مفاهيم ومدارك

الوفاة النفسية | عندما تهزمك الحياة!

هل الصدمة النفسية تقتل؟!

طرأ هذا السؤال على ذهني عندما تلقيت نبأ وفاة جارتي الطيبة الجميلة، هذا الخبر الذي آلمني كثيرًا…

تزوجت (سمية) من أحد أقاربها، وكان يكبرها بأكثر من 15 عامًا، وأنجبت منه ثلاثة أبناء، وكانت شديدة التعلق بأسرتها الصغيرة.

وفجأة تزوج زوجها بأخرى، وآثرت الانفصال في صمت، الأمر الذي عارضه زوجها كثيرًا، ولكنه استسلم في النهاية وانفصل عنها.

ولكن، مارس الكثير من الضغوط النفسية والمادية عليها؛ لإذلالها والانتقام منها، وكان آخرها حرمانها من أطفالها.

بكت كثيرًا، ونامت ولم تستيقظ… فهل الضغوط النفسية تسبب الموت؟!

سنتحدث في السطور القادمة عن الوفاة النفسية، ومراحلها، وما أعراض الحالة النفسية، فتابع معنا هذا المقال.

الوفاة النفسية

تعرف الوفاة النفسية بأنها التخلي عن الحياة، ويطلق عليها أيضًا “الموت نفسي المنشأ”.

يشعر بعض الأشخاص بأن الحياة قد هزمتهم، وأنهم غير قادرين على المقاومة؛ فيستسلمون في صمت، ويتخلون عن معركتهم في الحياة.

تعد الدراسة التي أجراها الدكتور جون ليتش (John leach)، الذي كان باحثًا في جامعة بورتسموث، الأولى في وصف ما يطلق عليه “التخلي عن الحياة” أو “الوفاة النفسية”.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

واقترح (ليتش) أن الوفاة النفسية تعد واقعًا ملموسًا، وأنها ليست انتحارًا، ولا ترتبط بالاكتئاب، ولكنها عادة ما تتبع صدمة نفسية شديدة، لا يستطيع الإنسان تحملها.

تحدث الوفاة النفسية عندما يشعر الإنسان أنه لا مفر من الموت، وأنه النتيجة العقلانية الوحيدة لما يشعر به من ضغوط نفسية متتالية. 

واقترح (ليتش) أن هناك خمس مراحل لتخلي الإنسان عن الحياة والاستسلام للموت.

وإذا تجاهل الإنسان ما يشعر به من إشارات سلبية؛ فقد تحدث الوفاة النفسية في غضون ثلاثة أسابيع من بداية المرحلة الأولى من مراحل التخلي عن الحياة. 

المراحل التي تؤدي إلى الوفاة النفسية

هناك خمس مراحل يتعرض لها الإنسان وتؤدي إلى التدهور النفسي التدريجي؛ وهو ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى الوفاة النفسية.

يعد الاستسلام أول تلك المراحل، واقترح (ليتش) أن الاستسلام ينشأ من تغيرات تحدث في جزء من الدماغ “تحت القشرة الأمامية”، الذي يتحكم في سلوك الإنسان المحفز، وشعوره بالقدرة على التأقلم مع الحياة.

واقترح أيضًا أن الصدمة النفسية قد تسبب ضررًا في هذا الجزء من الدماغ؛ وهو ما يجيب عن سؤالنا “هل الصدمة النفسية تقتل؟!”

فقد تحفز الصدمة النفسية تلك المراحل الخمس التي تؤدي في كثير من الأحيان إلى الوفاة النفسية.

وتشمل المراحل التي تؤدي إلى الوفاة النفسية:

الانسحاب الاجتماعي

يميل الكثير من الأشخاص إلى العزلة والانسحاب الاجتماعي بعد تعرضهم إلى صدمة نفسية.

وعادة ما يُظهِر أولئك الأشخاص تبلدًا في المشاعر، إضافة إلى الخمول واللامبالاة تجاه الآخرين، وانغماسهم في شؤونهم الخاصة.

عادة ما يوصف الأشخاص الذين حُبِسوا في هذه المرحلة بأنهم سلبيون أو بأنهم انسحبوا من الحياة.

اقترح دكتور (ليتش) أن الانسحاب هو أحد الطرق التي يتخذها بعض الأشخاص وسيلةً للتأقلم مع الضغوطات النفسية والصعوبات التي يواجهونها.

يعد الانسحاب أمرًا إيجابيًا عندما يسمح للشخص بإعادة تنظيم مشاعره وأفكاره، وتقييم حياته، ولكن إذا انجرف الإنسان وراء هذا الشعور بالانسحاب ولم يستطع الفكاك منه؛ فقد يتطور الأمر إلى اللامبالاة.

اللامبالاة

يطلق على اللامبالاة “الموت العاطفي”.

تصف اللامبالاة ذلك الشعور بالاستسلام التام والشعور بالإحباط الشديد، وتتسم هذه المرحلة بعدم قدرة الإنسان على أداء أي مهام تتعلق بصحته أو نظافته الشخصية.

شوهد هذا الشعور جليًا عند أسرى الحروب، والناجين من تحطم السفن أو الطائرات. 

ورأى (ليتش) أن هؤلاء الأشخاص ليس لديهم القدرة على أداء المهام الصغيرة؛ فهي من وجهة نظرهم تحتاج إلى جهد عظيم، وضرب مثلًا لذلك أحد أسرى الحرب الذي كان يعمل ضابطًا طبيًا؛ ووصفه بأنه كان يستيقظ كل صباح وليست لديه القوة لفعل أي شيء.

فقدان الإرادة

تتسم تلك المرحلة بفقدان الدافع لأداء المهام مصحوبًا بضعفٍ في الاستجابة العاطفية لهؤلاء الأشخاص، وعدم قدرتهم على اتخاذ القرارات.

يفقد الإنسان في هذه المرحلة الرغبة في مساعدة نفسه، ويفقد أيضًا قدرته على ذلك، ولكن لا يزال ممكنًا إنقاذ هذا الشخص من قِبَل الآخرين والمهتمين لأمره، ودعمه وتشجيعه على مساعدة نفسه.

وصف دكتور (ليتش) هذه المرحلة بأن صاحبها يبدو وأنه يملك عقلًا فارغًا ووعيًا خاليًا من أي أفكار أو أهداف.

يميل أصحاب هذه المرحلة إلى عدم التحدث مع الآخرين، وعدم الرغبة في تناول الطعام، وعدم الاهتمام بالنظافة الشخصية، ويزداد انسحابهم اجتماعيًا وانخراطهم في ذواتهم.

الجمود النفسي

تتسم تلك المرحلة بحالة عميقة من اللامبالاة وعدم الإدراك أو عدم الإحساس تجاه الألم الشديد.

وُصفَت تلك المرحلة من خلال دراسة أُجرِيت على فتاة شابة، شُخِّصت -لاحقًا- بأنها تعاني الجمود النفسي؛
فقد كانت تعاني حروقًا من الدرجة الثانية إثر زيارتها إلى الشاطئ، ولم تنأى بنفسها عن حرارة الشمس اللاذعة،
ولم تبالِ بالألم الذي كانت تشعر به.

الوفاة النفسية

تعد الوفاة النفسية آخر مراحل تخلي الإنسان عن الحياة، وتتسم تلك المرحلة بتفكك الإنسان؛ إذ يبدو الإنسان مستسلمًا تمامًا، وغارقًا في حطامه الشخصي.

وقال (ليتش) واصفًا مرحلة الوفاة النفسية: “يبدو -لفترة وجيزة- وكأن مرحلة العقل الفارغ قد انتهت، وحل مكانها سلوك (موجه نحو الهدف)، ولكن المفارقة هي أن هذا الهدف هو التخلي عن الحياة”.

ليست الوفاة النفسية نهاية حتمية للإنسان الذي يواجه تلك المراحل، بل يمكن إنقاذه في أي من تلك المراحل إن تلقى الدعم والمساعدة المناسبين له.

هل الضغوط النفسية تسبب الموت؟

لا تخلو الحياة من الصعوبات والضغوطات والتحديات التي نواجهها يوميًا، وتختلف الاستجابة لتلك الضغوطات من شخص لآخر.

تسبب تلك الضغوط النفسية التوتر؛ وهو ما يؤدي إلى زيادة مستويات الكورتيزول والأدرينالين في الجسم.

وعادة ما يكون التوتر محفزًا؛ إذ يدفعك لإتمام عملك في الوقت المحدد، ولكن قد يسيطر التوتر على بعض الأشخاص،
ويؤثر سلبًا في قدرتهم على مواصلة أعمالهم.

ولذا فإن تعرضك للضغوط النفسية على المدى الطويل ليست أمرًا جيدًا؛ بل تؤثر في صحتك النفسية والجسدية.

وللإجابة عن هذا السؤال: “هل الضغوط النفسية تسبب الموت؟!”.

لا تسبب الضغوط النفسية الموت بشكل مباشر، ولكن التعرض المستمر والمتواصل لتلك الضغوط يحفز إنتاج الكثير من الكورتيزول، وهو ما قد يؤدي إلى الوفاة مع مرور الوقت.

عادة ما يعاني الأشخاص الذين يواجهون الكثير من الضغوطات اليومية مشكلات في القلب أو الأوعية الدموية، التي تهدد حياتهم.

ولذا كن حذرًا، وانتبه للعلامات التي تنذرك بأنك تواجه مشكلة مع تلك الضغوطات التي تواجهها؛ كي تتمكن من السيطرة عليها، أو تخفيف حدتها.

أعراض الحالة النفسية

تشمل أعراض الحالة النفسية التي تنذرك أنك تواجه مشكلة مع التوتر:

  • الصداع.
  • آلامًا جسدية.
  • ألمًا في الصدر.
  • مشكلات في الجهاز الهضمي، مثل: عسر الهضم أو الإسهال.
  • صعوبة في التركيز.
  • صعوبة في اتخاذ القرارات.
  • العصبية.
  • الاكتئاب.
  • صعوبات في النوم.

وقد يلجأ بعض الأشخاص إلى التدخين أو تعاطي المواد المخدرة؛ رغبةً في تحسين حالتهم المزاجية،
ولكن من المرجح أن تتفاقم حالتهم النفسية سوءًا.

هل الاكتئاب يسبب الموت؟

تزخر الحياة بالنجاحات والإخفاقات، ولكن عندما يشعر الإنسان أن حياته ما هي إلا سلسلة من الفشل وعدم النجاح؛ فقد يؤدي ذلك إلى شعوره بالاكتئاب.

يعد الاكتئاب أحد الاضطرابات العقلية الخطيرة التي تهدد حياة المريض إن تجاهل التشخيص والعلاج.

فقد يعاني مريض الاكتئاب أفكارًا انتحارية، وقد يصل الأمر إلى محاولات الانتحار وإيذاء النفس.

وللإجابة عن هذا السؤال: “هل الاكتئاب يسبب الموت؟!”.

نعم، قد يسبب الاكتئاب الموت إذا تجاهل المريض التشخيص والعلاج؛ ولذا كن حذرًا وراقب تلك العلامات التي تشير إلى الإصابة بالاكتئاب.

فإذا شعرت بالحزن والإحباط بشكل متواصل مدة تزيد عن أسبوعين، وفقدت اهتمامك بأداء المهام اليومية،
وفقدت شغفك بالأشياء التي لطالما استمتعت بأدائها؛ فلا تتردد في الاتصال بالطبيب.

تحدث الوفاة النفسية عندما يشعر الإنسان بالاستسلام؛ فهو يرى أن الحياة قد هزمته، وأنه لم يعد قادرًا على تحمل المزيد من المواجهات في حياته.

فهو -ببساطة- يتخلى عن الحياة… لأنه لم يعد يبالي بها.

المصدر
People can die from giving up the fightStress Can’t Actually Kill You — but How You Deal (or Don’t) MattersCan Depression Kill You?
اظهر المزيد

د. أمل فوزي

أمل فوزي، صيدلانية، أعمل في الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية. أعشق الكتابة، وأجيد البحث، أستمتع بكتابة المقالات الطبية بأسلوب سلس وبسيط، هدفي الارتقاء بمستوى المحتوى الطبي العربي، ونشر العلم من مصادره الموثوقة لينتفع به القارئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى