ترياق الأدوية النفسيةترياق الأمراض النفسية

الوسواس القهري الجنسي وعلاجه

غالبًا ما ترتبط صورة مريض الوسواس القهري بأذهاننا بأنه هو الشخص الذي يغسل يديه قسرًا مرارًا وتكرارًا، أو يتجنب لمس الآخرين لأنه يخاف من الجراثيم والعدوى.

ولكن هناك وجه آخر للصورة يظهر فيه المريض مشاركًا في الأنشطة الجنسية المختلفة باستمرار، على الرغم من العواقب السلبية المترتبة على ذلك، وتتعارض أفكاره الجنسية مع قدرته على العمل والحفاظ على علاقاته الاجتماعية وأداء أنشطته اليومية.

يحمل هذا الوجه من الصورة عنوان مرض الوسواس القهري الجنسي (Sexual Obsessive-Compulsive Disorder)، وهو محور حديثنا في هذا المقال.

بدايةً، ينقسم اضطراب الوسواس القهري إلى: 

الوساوس أو الهواجس: وهي عدم القدرة على التوقف عن التفكير في موضوع أو صورة معينة دون قلق. 

والقهر أو الإكراه: وهو دافع لا يمكن السيطرة عليه لأداء فعل ما، بشكل متكرر غالبًا.

في حالة الوسواس القهري الفكري الجنسي، قد يعاني المريض أفكارًا وهواجسَ ذات طبيعة جنسية باستمرار، وقد تكون هذه الأفكار متطرفة وغير عادية.

أما السلوك الجنسي القهري فيعاني مريضه الإدمان الجنسي، ويفقد قدرته على التحكم في رغباته الجنسية.

وقد أدرجت منظمة الصحة العالمية السلوك الجنسي القهري في التصنيف الدولي للأمراض ICD، وعرّفته بأنه: 

اضطراب اندفاعي، يتسم بالفشل المستمر في السيطرة على الدوافع الجنسية القوية، التي تؤدي إلى سلوك وممارسات جنسية متكررة.

أنواع الوسواس القهري الجنسي

يمكن تقسيم السلوك الجنسي القهري إلى سلوكيات شاذة غير تقليدية، مثل:

  • الاستعراء (Exhibitionism): وهو انحراف يتميز بالنزوع إلى إظهار العورة.
  • الاختلاس النظري الجنسي (Voyeurism).
  • اشتهاء الأطفال جنسيًا (Pedophilia).
  • الماسوشية الجنسية (Sexual Masochism): وتعني الاستمتاع باللذة الجنسية عند تلقي التعذيب الجسدي أو النفسي.
  • السادية الجنسية (Sexual Sadism): وتشير إلى تفضيل النشاط الجنسي الذي يتضمن الاستعباد أو إلحاق الألم أو الإذلال.
  • اشتهاء ارتِداء ملابس الجنس الآخر (Transvestic Fetishism).
  • الفيتشية الجنسية (Sexual Fetishism): ويعني إشباع الرغبة الجنسية عن طريق الانجذاب إلى أجزاء معينة من الجسم كالساق أو القدم مثلًا، أو أشياء معينة كالثياب الداخلية.
  • التحرش (Frotterurism): ويعني الشعور باللذة الجنسية عن طريق الاحتكاك الخارجي.

أما عن أنواع الوسواس القهري الجنسي وسلوكياته الشائعة فقد تتضمن:

  • الاستمناء القهري، ويعرف بـ “العادة السرية” (Compulsive Masturbation).
  • الدفع مقابل ممارسة الجنس من خلال الدعارة.
  • الاستخدام المفرط للمواد الإباحية.
  • إقامة علاقات متعددة في نفس الوقت خارج نطاق الزواج. 

تعد السلوكيات الجنسية السابقة -سواء كانت الشائعة أو غير المألوفة- سلوكيات جنسية قهرية إذا كانت تسبب قلقًا وخللًا في حياة الشخص، بناءً على مدى تكرارها، والوقت المستغرق في ممارستها، ومقدار الأموال المنفقة عليها.

أنواع الوسواس القهري الجنسي

أعراض الوسواس القهري الجنسي

  • استمرار ممارسة الأنشطة الجنسية لدرجة أن تصبح محورًا رئيسًا في حياة الشخص، مع إهمال الصحة العامة والعناية الشخصية، أو الاهتمامات والأنشطة والمسؤوليات الأخرى.
  • استمرار السلوك الجنسي المتكرر على مدى طويل، ومهما كانت العواقب -مثل: خطر انتقال عدوى جنسية- مع عدم الشعور بالرضا حول إشباع الغريزة.
  • الفشل في السيطرة على الدوافع الجنسية، واستمرار السلوكيات التي تؤثر سلبًا على جوانب الحياة العائلية والاجتماعية والتعليمية والمهنية وغيرها.
  • عدم السيطرة على الدوافع الجنسية رغْم الضيق والشعور بالذنب تجاه مخالفة الأحكام الدينية والأخلاقية.

قد يخشى أيضًا بعض من يعانون الوسواس القهري الفكري الجنسي من بعض المواقف التي تعمل على إثارة الأفكار والهواجس الجنسية الشاذة؛ مما يشعرهم بنوع من احتقار الذات، مثل:

  • الذَّهاب إلى الصالات الرياضية أو الحمامات العامة التي تثير الأفكار الجنسية المثلية.
  • الذهاب إلى المدارس أو الملاعب التي يتجمع فيها الأطفال.
  • المعانقة أو الاقتراب من أي شخص بشيء من الرغبة.

مضاعفات مرض الوسواس القهري الجنسي

يمكن أن يؤدي عدم علاج السلوك الجنسي القهري إلى:

  •  شعور شديد بالذنب واحتقار الذات.
  • الإصابة بالقلق الشديد والاكتئاب.
  • ظهور العديد من المشاكل الأسرية التي قد تصل إلى الطلاق.
  • الوقوع في مشكلات مالية.
  • الإصابة بعدوى جنسية.
  • التعرض للمساءلة القانونية.

أسباب الوسواس القهري الجنسي

تفترض بعض الدراسات أن أسباب الوسواس القهري الجنسي قد تتشابه مع الإدمان في نفس نظام المكافأة والدوائر العصبية في الدماغ (أي الدافع والرغبة في المكافأة).

ويمكن أيضًا لبعض حالات اضطرابات الصحة النفسية -كالاكتئاب-، وبعض الحالات المزاجية المختلفة -مثل: الحزن والوحدة والسعادة- أن تسبب عدم القدرة على التحكم في السلوك الجنسي.

أسباب الوسواس القهري الجنسي

علاج الوسواس القهري الجنسي

قد يكون من الصعب علاج الوسواس القهري الجنسي؛ فقد ينكر الشخص الذي يمارس السلوك الجنسي القهري وجود مشكلة، ويضع تبريرات لسلوكياته وأنماط تفكيره.

وبوجه عام، تهدف خيارات العلاج الحالية إلى تقليل الأفكار والسلوكيات القهرية، وإدارة أي رغبة مفرطة في إقامة العلاقات الجنسية، وتشجيع العادات والعلاقات الصحية.

العلاج المعرفي السلوكي

يوفر هذا النوع من العلاج النفسي مجموعة متنوعة من الأساليب والأدوات التي تساعد الفرد على تغيير سلوكه،
فيتشابه إلى حد كبير مع الطرق المتبعة لعلاج اضطرابات تعاطي المخدرات.

ويركز أيضًا على تحديد العوامل المحفزة للسلوكيات الجنسية، وإعادة تصحيح الأفكار المشوهة حول السلوك الجنسي،
كما يعمل على منع حدوث انتكاسة.

يمكن للعلاج المعرفي السلوكي أن يساعد الشخص على تعلم مهارات جديدة للمواجهة الإيجابية، وتقليل الرغبات الجنسية الملحة.

العلاج النفسي الديناميكي أو التحليلي

يستكشف العلاج النفسي الديناميكي الأسباب الأساسية التي تؤدي إلى اختلال التعبير الجنسي في السلوكيات الجنسية القهرية. 

وأشهر هذه الأسباب هي: الشعور بالعار والتجاهل والغضب وضعف الثقة بالنفس.

العلاج بالتعرض ومنع الاستجابة

قد تتضمن تمارين العلاج بالتعرض ومنع الاستجابة تسجيل هواجسك وأفكارك الجنسية على شريط صوتي، ثم الاستماع إلى الشريط مرارًا وتكرارًا حتى يتوقف شعورك بالقلق تجاه هذه الأفكار.

في المجمل، كل الطرق السابقة لمكافحة الوسواس القهري الجنسي وعلاجه ليست علاجًا دوائيا، ولكنها علاج نفسي
يركز على الحد من السلوكيات الجنسية القهرية أو السيطرة عليها.

الأدوية

 بالرغم من أن إدارة الغذاء والدواء (FDA) لم تعتمد أي أدوية لعلاج الوسواس الجنسي القهري، إلا أن هناك بعض
الأدوية التي قد توصف لتقليل الرغبة الجنسية، أو لعلاج الأعراض المصاحبة لاضطرابات عقلية أخرى أو لمكافحة الإدمان وتعاطي المخدرات، ومنها: 

  • مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، مثل الفلوكستين: قد تقلل من الرغبة والقلق المرتبطين بالإدمان الجنسي.
  • النالتريكسون: وهو مضاد أفيوني، يستخدم في حالات تعاطي المخدرات والقمار القهري؛ بهدف تقليل محفزات الرغبة الشديدة، عن طريق منع النشوة المرتبطة بالسلوك.
  • مضادات الأندروجين، مثل ميدروكسي بروجستيرون: وقد ركزت بعض استراتيجيات العلاج الدوائي على
    تغيير وظيفة الهرمونات الجنسية، وانخفاض مستويات هرمون التستوستيرون في الدم؛ لتقليل الدافع والرغبة الجنسية.

يستخدم هذا العلاج في حالات السلوك الجنسي الشاذ، ولم يستخدم في الممارسات الشائعة.

  • مثبتات الحالة المزاجية: وهي أدوية تستخدم في علاج المرضى الذين يعانون الاضطراب ثنائي القطب، والسلوك الجنسي القهري.
  • مضادات الذهان. 
  • مضادات الاكتئاب. 

بوجه عام، يعد أهم عنصر من عناصر علاج الوسواس القهري الجنسي هو دعم الأصدقاء والعائلة، فهو أمر
ضروري للمساعدة في التعافي.

قد يكون من الصعب على المحيطين فهم طبيعة السلوك الجنسي القهري والتسامح معه، خاصةً إذا كان قد ترتب عليه
بالفعل أي خلل في العلاقات الاجتماعية.

ومع ذلك، فإن بناء شبكة دعم قوية من المحيطين، سواء من الأهل أو الأصدقاء؛ تساعد في تقليل الوسواس الجنسي،
وتقويم السلوكيات الجنسية غير المرغوب فيها، وخلق حياة جنسية صحية ذات إطار أخلاقي وشرعي مقبول.

المصدر
Understanding and Managing Compulsive Sexual BehaviorsWhat to know about compulsive sexual behaviorSexual Obsessions in OCDSexual Obsessions: Misunderstood and MisdiagnosedCompulsive sexual behavior
اظهر المزيد

د. مي جمال

صيدلانية ومترجمة وكاتبة محتوى طبي. أحب البحث والتعلم، ولا أدخر جهداً لمشاركة وتبسيط ما تعلمت للآخرين. أعتز بالنفس البشرية، وأهوى البحث في أعماقها، ولا أجد أبلغ من الكلمات للتعبير عنها ومناقشة قضاياها، مساهمةً في نشر الوعي والارتقاء بحياة البشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق