ترياق الأمراض النفسية

كيمياء المخ و الوسواس القهري

مغتربة وحيدة، ينقضي يومها بين أعمال المنزل ورعاية أطفالها.

أصبحت فريسة لأفكارها، تشعر بأعراض مرضية في شتى أعضاء جسدها.

ولم تُشخص بأي مرض عضوي، إلى أن شخصها الطبيب النفسي بمرض الوسواس القهري .

صارحها طبيبها بأن ثمة خلل قد وقع في كيمياء المخ. 

إذًا، هناك علاقة بين كيمياء المخ والوسواس القهري!

دعني أخبرك أولًا ما هو الوسواس القهري

الوسواس القهري (Obsessive-compulsive disorder) هو اضطراب عقلي وسلوكي ينتج عنه مجموعة من الوساوس أو الأفعال القهرية المتكررة أو كلتيهما.

الوساوس: هي مجموعة من الأفكار أو المشاعر المُلحة والمزعجة المتكررة، مثل الخوف من:

– التلوث والجراثيم.

– التصرف بشكل غير لائق.

– أن يؤذي الآخرين.

– التفكير الزائد عن الحد.

أما الأفعال القهرية: هي سلوكات أو أفعال يضطر الشخص لفعلها تلبية لهذه الوساوس أو للحد منها، ومن أمثلة هذه الأفعال:

– كثرة الاستحمام وغسل الأيدي.

– التحقق المتكرر من أفعاله.

– تكرار أي فعل كالقراءة أو الكتابة.

يجد مريض الوسواس القهري نفسه أسيرًا لهذه الوساوس والأفعال القهرية بشكل روتيني مزعج.

لكن لا بد من الانتباه إلى أن ليس كل فكرة أو فعل متكرر يسمى وسواسًا قهريًّا.

تتسم الأفكار والأفعال عند مريض الوسواس القهري بأنها:

– مستمرة لمدة ساعة يوميًّا على الأقل.

– خارج السيطرة.

– مؤرقة.

– تؤثر في العمل والحياة الاجتماعية.

ما هي أسباب الإصابة بـ الوسواس القهري ؟

لم يثبت بالدليل القاطع وجود سبب محدد للإصابة بالوسواس القهري.

يمكن القول إن الوسواس القهري هو نتاج لأسباب كثيرة قد تكون عصبية أو جينية أو بيئية أو سلوكية.

1. أسباب جينية

تزداد معدلات الإصابة بالوسواس القهري:

– إذا حدث تغيير في الجينات المسؤولة عن نقل أو ارتباط السيروتونين مستقبلات في المخ.

– بسبب حدوث طفرات في الجينات المتحكمة في الاتصال داخل المخ.

وهنا يظهر جليًّا الارتباط الوثيق بين كيمياء المخ والوسواس القهري

2. أسباب عصبية

أثبتت بعض الأبحاث أن حدوث خلل في استجابة المخ للنواقل العصبية خاصة السيروتونين والدوبامين؛ يتسبب في الإصابة بالوسواس القهري.

3. أسباب بيئية

لا تؤدي الضغوط العصبية إلى الإصابة بالوسواس القهري، لكنها تزيد من حدة المرض.

4. أسباب سلوكية

يبدأ الأمر عند بعض الأشخاص كنوع من القلق من التلوث، الذي يدفعهم لتجنب ملامسة الأسطح والمصافحة.

ثم يتحول الأمر مع الوقت إلى وسواس مخيف، يدفعهم إلى كثرة غسل الأيدي بشكل لا إرادي.

5. إصابة المخ بالبكتيريا العقدية

قد تسبب إصابة المخ بالبكتيريا العقدية حدوث وسواس قهري مؤقت، ينتهي عند علاج العدوى بالمضادات الحيوية.

كيف يُشخص مريض الوسواس القهري ؟

إذا شعر الإنسان ببادرة من الوساوس أو الأفعال القهرية عليه استشارة طبيب نفسي فورًا.

يستعين المعالج النفسي بإحدى هذه الطرق أو جميعها:

1- التقييم النفسي: 

يقص المريض على الطبيب النفسي ما يشعر به من أفكار ومشاعر وما يفعله من تصرفات.

2- الفحص البدني: 

لاستبعاد بعض الأمراض الأخرى التي قد تتشابه أعراضها مع الوسواس القهري.

3- يلجأ الطبيب -أحيانًا- لاستخدام المعايير التشخيصية لمرض الوسواس القهري (DSM-5).

حسنًا، إذا كان الوسواس القهري هو مجموعة من الأفكار والأفعال غير المنطقية، فالسؤال:

ما هو منشأ هذه الأفكار؟

 تنشأ الأفكار في المخ الذي يترجمها بدوره إلى أفعال ينفذها الإنسان.

كيف تتحول الأفكار إلى أفعال؟

في عملية معقدة تنتقل خلالها إشارات عصبية بين الخلايا العصبية وبعضها.

ما رأيك أن نتعمق أكثر لنرى الرابط بين كيمياء المخ والوسواس القهري؟

مبدئيًّا، ما هي كيمياء المخ؟

  • يحدث الاتصال بين مناطق المخ ومراكزه من خلال إرسال مواد كيميائية بين الخلايا العصبية.
  • تعرف هذه المواد باسم (النواقل العصبية).
  • أي خلل في هذه النواقل العصبية يؤدي إلى تغير في المزاج والحالة النفسية للإنسان.
  • يتسبب الوسواس القهري في إحداث خلل في الاتصال بين أجزاء المخ، خاصة المنطقة الأمامية (القشرة الجبهية الحجاجية والقشرة الحزامية الأمامية).

هناك خمسة نواقل عصبية مهمة في المخ، وهي:

 1- سيروتونين:

  • يلعب السيروتونين دورًا مهمًّا في العديد من الوظائف الحيوية، مثل: النوم والمزاج والشهية والرغبة الجنسية.
  • ويلعب أيضًا دورًا مهمًّا في عملية الهضم.
  •  تتمركز المخازن الرئيسة له في الأمعاء.  

2- دوبامين:

  • يتحكم الدوبامين في وظائف كثيرة، مثل: السلوك والإدراك والعاطفة.
  • ويعمل على مقدمة الدماغ المرتبطة بالشعور بالسعادة. 

3- نورإبينفرين:

  • يكمن دوره الرئيس في استجابة الجسم للغضب.

4- غلُوتامات:

  • الناقل العصبي الأول في عملية الاستثارة.
  • يوجد في المخ والحبل الشوكي.
  • يلعب دورًا مهمًّا في أثناء نمو المخ، والإدراك، والتعلم، والذاكرة.

هل الأطفال معرضون للإصابة بـ الوسواس القهري ؟

هل الأطفال معرضون للإصابة بـ الوسواس القهري ؟

– للأسف نعم.

– بينت الدراسات أن الذكور من الأطفال أكثر عرضة للإصابة من الإناث.

– تظهر عليهم الأعراض قبل مرحلة البلوغ.

– يصاب 1-3% من الأطفال عند بلوغهم العاشرة.

– من الصعب تشخيص المرض لدى الأطفال؛ لأنهم يكونون في مرحلة تعلم التفكير ولا يفهمون ماهية الأفكار الوسواسية.

– قد ينشأ الوسواس القهري عند الأطفال كنتيجة للإصابة ببكتيريا المكورات العقدية فيما يعرف باسم (متلازمة الاضطرابات النفسية الذاتية المرتبطة بالتهابات المكورات العقدية).

– يعتمد علاج الوسواس القهري عند الأطفال على العلاج المعرفي السلوكي والعلاج الدوائي، كما في البالغين.

لنتعرف أكثر إلى العلاقة بين كيمياء المخ والوسواس القهري:

السيروتونين والوسواس القهري

يعد السيروتونين هرمونًا وناقلًا عصبيا داخل المخ، ويؤدي الدور الأساسي في تواصل أجزاء المخ الداخلية.

لذلك فإن انخفاض مستوى السيروتونين في المخ يؤدي إلى اضطراب هذا الاتصال؛ متسببًا في ظهور أعراض الوسواس القهري.

الدوبامين و الوسواس القهري

أظهرت بعض الدراسات ارتفاع مستوى الدوبامين في قشرة الفص الأمامي الجبهي لمرضى الوسواس القهري.

الفرق بين دماغ شخص طبيعي وآخر مصاب بـ الوسواس القهري

عند إجراء تصوير للمخ، تبين وجود مناطق في مخ مريض الوسواس القهري تعمل بشكل مختلف عن مخ الإنسان الطبيعي.

علاج الوسواس القهري

  • يعتمد علاج الوسواسِ القهري على:

1. وعي المريض وإدراكه لأبعاد المرض.

2. حدة المرض:

يمكننا تحديد درجة المرض باستخدام مقياس ييل براون للوسواس القهري (Y-BOCS).

  • درجة المرض (8-23): الحالة بسيطة إلى متوسطة.
  • درجة المرض (أعلى من 23): حالة شديدة.

هناك شقين للعلاج

      1- العلاج السلوكي والمعرفي: باستخدام طريقة (التعرض ومنع الاستجابة).

      2- العلاج الدوائي: خاصة بمثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRI).

إذا كانت حالتك (بسيطة إلى متوسطة)؛ يمكن استخدام إما العلاج السلوكي بمفرده أو العلاج الدوائي باستخدام مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRI).

أما إذا كانت الأعراض شديدة؛ فلا بد من الجمع بين الأدوية والعلاج السلوكي.

تقنية العرض ومنع الاستجابة

– تعتمد على مواجهة المريض بمخاوفه دون الاستجابة الهروبية منها.

– يستخدمها المعالجون النفسيون واختصاصيو العلاج المعرفي السلوكي.

– تعطي هذه الطريقة نتائج مبهرة مع الحالات البسيطة والمتوسطة.

الأدوية المصرح بها لعلاج الوسواس القهري

طبقًا لمنظمة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA)، هناك خمسة مركبات معلنة للعلاج.

  • الكلوميبرامين: وهو من مجموعة مضادات الاكتئاب ثلاثية الحلقة.
  • أربعة مركبات من مجموعة مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية:
  1. الفلوكسيتين.
  2. الفلوفوكسامين.
  3. الباروكسيتين.
  4. السيرترالين.

إن الوسواسَ القهري مرض نفسي مرهق، وهو ابتلاء يجب مواجهته وليس الهرب منه. والمرض النفسي ليس وصمة، ولست وحدك.

ومن نعم الله علينا ما توصل إليه العلماء من معرفة العلاقة بين كيمياء المخ والوسواس القهري؛ إذ أصبح علاجه مسألة وقت ليس إلا.

أدام الله علينا نعمة الصحة والعقل. 

بقلم د/ شيماء مصطفى

المصدر
Obsessive-compulsive disorder (OCD)LIVING WITH A BRAIN DISORDER12 Multifaceted Causes of Obsessive Compulsive DisorderManagement of Obsessive-Compulsive DisorderGlutamate
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق