مفاهيم ومدارك

الوعي الذاتي | كارثة الجهل بالذات تحيط بك

في إحدى محاضرات التدريب على الحياة (Life coaching)، تحدَّث المحاضر عن إحدى أهم الموضوعات التي يحتاج إليها كل إنسان مِنَّا، خاصةً في هذه الحياة المزدحمة بالأحداث.

الوعي الذاتي كان محور هذه المحاضرة الشيقة، فكم مِنَّا يحتاج إلى فهم هذا المصطلح بكل ما يحمل من معانٍ قيمة! كم منا ستتغير حياته للأفضل عند إدراك الوعي الذاتي لنفسه!

الأمر يحتاج إلى التأمل والتعمق في تلك المعاني للتعرف إلى النفس بصدق، فهلم بنا في جولة ممتعة لمعرفة الوعي الذاتي: مفهومه، وأنواعه، ومراحله، وكيفية إنمائه…

الوعي الذاتي في علم النفس

أن تدرك مفهوم الوعي الذاتي (Self awareness)، فهذا يشبه جلوسك في غرفة مليئة بالضوء في كل مكان من حولك،
ولا ترى فيها سوى الظلام الدامس.

وبعد التأمل الدقيق في الغرفة وإدراك أبعادها وخباياها، فإنك أخيرًا تفتح لنفسك فرجة صغيرة على طاقة النور التي تملؤها،
وتزداد تدريجيًا كلما تعرفت إلى أسرارها أكثر فأكثر.

إدراك معنى الوعي الذاتي ومعرفة النفس وخباياها جيدًا من أهم الأمور على الإطلاق، وكلمة السر في هذا الأمر هي الأحلام والأهداف،
فهما المحركان الرئيسان للوعي الذاتي.

إذًا، ما هو الوعي الذاتي في علم النفس؟

في داخل النفس يوجَد كنز ثمين؛ فهي ملأى بالإمكانيات المذهلة التي تؤهلك للوصول إلى أبعد الأحلام وأصعبها. إمكانياتك الحقيقية دفينة في قرارة نفسك، وعليك التنقيب عنها لاكتشافها.

فمَن لا يعرف ذاته جيدًا كمَن يجُرُّ سيارة فارهة بحمار هزيل، فتسير أبطأ مما يجب أن تكون عليه، أو كالمتسول بين الناس طالبًا المساعدة، وهو يجلس على صندوق من ذهب لا يعرف قيمته!

إن الوعي -في العموم- هو القدرة على التوليد المستمر لمعلومات ذات جودة عالية عن شيء ما، أيًا كان ذلك الشيء.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

وعليه، فإن الوعي الذاتي هو القدرة على توليد المعلومات الكافية ذات الجودة العالية عن النفس والشخصية بموضوعية،
للمساعدة على اتخاذ قرارات مهمة، أو مواجهة مواقف مختلفة.

وكلما زادت المعلومات المجموعة عن نفسك، زاد فهمك لها، ومن ثَمَّ تحقيقك لأهدافك وأحلامك. ومن أهم علامات فهمِ الذات أن تفهم المشاعر التي تعتريك في المواقف المختلفة بعمق.

تأمل نفسك متى تضحك، ومتى تبكي، ومتى تغضب، ومتى ترتبك. وعند الوصول إلى أجوبة هذه التساؤلات، فإنك تستطيع التحكم بنفسك، وقيادتها إلى كل نجاح في كل موطن.

أهمية الوعي الذاتي

لا شك أن الوعي الذاتي أداة مهمة للوصول إلى أعلى مستويات السعادة والرضا عن الذات، وتحسين علاقتك بنفسك أولًا،
ثم بالآخرين على مستوى الأصدقاء، والعائلة، والعمل… إلخ.

وعلى الرغم من ذلك، فإن عشرة أو خمسة عشر في المئة فقط من الناس لديهم الوعي الذاتي الحقيقي، وهم مَن أدركوا المعاني الحقيقية الخفية لشخصياتهم، وما تحويه في مكنونها.

ونعدد بعض فوائد الوعي الذاتي في النقاط الآتية:

  • تحسين المهارات الشخصية من خلال التعرف إلى ما تفعله جيدًا، وما تحتاج إلى تحسينه في المستقبل والعمل عليه.
  • رفع مستويات السعادة والرضا، بحيث تتطابق مبادئك وأساسيات شخصيتك مع أفعالك.
  • التمكن من القيادة بأسلوب أفضل -إذا كنت مديرًا في وظيفة ما- عن طريق معرفة كيفية فهم الموظفين لسلوكك.
  • تعزيز العلاقات الشخصية والعاطفية عن طريق التحكم في مشاعرك.
  • تقليل الضغط النفسي والتوتر العصبي، وذلك بإقصاء المشاعر السلبية ومواجهة المواقف التي تؤدي بك إلى ذلك الشعور السلبي.

هذا غيض من فيض مما يُظهِر أهمية الوعي الذاتي وعلاقته بالتوافق النفسي، وما يعقبه من زيادة الإنتاجية والتواصل الفعال مع الناس.

مراحل الوعي الذاتي

إن مراحل الوعي لا تنتهي أبدًا؛ فأنت في كل يوم إنسان جديد مع كل مرة تكتشف فيها المزيد من المعلومات عن نفسك، وعن قدراتك وإمكانياتك. 

لكن علماء النفس وضعوا بعض المراحل البارزة للوعي الذاتي للإنسان، نستعرض أبرز خمس مراحل منها للبروفيسور “آدم بلاتنر” فيما يأتي:

  • مرحلة التعبير المفتوح

هي المرحلة التي يعبر فيها الإنسان في موقف معين عن أفكاره بحرية تامة وبكل وضوح أمام نفسه والآخرين.

  • مرحلة الأسرار

هي المرحلة التي يعبر فيها الإنسان عن أفكاره أمام نفسه فقط، ويخفيها عن غيره -مهما كان قريبًا منه- كنوع من الأسرار.

  • مرحلة خداع الذات

هي التي لا يتقبل فيها الإنسان بعض الأفكار إلا قليلًا من حين لآخر، وفي كثير من الأحيان يتجنب الإنسان تلك الأفكار أو يواجهها بأفكار معاكسة، مثل عدم تقبل فكرة الخوف ومواجهتها بشتى الطُرق.

  • مرحلة المشاعر اللاواعية

في هذه المرحلة، لا يتقبل الإنسان بعض الأفكار حتى أمام نفسه، ويشعر فيها أن الأفكار غير متوافقة مع ذاته، وهي ما يُطلَق عليه “مرحلة اللاوعي”.

وعندما يبدأ الإنسان البحث الحقيقي في داخل ذاته أو البحث عن العلاج مع أحد المتخصصين، فإنه يتحول من المرحلة الرابعة إلى الثالثة، ثم إلى الثانية، ثم الأولى.

  • مرحلة الأشياء التي لم تؤخَذ بعين الاعتبار

هي المرحلة التي تحتوي على الأفكار التي لم يُنظَر فيها من قبل، وتحتوي على معلومات مبهَمة بالنسبة للشخص. ويعرف الإنسان هذه الأفكار بمخالطة المزيد من الناس والثقافات المختلفة.

اقرأ: الوعي واللاوعي |  أين يكون وعيك حين يغيب؟!

ولا ننسى أن من أهم مراحل الوعي الفارقة في الحياة كلها مرحلة الوعيِ الذاتي للأطفال؛ فالأطفال دائمًا ما يسألون بفضول عن كل ما يحيط بهم.

ويتطور بهم الأمر تدريجيًا على مراحل عدة، تكون ذروتها من مرحلة الولادة وحتى عمر الخامسة. لذا، لا تكبت استكشاف طفلك للمحيطات من حوله؛ فهو قتل لروح الإبداع في داخله إلى الأبد!

أنواع الوعيِ الذاتي 

عادة ما يقسم علماء النفس الوعي الذاتي إلى نوعين، هما:

  • الوعي الذاتي العام

يظهر هذا النوع من الوعي الذاتي عندما توضَع في مواقف تتعامل فيها مع الآخرين وما يتعلق بمظهرك أمامهم.

على سبيل المثال: إذا أُسنِد إليك إلقاء عرض تقديمي أمام زملائك أو رؤسائك في العمل، فيظهر هنا الوعي الذاتي العام الذي يجبرك على الالتزام بالأعراف الاجتماعية في المواقف العامة.

وربما يؤدي الوعي الذاتي العام الزائد عن الحد إلى القلق من التقييم من قِبَل الناس، عند إدراك أنك خاضع للمراقبة والتقييم.

  • الوعيُ الذاتي الخاص

يحدث هذا النوع من الوعي الذاتي عندما تنطوي على نفسك بعيدًا عن الناس، لتتأمل وتدرك جوانب نفسك وكأنك تنظر في مرآة.

ومن أمثلة الوعيِ الذاتي الخاص: الشعور بخفقان القلب إذا رأيت شخصًا تحبه صدفة دون سابق موعد، أو الشعور بألم في المعدة عند اقتراب موعد الامتحانات ولم تنتهِ من المذاكرة بعد.

اختبار الوعيِ الذاتي

هناك عدة اختبارات لقياس مستوى الوعي الذاتي. ربما تكون النتائج غير دقيقة، ولكنها تعطيك ما يقارب الواقع.

يتكون اختبار الوعيِ الذاتي من عدة أسئلة لإيضاح بعض الجوانب الخفية في شخصيتك، ونذكر هنا أهم الأسئلة الواردة فيها:

  • ما العادات التي تفعلها طوال الوقت؟
  • ما المشاعر التي تعتريك وتسيطر عليك غالبًا؟
  • هل تستطيع تمييز المشاعر التي تجعلك إنسانًا سلبيًا؟
  • ما هي المحفزات التي تدفعك إلى الخوف؟
  • مـا الذي تبحث عنه طيلة الوقت؟
  • ما أكثر الأشياء التي تحبها؟
  • ما أكثر الأشياء التي تكرهها؟

ننصحك بالاطلاع على مقال التقييم الذاتي | تعرف على نفسك لأول مرة!

تمارين الوعيِ الذاتي

ربما تتردد على لسان بعض الناس مقولة: “ليس لدي إمكانيات أو قدرات”، وهذا أكبر الأخطاء؛ فليس هناك مَن ليس لديه إمكانيات،
لكن هناك كثير ممَّن لديهم المبررات ليحبطوا بها أنفسهم عن التقدم للأمام.

لذاَ، كان من المهم معرفة الوسائل التي تطور بها الوعي الذاتي لديك. وفي هذا القسم، نقدم بعض تمارين الوعي الذاتي ذات النتائج المضمونة، ونعددها فيما يأتي:

  • اسأل نفسك

أول خطوة على طريق إتقان الوعي الذاتي هي وضع علامة استفهام على كل الأفعال، والأفكار، والعواطف التي تراودك،
لمعرفة أصلها وكيفية السيطرة عليها.

بمعنى آخر، عليك التحلي بما يُسمَّى “صفة فضول الأطفال”؛ فكل موقف جديد تمُرُّ به يضيف إليك بعدًا جديدًا في شخصيتك عليك اكتشافه بصيغة السؤال (لماذا).

  • امشِ منفردًا أو مع أحد الأصدقاء

المشي على انفراد -ولو لساعة أسبوعيًا- أو السفر تاركًا كل هموم العمل ومشاغل الحياة خلفك يجعلانك تلاحظ أشياء من حولك ما كنتَ لتلاحظَها من قبل، وهو ما يزيد الوعي الذاتي لديك.

وكذلك السير مع صديق يجعلك تتجاذب معه أطراف الحديث بكل حرية ومرونة، ويجعلك تستطيع مواجهة الأسئلة والمواقف التي قد تواجهها مع أشخاص آخرين.

  • سجِّل أفكارك ومشاعرك

تسجيل الأفكار والمشاعر السلبية أو الإيجابية التي تمُرُّ بها -بصفة منتظمة- يرفع من الوعيِ الذاتي لديك على الدوام، ويُكسِبك المزيد من التوافق النفسي.

  • اقرأ

القراءة هي المفتاح الرئيسي للتعلم، ونافذتك على العالم كله بثقافاته المتعددة، مما يتيح لك فرصة أكبر لتعلم الوعيُ الذاتي.

حبذا لو اعتدت قراءة القصص الخيالية التي تساعدك على مزيد من التفكير، وكذلك الكتب المتخصصة في التدريب على الحياة
(life coaching).

  • تنفس وتأمل

إن ممارسة تمارين التنفس بانتظام -في الأوضاع الصحيحة لهذه التمارين- تجعلك أكثر انضباطًا وعمقًا وإدراكًا لأمور كثيرة عن نفسك،
مما يزيد من الوعيِ الذاتي.

ولا تنسَ أبدًا التأمل الدائم في النفس، وغالبًا ما يحدث التأمل عند الشعور بالعجز أمام موقف ما. لذا، اِعتد التأمل في نفسك بصفة مستمرة.

اقرأ أيضًا: اليوجا | رحلة داخل نفسك.

  • مارِس الرياضة

توفر ممارسة الرياضة لك تكوين ملاحظات لا شعورية عن جسدك ونفسك وشخصيتك، وتفتح لك آفاقًا واسعة في عقلك للتفكير،
وكما قِيل من قبل: “العقل السليم في الجسم السليم”.

  • انتبه لحركات جسدك ولغته

نذكر هنا مثالًا بسيطًا: إذا بدأت يومك بابتسامة تلقى بها كل الناس، وكذلك إذا اعتدت السير مستقيمًا، فإن ذلك حتمًا سينعكس على شخصيتك ووعيك الذاتي بالإيجاب.

  • أعِدَّ وثيقة مذكرة لبياناتك الشخصية

فهي تمكنك من الرجوع إليها من حين لآخر، فتعرف نقاط قوتك ونقاط ضعفك، وإلى أي مدى تطورت للأفضل وتغلبت على المشاعر السلبية.

  • أجرِ اختبارات الشخصية واختبار الوعي الذاتي

وهذا من أهم الأمور لتطوير وعيك الذاتي؛ فتتعرف إلى شخصيتك ونقاط قوتها وضعفها من خلال اختبارات الشخصية، ويساعدك في ذلك اختبار الوعي الذاتي.

ومما يجب ذكره في هذا الموضع أن عواقب عدم الوعي الذاتي وخيمة، فكما يُقال في علم النفس: “إن الشخص غير الواعي يمتلك عقلية الغريب الذي لا يدري سبب حزنه أو فرحه أو غضبه؛ فهو كالغريب يتخبط في كل الأوقات!”.

ختامًا…
عزيزي القارئ، أنت غير مدرك لحجم قدراتك وإمكانياتك التي لا تتوقع أنك تمتلكها فعلًا، فاسعَ إلى زيادة الوعي الذاتي لديك،
وتذكَّر دائمًا أن في الوقت الذي تشكك فيه في قدراتك، هناك مَن يرتعد خوفًا منها.

المصدر
Self-Awareness Development and TypesThe True Meaning of Self-Awareness (& How to Tell If You're Actually Self-Aware)10 Simple Ways to Improve Your Self-Awareness [With Examples]Self-Awareness Test: How Self-Aware Are You?Five Levels of AwarenessHow To Develop Self-Awareness With These 27 Exercises
اظهر المزيد

د. محمود المغربي

صيدلي إكلينيكي، عملت في المجال الطبي لسنوات اكتسبت خلالها الخبرة الكافية بالإضافة إلى الخلفية الطبية القوية كصيدلي إكلينيكي. أهدف إلى مساعدة الناس على تحقيق حياة صحية أفضل من خلال إعطائهم معلومات دقيقة تستند إلى مراجع طبية موثوقة، بأسلوب كتابة سهل تتحول فيه المعلومات الطبية الأكثر تعقيدًا إلى كلمات سلسة تتدفق بسهولة في ذهن القارئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى