ترياق الحياة الصحيةمفاهيم ومدارك

اليقظة الذهنية – Mindfulness | إجازة تمنحها لعقلك!

تتزاحم المشاعر والأفكار في ذهنك، وتعاودك الذكريات باستمرار، وتظل طوال الوقت ما بين التفكير في الماضي وتحليله، أو القلق على المستقبل والاستعداد له، مما يصعب تركيزك على الوقت الحالي، ويفوت عليك الاستمتاع بحياتك. 

اليقظة الذهنية تساعدك في التركيز على مشاعرك وأفكارك، وتمكنك من الوعي بشكل أكبر بما يحدث في حياتك الآن. 

سنتعرف سويًا إلى اليقظة الذهنية، وكيفية تطبيقها، ومدى تأثيرها على حياتك. 

ما هي اليقظة الذهنية Mindfulness؟ 

ما هي اليقظة الذهنية

اليقظةُ الذهنية -تسمى أيضًا بـ “اليقظة العقلية” و”الوعي الذاتي”- هي نوع من أنواع التأمل Meditation، ويقصد بها قدرتك على الوصول إلى حالة ذهنية يكون تركيزك فيها منصب بأكمله على الوقت الحالي، وما فيه من أحداث، وما يدور في داخلك من أفكار ومشاعر، متقبلًا لها دون أي أحكام.

تتضمن اليقظة الذهنية مفهومين رئيسين، هما:

  • الوعي Awareness: هو إدراكك لمشاعرك وأفكارك وإقرارك بها، بدلًا من تجنبها والهرب منها، ووعيك بما يدور حولك في الوقت الحالي. 
  • التقبل Acceptance: تقبلك هذه المشاعر والأفكار، واستمتاعك بالإيجابي منها، ومسامحة نفسك، وتركك للسلبيّ يرحل، دون أن تحاكم نفسك. 

أهمية اليقظة الذهنية

على الرغم من صعوبة قياس أثر اليقظة الذهنية، إلا أن الدراسات أثبتت تأثيرها الإيجابي على الصحة النفسية والجسدية. 

ولم تعد اليقظة الذهنية مقتصرة على التأمل فقط، بل أصبحت وسيلة علاجية يستخدمها المتخصصون في علاج بعض الأمراض؛ ومن فوائدها:

  • اليقظة الذهنية والقلق: 

زيادة وعيك الذاتي بمشاعرك وأفكارك، وتركيزك مع الوقت الحالي يؤديان إلى اكتسابك قدرة على الصمود أمام أسباب التوتر والتقليل من مشاعر القلق. 

  •  تحسن حياة الفرد: 

اليقظة الذهنية تساعدك على الاستمتاع بحياتك، والمشاركة بشكل فعال في الأنشطة المختلفة، وتزيد أيضًا من قدرتك على تحمل الجوانب السلبية، والتعامل معها بذهن صافٍ، وتحقق لك الهدوء النفسي. 

اقرأ أكثر: الهدوء النفسي… استراحة محارب

  • اليقظة الذهنية وصحتك الجسدية: 

قد يزيد التنبه الذهني – إلى جانب مساعدته في التخفيف من التوتر- من القدرة على تحمل الآلام المزمنة. 

كما تقترح الدراسات أن اليقظة الذهنية لها تأثير في بعض الأمراض؛ مثل: خفض ضغط الدم المرتفع، وتخفيف أعراض الجهاز الهضمي والقولون العصبي، وبالتالي يمكن استخدامها -إلى جانب العلاج الأساسي- في علاج هذه الأمراض. 

  • تحسن الحالة النفسية: 

تستخدم تقنيات اليقظة الذهنية في علاج بعض الاضطرابات النفسية، مثل: الاكتئاب، واضطراب الوسواس القهري (Obsessive Compulsive Disorder)، والإدمان، واضطرابات القلق والتوتر، واضطرابات الأكل، والأرق. 

كما يكثر استخدامها مع العلاج المعرفي السلوكي (Cognitive behavioral therapy)، لما يتفقان فيه من تغيير منظور الشخص نحو الأفكار والمشاعر السلبية. 

  • اليقظة الذهنية والقدرة العقلية: 

يُعتقد أن ممارسة هذا النوع من التأمل قد يزيد من كفاءة المخ، وقدرتك على التركيز والانتباه، ويقوي الذاكرة. 

  • قد تساعدك اليقظة الذهنية في التخلص من العادات السلبية:

مثل التدخين والأكل غير الصحي، حيث تمكن الفرد من السيطرة على نفسه وعلى الدافع وراء هذا السلوك. 

  • اليقظة الذهنية والعلاقات الاجتماعية: 

فأنت تصبح موجودًا – قلبًا وقالبًا- في علاقاتك، ومتمكنًا بشكل أكبر من التعبير عن مشاعرك والتعاطف مع من حولك، وأقل توترًا وأصفى ذهنًا، ومستمتعًا بلحظات تواجدك مع من تحب. 

مع ما أثبت من ايجابيات؛ ما زالت اليقظة الذهنية محلًا للأبحاث والدراسات؛ للتأكد من فعاليتها. 

من يمارس اليقظة الذهنية؟ 

تناسب اليقظة الذهنية أي شخص، لكنك قد تحتاج إلى ممارستها إذا كنت تعاني من:

  • التوتر الزائد 
  • القلق أو الاكتئاب 
  • عدم التعاطف مع ذاتك
  • التشتت وعدم القدرة على التركيز
  • مشكلات في علاقاتك مع الآخرين
  • تركيزك على الأمور والمشاعر السلبية في حياتك

تدريبات اليقظة الذهنية

الوعي الذاتي لا يتطلب وجود مهارات اليقظة الذهنية لدى الفرد، أو أي استعدادات مسبقة، لكن توجد أساسيات لها؛ وهي:

  • التركيز مع تنفسك: ومراقبة أنفاسك في أثناء دخولها وخروجها، والإحساس بامتلاء الرئتين بالهواء، وجعل تنفسك نقطة ارتكاز يعيدك إلى اليقظة الذهنية إذا تشتت ذهنك في أثناء التأمل
  • إشراك حواسك: والانتباه لكل ما هو حولك والاستمتاع به. 
  • التركيز التام مع اللحظة الحالية: وعدم التفكير في الماضي أو المستقبل، وترك الأفكار تمر في ذهنك دون الحكم عليها.
  • إقرار مشاعرك وتسميتها: والاستمتاع بـالإيجابي منها.

قد تكون تمارين اليقظة الذهنية منظمة وتحتاج إلى تخصيص وقت محدد لها كل يوم، وقد تمارسها خلال حياتك اليومية في أثناء ممارستك أي نشاط (سنتحدث عنه لاحقًا)، ومن هذه التمارين:

  • جلسة التأمل: اجلس وظهرك مستقيمًا -على كرسي أو على الأرض-، ومن الممكن أن تغمض عينيك، تنفس من أنفك، مع التركيز على دخول وخروج أنفاسك. 

انتبه إلى ما تشعر به -في جسمك والمحيط حولك- خلال الجلسة. 

  • تأمل المشي: اختر مكانًا هادئًا، وامش ببطء وأنت تركز انتباهك على تنفسك، وعلى جسمك وحركاته الدقيقة التي تحافظ على توازنك، حافظ على وعيك بأحاسيسك طوال التجربة واستمتع بها. 

اليقظة الذهنية وحياتك اليومية

يمكنك القيام باليقظة الذهنية خلال نشاطاتك اليومية (مثل: تناول الطعام، والمشي، وترتيب المنزل، واللعب مع الأطفال، وقيادة السيارة وغيرها)، دون الحاجة لتخصيص وقت محدد لها. 

الخطوات التالية ستساعدك في تحقيق ذلك:

  • التركيز مع جسمك وما تشعر به. 
  • ملاحظة تنفسك: تنفس من أنفك وراقب أنفاسك في أثناء الشهيق والزفير، وحركة منطقة البطن في أثناء ذلك. 
  • واصل أداء المهمة أو النشاط ببطء وانتباه تام لما تقوم به، مع الاستمتاع بكل لحظة. 
  • استخدم حواسك لتعزيز إحساسك بهذه اللحظة؛ على سبيل المثال: 

في حالة تناول الطعام استمتع بطعم الأكل ورائحته، وفي أثناء المشي استمتع برؤية ما حولك، وفي حالة اللعب مع أولادك أو أحفادك استشعر السعادة في صوت ضحكاتهم وأحضانهم… 

الخلاصة هي أن تصب كامل تركيزك على ما تحس به خلال النشاط، وألا تنشغل بالتفكير في الأحداث السابقة أو اللاحقة. 

  • إذا شرد ذهنك لأي سبب، أعد انتباهك إلى اللحظة الحالية بما فيها من مشاعر وأحاسيس، وركز مع تنفسك مرة أخرى حتى تستعيد صفاء ذهنك وتركيزك. 

القرار لك في تحديد المدة التي تمارس فيها اليقظة الذهنية، لكن الانتظام في ممارستها حتى ولو لدقائق معدودة خلال اليوم له أثر بالغ ستلاحظه بعد فترة من الممارسة. 

في البداية قد تجد صعوبة في تطبيق اليقظة الذهنية، وما تستلزمه من مراقبة حركات تنفسك، والتركيز الكامل مع الوقت الحالي وعدم الانجراف مع مشاعرك وأفكارك عن الماضي أو المستقبل. 

هل هناك آثار سلبية لممارسة اليقظة الذهنية؟ 

أثبتت الدراسات أن وجود ايجابيات لليقظة الذهنية لا ينفي بعض السلبيات التي قد تحدث نتيجة ممارستها؛ ومنها زيادة أعراض التوتر والقلق والاكتئاب. 

وقد رُجِّح أن يكون ذلك بسبب طول مدة التأمل أو خلل في تطبيق التقنية، وما نتج عنه من ضغط عليك بسبب التركيز الشديد مع ذاتك، لذلك يفضل -في البداية- أن:

  • تُمارَس لوقت قصير، مع زيادته تدريجيًا. 
  • أن تُمارس تحت إشراف متخصص بدلًا من التأمل الفردي أو مع مجموعة تأمل لا تتضمن متخصصًا. 
  • في حالة استخدامها لعلاج مرض أو اضطراب ما؛ يكون ذلك تحت إشراف الطبيب وأن تستخدم إلى جانب العلاجات التقليدية. 
  • استشارة متخصص في حالة معاناتك أي أعراض سلبية. 

الهدف الأساسي من اليقظة الذهنية هو انتباهك التام لما يحدث حولك، وما بداخلك من مشاعر وأفكار وأحاسيس، في اللحظة الحالية، والاستمتاع بالإيجابي منها وترك السلبي يمر دون أحكام، مع عدم الانجراف في الماضي أو توقع المستقبل. 

ممارستك لها ولو لدقائق معدودة خلال يومك، قد تساعدك في تقليل توترك، وفهم نفسك، والاستمتاع بحياتك. 

المصدر
Benefits of MindfulnessWhat Is Mindfulness Meditation?Mindfulness exercisesMindfulnessWhat does science say about the effects of meditation?Mindfulness
اظهر المزيد

د. أروى صبحي

صیدلانیة وباحثة. لدیها شغف دائم للبحث وفهم كل ما حولها؛ خاصة فیما یتعلق بجسم الإنسان. أشعر بالرضا عند تبسیط العلوم للغیر، ووجدت في الكتابة وسیلة لمساعدة الآخرین في الاستمتاع بالمعرفة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق