عام

الوعي واللاوعي | أين يكون وعيك حين يغيب؟!

قد تركز في هذه اللحظة على قراءة هذا المقال، ثم يتحول وعيك بعد ذلك إلى ذكرى محادثة أجريتها مع زميل في العمل. 

بعد ذلك، قد تلاحظ أن كرسيك غير مريح، أو ربما قد تخطط -في ذهنك- لتناول العشاء.

في الواقع، تتأثر مشاعرنا ودوافعنا وقراراتنا -بقوة- بتجاربنا السابقة، وتخزن في العقل اللاواعي الذي يحكم سلوك البشر وتصرفاتهم بدرجة أكبر من ما يعتقدونه.

ومنذ هبوط الإنسان إلى الأرض، كانت الأسئلة حول الوعي البشري وغيابه مصدر فضول وبحث دائمَين، ولا تزال كذلك.

فما مفهوم الوعي واللاوعي؟

في هذا المقال، سنحاول التعرف أكثر إلى مفهوم الوعي واللاوعي، وأشهر النظريات التي تناولتهما.

الوعي واللاوعي في الفلسفة

على الرغم من صعوبة التوصل إلى تعريف واحد، يعتقد العديد من الفلاسفة أن هناك حدسًا أساسيًا مشتركًا على نطاق واسع حول ماهية الوعي. 

ومنذ زمن ليس ببعيد، كان العديد من العلماء ينظرون إلى الوعي نظرة تشكيك، لكن في السنوات الأخيرة أصبح موضوعًا مهمًا للبحث في علم النفس وعلم الأعصاب.

كافح الفلاسفة منذ زمن “ديكارت” و”لوك” لفهم طبيعة الوعي وتحديد خصائصه الأساسية. 

وتشمل القضايا ذات الاهتمام في فلسفة الوعي: 

  • كيف يمكن تفسير الوعي؟ 
  • هل لغير البشر وعي؟ وإذا كان كذلك، فكيف يمكن التعرف إليه؟
  • كيف يرتبط الوعي باللغة؟ 

ما الوعي؟ وما الإدراك؟

ما الوعي؟ وما الإدراك؟

يُجمع البشر على أن الوعي هو إدراك الفرد لبيئته أو أفكاره أو مشاعره أو أحاسيسه أو ذكرياته.

ببساطة، وعيُك هو إدراكك لنفسك وللعالم من حولك. هذا الإدراك الشخصي والفريد! 

ويتميز هذا الإدراك بصفة التغير المستمر تبعًا للتغيرات التي تطرأ على البيئة الداخلية والخارجية للفرد.

الإدراك

يعرف الإدراك بأنه: التجربة الحسية للعالم الداخلي والخارجي، ويتضمن التعرف إلى المحفزات البيئية والإجراءات استجابةً لهذه المحفزات.

ومن خلال عملية الإدراك الحسي نحصل على معلومات حول خصائص البيئة وعناصرها التي تعد ضرورية لبقائنا، ويُسمح لنا -كذلك- بالتصرف داخل بيئتنا.

أنواع الإدراك

تتضمن بعض الأنواع الرئيسة للإدراك:

  • الرؤية
  • اللمس
  • الصوت
  • المذاق
  • الرائحة

ويشمل أيضًا ما يُعرف باسم “الحس العميق”، وهو مجموعة من الحواس تتضمن القدرة على اكتشاف التغيرات في أوضاع الجسم وحركاته وتوازنه وحالاته الداخلية. 

ويتضمن أيضًا “العمليات المعرفية” المطلوبة لمعالجة المعلومات، مثل التعرف إلى وجه صديق أو اكتشاف رائحة مألوفة.

أنواع الوعي

هناك عدد من الأشياء التي يمكن أن تسبب تغيرات في وعي الفرد، يحدث بعضها بشكل طبيعي، بينما ينتج بعضها الآخر عن تدخلات خارجية، مثل المخدرات أو تلف الدماغ. 

يمكن أن تؤدي التغييرات في الوعي أيضًا إلى تغييرات في الإدراك والتفكير والفهم وتفسيرات العالم.

ويمكن كذلك أن تحدث مستويات متغيرة من الوعي، والتي قد تكون ناجمة عن حالات طبية أو عقلية تضعف الوعي أو تغيره.

وتشمل بعض حالات الوعي المختلفة:

وعلى هذا، يوجد إدراك الفرد في حالة من اثنتين: الوعي واللاوعي. 

نعرض في السطور المقبلة أشهر النظريات التاريخية للوعي واللاوعي في علم النفس القديم والحديث… 

الوعي واللاوعي في حضارات المايا 

في زمن ما قبل “كولومبس” -مكتشف الأمريكتين-، كانت حضارة المايا القديمة -في أمريكا الوسطى- أول من اقترح تعريفًا محددًا لكل مستوى من مستويات الوعي والغرض منه. 

ونظرًا لأن الوعي يشتمل على محفزات من البيئة بالإضافة إلى المحفزات الداخلية؛ فقد اعتقد المايا القدماء أن الوعي هو الشكل الأساسي للوجود وأنه قادر على التطور. 

الوعي واللاوعي عند “جون لوك”

«الوعي هو إدراك ما يدور في عقل الإنسان» 

يعد الفيلسوف الإنجليزي “جون لوك” من أوائل من تحدثوا وكتبوا عن الوعي واللاوعي. 

اعتقد “لوك” أن هويتنا مرتبطة بوعيِنا، والذي عرفه على أنه: (ما يمر عبر عقل الإنسان أو ذكرياته)، وأن الوعي الشخصي قد يفقد نتيجة ذكريات ودوافع مكبوتة أو منسية للفرد.

وأكد -أيضًا- أن وعينا غير مرتبط بأجسادنا المادية، وأنه يمكن أن يعيش حتى بعد موت أجسادنا المادية. 

في الواقع، اعتقد “لوك” أن الوعي لا يموت، وإنما ينتقل من روح إلى أخرى ومن عالم إلى آخر.

وأشار لوك إلى ما يسمى بـ “اللاوعي الجماعي”، الذي يحتوي على ذكريات أسلاف موروثة مشتركة للبشرية جمعاء.

الوعي واللاوعي عند “رينيه ديكارت” 

«أنا أفكر، إذن أنا موجود» 

تناول الفيلسوف الفرنسي “رينيه ديكارت” أيضًا فكرة الوعي واللاوعي في القرن السابع عشر، واقترح أن فعل التفكير ذاته يوضح حقيقة وجود الفرد ووعيه. 

وشرع ديكارت في الإجابة عن سؤال:

كيف يمكن أن يكون وعينا؟ وهل هو شيء غير مادي أم شيء مادي؟ 

قدم ديكارت إحدى أشهر أطروحاته في تفسير الوعي، ما تسمى بـ “الثنائية الديكارتية”. 

وتقوم الفكرة على أن الوعي يكمن في نوعين من الكينونات:

  • النطاق غير المادي وهو الوعي أو التفكير.
  • النطاق المادي وهو عالم الامتداد. 

واقترح أن التفاعل بين هذين المجالين يحدث في منتصف الدماغ، وتحديدًا في الغدة الصنوبرية (Pineal Gland).

الوعي واللاوعي عند “فرويد

تعد نظرية التحليل النفسي لعالم النفس النمساوي الشهير “سيغموند فرويد” واحدة من أكثر النظريات شيوعًا لتفسير الوعي واللاوعي. 

عرف “سيجموند فرويد” اللاوعي -في نظرية التحليل النفسي- بأنه: 

مستودع للمشاعر والأفكار والإلحاحات والذكريات خارج الإدراك الواعي.

وفقًا لفرويد، يمكن أن يشمل اللاوعي:

  • المشاعر المكبوتة، والذكريات المخفية، والعادات، والأفكار، والرغبات، وردود الفعل. 
  • الذكريات والعواطف المؤلمة جدًا، أو المحرجة، أو المخزية، أو المؤلمة للمستوى الواعي.

ولتحديد جذور الضيق النفسي؛ استخدم فرويد تقنيات مثل “تحليل الأحلام” و”الجمع الحر”؛ لتسليط الضوء على المشاعر الحقيقية.

اعتقد فرويد أن اللاوعي يستمر في التأثير في سلوك البشر حتى وإن لم يكونوا غير مدركين لهذه التأثيرات الكامنة.

واستنتج أن معظم محتويات اللاوعي غير مقبولة أو غير سارة، مثل الشعور بالألم أو القلق. 

اللاوعي… لماذا؟

يعمل العقل اللاواعي كمستودع للرغبات البدائية والدوافع التي خُزنت في وضع حرج وتتوسطها منطقة ما قبل الوعي.

وجد فرويد أن بعض الأحداث والرغبات كانت غالبًا مخيفة جدًا أو مؤلمة لمرضاه عند الاعتراف بها، واعتقد أن مثل هذه المعلومات قد حبست بعيدًا في العقل اللاواعي.

وكثيرًا ما يستخدم الناس مجموعة من آليات الدفاع (مثل القمع)؛ لتجنب معرفة دوافعهم ومشاعرهم اللاواعية.

ويرى فرويد أيضًا أن العقل اللاواعي يحتوي على غرائزنا البيولوجية للدوافع البدائية للجنس والعدوان، وأن دوافعنا البدائية غالبًا لا تصل إلى الوعي لأنها غير مقبولة لذواتنا العقلانية الواعية.

الوعي واللاوعي… نظرية الجبل الجليدي

طور “فرويد” نموذجًا طبوغرافيًا للعقل، وصف فيه سمات بنية العقل ووظيفته، وشبه العقل بجبل جليدي. 

فما يظهر فوق سطح الماء هو الوعي، وما تحته يمثل اللاوعي.

يمكنك رؤية جزء صغير فقط من الجبل الجليدي فوق الماء. أمَّا ما لا يمكنك رؤيته من السطح هو الكمية الهائلة من الجليد التي تشكل الجزء الأكبر من الجبل الجليدي، المغمورة في أعماق المياه.

الأشياء التي تمثل وعينا الواعي هي ببساطة “قمة جبل الجليد”. بينما تقع بقية المعلومات الموجودة خارج الإدراك الواعي تحت السطح. 

ويحتوي “اللاوعي” على جميع أنواع المكنونات المهمة أو المثيرة للقلق أو المخجلة، والتي نحتاج إلى إبعادها عن الوعي؛ لأنه لا يمكن الاعتراف بها بشكل كامل.

الانزلاق الفرويدي (Freudian Slip)

إحدى طرق فهم كيفية عمل العقول الواعية واللاواعية ما يُعرف بـ “زلة اللسان”. 

لقد جرب الكثيرون منا ما يُشار إليه عمومًا باسم الانزلاق الفرويدي في مرحلة أو أخرى من الحياة، ويعتقد أن هذه الزلات تكشف عن أفكار أو مشاعر أساسية غير واعية.

يرى فرويد أنه بينما يتعذر الوصول إلى العقل اللاواعي إلى حد كبير، يمكن أن يظهر مكنونه أحيانًا بشكل غير متوقع، كما هو الحال في الأحلام أو زلات اللسان.

مثال على الانزلاق الفرويدي:

رجل يستخدم -عن طريق الخطأ- اسم زوجته السابقة عند الإشارة إلى زوجته الحالية. 

بينما يعتقد معظمنا أن هذا خطأ بسيط، يعتقد فرويد أن الانزلاق أظهر التدخل المفاجئ للعقل اللاواعي في العقل الواعي، غالبًا بسبب المشاعر المكبوتة.

الوعي وما قبل الوعي واللاوعي

الوعي وما قبل الوعي واللاوعي

يعتقد “فرويد” أن السلوك والشخصية مشتقان من التفاعل المستمر والفريد للقوى النفسية المتضاربة، فقسم الوعي البشري إلى ثلاثة مستويات من الإدراك: 

الوعي، وما قبل الوعي، واللاوعي. 

ويتوافق كل مستوى من هذه المستويات مع أفكار فرويد عن الهُو والأنا والأنا العليا، ويتداخل معها. 

  • يتكون المستوى الواعي من كل الأشياء التي ندركها، بما في ذلك الأشياء التي نعرفها عن أنفسنا ومحيطنا. 
  • ويتكون مستوى ما قبل الوعي من أشياء يمكن أن نوليها اهتمامًا واعيًا إذا رغبنا في ذلك، وهو المكان الذي يخَزن فيه العديد من الذكريات لاسترجاعها بسهولة.

فهي بمثابة غرفة الانتظار العقلي؛ إذ تبقى الأفكار فيها حتى تنجح في جذب عين الواعي، فهي أفكار غير واعية وغير مكبوتة ومتاحة للتذكر، وهي أقرب إلى الوعي من اللاوعي.

  • أما اللاوعي، فيتكون من أشياء خارج الإدراك الواعي، بما في ذلك العديد من الذكريات والأفكار والحوافز التي لا ندركها. 

ويعتقد أن كثيرًا من ما يخزن في اللاوعي مزعج أو متضارب، مثل الدوافع الجنسية التي تعتبر غير مقبولة. 

ومع أن هذه العناصر تخَزن بعيدًا عن وعينا، فإنه يعتقد أنها تؤثر تأثيرًا كبيرًا في سلوكنا.

البحث الحالي عن الوعي واللاوعي

ينصب التركيز الأساسي للأبحاث والدراسات الحالية حول “الوعي واللاوعي” على فهم ما يعنيه الوعي بيولوجيًا ونفسيًا. 

يسعى علماء اليوم إلى تحديد الارتباطات العصبية والنفسية للوعي، وتشمل القضايا ذات الاهتمام: 

  • الإدراك الشعوري واللاشعوري.
  • فقدان البصر.
  • موجات الدماغ في أثناء النوم.
  • حالات غياب الوعي المرضية، مثل: غيبوبة السكتة الدماغية.
  • حالات غياب الوعي التي تسببها العقاقير ذات التأثير النفساني، أو التقنيات الروحية أو التأملية.

تستخدم غالبية الدراسات التجريبية لتقييم الوعي الاستبانات، من خلال مطالبة المتطوعين بتقارير شفهية عن تجاربهم. 

وللتأكد من نتائج هذه التقارير الشفهية؛ يقارنها العلماء بالنشاط العصبي بالبحث عن الارتباطات العصبية للوعي. 

استخدم في هذه التجارب العديد من تقنيات التصوير الدماغي، مثل: التخطيط الكهربائي للدماغ (EEG)، والرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)؛ لقياس نشاط الدماغ في هذه الدراسات.

في حين أن العديد من أفكار “فرويد” قد فقدت شعبيتها، فإن تسليطه الضوء على أهمية “اللاوعي” أصبح أحد أهم إسهاماته الدائمة في علم النفس. 

إذ أصبح العلاج التحليلي -الذي يستكشف كيف يؤثر العقل اللاواعي في السلوكيات والأفكار- أداة مهمة في علاج الأمراض العقلية والضيق النفسي.

وختامًا…

أثار مفهوم “الوعي” اهتمام الفلاسفة والعلماء منذ قديم الزمان، ومن الواضح أن الطريق أمام الخبراء لا يزال طويلًا للتحقق من ماهية الوعي واللاوعي وفك ألغازهما.

ويبقى السؤال: أين يكون وعيك حين يغيب؟!

المصدر
What Is Consciousness?Introduction to ConsciousnessThe Preconscious, Conscious, and Unconscious MindsWhat Is the Unconscious?
اظهر المزيد

د. محمود الرزاز

محمود الرزاز، صيدلي اكلينيكي، و أخصائي معلومات طبية، استمتع بالبحث عن الدليل العلمي، ومهتم بوصول المعلومات الطبية الحديثة للقاريء بلغة بسيطة و مفهومة، في ظل فوضى انتشار المعلومات غير الدقيقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق