعدك وجود حيوان أليف في حياتك واهتمامك به على شغل وقت فراغك، ويقلل شعورك بالوحدة.

ويعلمك الاهتمام بذلك الحيوان كيفية التواصل معه، ومن ثَمَّ التواصل مع الآخرين.

  • ابنِ علاقات اجتماعية جديدة

إن كنت تعاني الوحدة النفسية على الرغم من كثرة المحيطين بك؛ فربما أنك تفتقر إلى العلاقات الهادفة في حياتك.

لذا، سيساعدك التواصل مع أشخاص جدد يشاركونك نفس الاهتمامات والقيم.

  • افهم تأثير الوحدة في حياتك

ينبغي لك أن تدرك كيف تؤثر الوحدة في حياتك، وكيف تؤثر في صحتك العقلية والبدنية؛ كي تستطيع مقاومة هذا الشعور وعدم الاستسلام له.

  • لا تقسُ على نفسك

توقف عن لوم نفسك وجلد ذاتك عندما تفشل علاقاتك مع الآخرين؛ فهذا لا يعني أنك المخطئ…

وتعلم كيف تتعامل مع تلك المشاعر السلبية؛ كي لا تنجرف وراءها. 

ذكِّر نفسك أنك تستحق الحب والصداقة، واسعَ بكل قوتك لتكوين علاقات قوية مع أشخاص يشاركونك نفس الاهتمامات.

  • اهتم بالآخرين

كن لطيفًا مع غيرك، وأظهر الاهتمام والود للآخرين، مثل:

  • ساعد جارتك العجوز على شراء احتياجاتها من المتجر.
  •  ادعُ صديقك المقرب على العشاء لتدخل السرور على قلبه.
  • اشترِ الزهور لزوجتك أو هدية بسيطة لتعبر عن حبك لها.

سيشعر الآخرون باهتمامك، ويبادلونك الاهتمام والتقدير، وهو ما يرسخ علاقاتك معهم ويقويها.

يمكننا وصف الوحدة النفسية بالرمال المتحركة، التي قد تجذبك إليها وتبتلعك…

ولذا؛ كن حذرًا، فلا بأس من قضاء بعض الوقت مع نفسك من حين لآخر، ولكن ينبغي  لك أن تدرك أن شعورك بالوحدة ما هو إلا علامة على افتقادك لشيء ما.

فكن ذكيًا، وابحث عما تفتقده بدلًا من الاستسلام للشعور بالوحدة والعزلة…

المصدر
Is Chronic Loneliness Real?Loneliness and Depression: What’s the Connection?7 Science-Backed Reasons You Should Spend More Time Alone9 Benefits Of Solitude
اظهر المزيد

د. أمل فوزي

أمل فوزي، صيدلانية، أعمل في الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية. أعشق الكتابة، وأجيد البحث، أستمتع بكتابة المقالات الطبية بأسلوب سلس وبسيط، هدفي الارتقاء بمستوى المحتوى الطبي العربي، ونشر العلم من مصادره الموثوقة لينتفع به القارئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق