ترياق الأمراض النفسية

الوسواس القهري.. مرض نفسي أم عقلي؟! | سيطر على أفكارك

كان سلوك ابنها مقلقًا في الآونة الأخيرة، وانتابها الشك بأنه يعاني الوسواس القهري. هذا العام سيلتحق بالجامعة، لذا قررت الإسراع بعرضه على طبيب نفسي لتعلم ما إذا كان الوسواس القهري مرض نفسي أم عقلي.

بعد التشخيص، أخبرها الطبيب أن ابنها يعاني درجة متقدمة من اضطراب الوسواس القهري، وأن عليها الإسراع بعلاجه حتى لا يتحول إلى مرض عقلي.

غرقت الأم المسكينة أكثر في قلقها وحيرتها، فقد كانت تظن أن الوسواس القهري ضرب من المرض النفسي وليس مرضًا عقليًا.

ولذا تساءلت: هل من الممكن أن يتحول حقًا إلى مرض عقلي؟! 

في هذا المقال، سنجيب عن تساؤلات الأم الحيرى، ونستكشف -معًا- هل الوسواس القهري مرض نفسي أم عقلي. 

لكن، قبل أن نعرف هل يعد الأطباء الوسواس القهري اضطرابًا نفسيًا أم عقليًا، دعونا نتحدث -أولًا- عن أسبابه وأعراضه، وعن الفرق بين المرض النفسي والمرض العقلي. 

ماذا يعني اضطراب الوسواس القهري؟

اضطراب الوسواس القهري هو اضطراب نفسي يعاني فيه المريض الوساوس والأفكار القهرية، التي تدفعه إلى تكرار فعل شيء ما بطريقة غير مرغوب فيها، حتى يتخلص من إحساس القلق الشديد المسيطر عليه. 

وعلى الرغم من انزعاج المريض من السلوكات المصاحبة للوسواس القهري ويقينه بأنها غير منطقية، يظل عاجزًا عن التوقف عنها أو التخلص من التفكير فيها. 

أنواع الوسواس القهري وأعراضه

للوسواس القهري أشكال متنوعة، لكن غالبية المرضى يندرجون تحت واحدة من هذه الفئات:

  • وسواس التحقق: مثل أن يستمر الشخص في التحقق من غلق الأقفال، أو أجهزة الإنذار، أو موقد الغاز، أو غير ذلك. 

وتتضمن أيضًا هذه الفئة الأشخاص الذين يتوهمون أنهم مصابون بمرض ما -كارتفاع ضغط الدم مثلًا- فيذهبون إلى الطبيب مرارًا وتكرارًا للاطمئنان على صحتهم، على الرغم من عدم وجود ما يدعو إلى ذلك.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

  • وسواس النظافة: مثل أن يشعر الشخص بالرغبة في غسل يديه أو ملابسه مرات كثيرة إذا لمست شيئًا متسخًا. 
  • وسواسُ التماثل والترتيب: مثل الرغبة الملحة في ترتيب الأشياء بطريقة معينة، والشعور بالقلق الشديد إذا لم تكن على
    هذا الترتيب. 
  • وسواس اجترار الأفكار: مثل أن ينتاب الشخص أفكار مزعجة لا يستطيع التوقف عن التفكير فيها. 

أسباب اضطراب الوسواس القهري

لا يعلم الأطباء سببًا أكيدًا لنشأة اضطراب الوسواس القهري، لكنهم يعتقدون أن الضغط العصبي والتوتر يزيدان أعراضه سوءًا. 

يصيب هذا الاضطراب النساء أكثر من الرجال، وغالبًا ما تبدأ أعراضه في الظهور في سن المراهقة وأول الشباب. 

من العوامل التي تزيد احتمالية الإصابة بالوسواس القهري:

  • إذا كان أحد أفراد العائلة مصابًا به. 
  • الإصابة بالاكتئاب أو القلق.
  • التعرض لصدمة عصبية.
  • التعرض لانتهاكات جسدية أو جنسية في فترة الطفولة.

والآن، نأتي إلى سؤالنا المهم: الوسواس القهري مرض نفسي أم عقلي؟! 

قبل الإجابة عن هذا السؤال، دعونا نعرف الفرق بين المرض النفسي والمرض العقلي. 

ما الفرق بين المرض النفسي والمرض العقلي؟

يكمن الفرق الرئيس بين المرض النفسي والعقلي في مدى إدراك المريض لسلوكه وتصرفاته، ومدى انفصاله عن الواقع المحيط به. 

المرض النفسي:

يتمثل في بعض الاضطرابات الفكرية أو العاطفية التي تؤثر في سلوك الشخص وحياته، مثل الشعور بالقلق أو الاكتئاب أو الضغط العصبي أو التعاسة. 

على الرغم من التأثير السيء لهذه الأفكار في حياة المريض وعلاقاته وعمله وغير ذلك، فإنه لا يفقد الاتصال بالواقع، ويظل مدركًا لأحاسيسه ومشاعره وغير منفصل عنها. 

في أغلب الأحيان، تؤثر عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية وتربوية في نشأة المرض النفسي. 

المرض العقلي:

هو حالة مرضية عقلية يكون فيها المريض منفصلًا عن الواقع، وتكون أفكاره مضطربة ومشوشة، لدرجة أنه لا يستطيع التمييز بين ما هو حقيقي وما هو غير حقيقي. 

من أمثلة المرض العقلي: الفصام والهلوسة.

العوامل المسببة للمرض العقلي غالبًا ما تكون جينية وكيميائية وبيئية. 

والآن، بعد أن عرفنا الفرق بين المرض النفسي والمرض العقلي؛ هل الوسواس القهري مرض نفسي أم عقلي؟ 

الوسواس القهري مرض نفسي أم عقلي؟ 

بعد أن عرفنا طبيعة كل من المرض النفسي والمرض العقلي، يتبين لنا أن الوسواس القهري مرض نفسي وليس مرضًا عقليًا؛ إذ يظل المريض متصلًا بواقعه ومدركًا لتصرفاته ومتيقنًا أنها غير طبيعية. 

ومع ذلك، فقد أثبتت الدراسات الحديثة أن بعض مرضى الوسواس القهري لا يعتقدون أن تصرفاتهم غير طبيعية أو مبالغ فيها.

بمعنى أنهم لا يدركون أن أفعالهم غير منطقية، ولهذا تختلط عليهم الأمور ويفقدون الاتصال بالواقع. 

حينها، يتحول الوسواس القهري إلى اضطراب عقلي، لأن المريض أصبح منفصلًا عن واقعه، ولا يستطيع التمييز بين الطبيعي وغير الطبيعي من السلوك والتصرفات. 

الوسواس القهري هل هو مرض وراثي؟ 

يتردد سؤال (هل الوسواس القهري مرض وراثي؟) في أذهان الكثيرين، خاصة من قرروا الارتباط بشخص مصاب أو أصيب سابقًا بهذا الاضطراب، لأنهم يخشون أن يكون وراثيًا فتصاب ذريتهم به. 

كما ذكرنا سابقًا، فإن إصابة أحد أفراد العائلة -كالأشقاء أو الوالدين- بالوسواس القهري يزيد احتمالية الإصابة به، وهذا ما دفع العلماء إلى البحث في العلاقة بين الجينات وهذا الاضطراب. 

وقد وجدت الأبحاث التي أجريت على التوائم المتطابقة وأقرباء المرضى أن الجينات هي العامل الأخطر في الإصابة باضطراب الوسواس القهري. 

لم يستطع العلماء تحديد جين معين مسؤول عن هذا الاضطراب، إلا أنهم وجدوا ارتباطًا بين الجينات المسؤولة عن تصنيع بعض المواد الكيميائية في المخ ( مثل: السيروتونين والجلوتامات) وبين حدوث مرض الوسواس القهري. 

إلا أنه لا يزال غير معلوم كيف تؤثر هذه الجينات تحديدًا في نشأة المرض وتطوره. 

الوسواس القهري والتركيز 

الوسواس القهري والتركيز

في طريقنا للإجابة عن سؤال (هل الوسواس القهري مرض نفسي أم عقلي؟) علمنا أنه يؤثر في سلوك المريض وتصرفاته، إذ تسيطر عليه بعض الأفكار المزعجة القهرية، لكن هل تؤثر هذه الأفكار في قدرة الشخص على التركيز؟ 

العلاقة بين الوسواس القهري والتركيز

إذا فكرنا في الأمر من الناحية المنطقية، فسندرك أنه من الصعب أن يركز الشخص تفكيره في أمرين معًا، ولا بد أن يطغى أحدهما على الآخر. 

فتخيل معي مريض الوسواس القهري الذي تسيطر عليه أفكار قهرية مزعجة لا يستطيع منها فكاكًا، هل من الممكن أن يركز جيدًا في أمر آخر؟! 

في الحقيقة… لا! 

ومن هنا نستخلص أن معظم مرضى الوسواس القهري يعانون التشتت وعدم القدرة على التركيز.

هذا التشتت قد يسبب لهم ولمن حولهم إزعاجًا كبيرًا. لذلك؛ كان اللجوء إلى العلاج أمرًا ضروريًّا للغاية. 

في النهاية، وبعد أن أجبنا عن تساؤلك (الوسواس القهري مرض نفسي أم عقلي؟)، دعنا نذكر سريعًا بعض الطرق المتبعة في علاجه. 

علاج الوسواس القهري

في الحقيقة، لا يوجد دواء ناجع للوسواس القهري، ولكن يعتمد العلاج على تخفيف حدة الأعراض ومساعدة المريض على التكيف معها. 

من ضمن الطرق العلاجية:

  • جلسات المعالجة النفسية: وتعتمد على العلاج المعرفي السلوكي.
    تساعد هذه الجلسات المريض على تغيير أنماط تفكيره وطرق استجابته لمثيرات الوسواس أو الأفكار القهرية. 
  • الأدوية: بعض مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية -مثل فلوكسيتين وسيرترالين وغيرهما- تساعد على التحكم في أعراض الوسواس القهري.

قد تفيد أيضًا بعض وسائل الاسترخاء البسيطة (مثل: اليوجا أو التدليك أو التأمل) في تخفيف حدة أعراض الوسواس القهري. 

ختامًا نذكرك…

بأن الوسواس القهري مرض نفسي وليس اضطرابًا عقليًا، لذا يجب الإسراع في طلب العلاج، حتى يستطيع المريض أن ينعم بحياة طبيعية وهادئة.

المصدر
Obsessive-Compulsive Disorder (OCD)Which Is Worse: Neurosis or Psychosis?Obsessive Compulsive Disorder Masquerading as PsychosisIs Obsessive Compulsive Disorder Genetic?OCD and Concentration
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى