علماء ومشاهير

انتحار المشاهير | خذوا شهرتي وامنحوني السعادة!

“سامحوني… الحياة لم تعد تُحتمل!”

كانت هذه آخر كلمات المغنية الإيطالية المصرية (داليدا) التي أقدمت على الانتحار عام 1987 بتناولها جرعة زائدة من الأقراص المهدئة. 

يصعب علينا فهم كيف أن شخصًا ما قرر في لحظة إنهاء حياته، حياته التي هي أغلى ما يملك!

ولكننا نتعجب أشد العجب من شخص ثري وناجح ومشهور قرر الانتحار، في حين أن كل شيء كان يسير لصالحه… 

أو هكذا نعتقد!   

في هذا المقال، سنتناول ظاهرة “انتحار المشاهير”، وأهم أسبابها.

هل هناك علاقة بين الأمراض النفسية والانتحار؟

يعاني العديد من مرضى الأمراض العقلية -مثل الاكتئاب والفصام والاضطراب ثنائي القطب- ميولًا انتحارية، إلا أنها ليست عامة لهذه الحالات.

وفقًا لتقرير بحثي شهير نشر عام 2004، فهناك عدد لا يحصى من الظروف والأسباب التي تجعل شخصًا ما يرغب في الانتحار، ولا يلزم أن يكون السبب مشكلة تتعلق بالصحة العقلية. 

فالشخص الذي لا يعاني مشاكل عقلية قد يكون انتحاريًا، تمامًا كما قد لا يكون مكتئبًا أو متوترًا عقليًا.

كل هذا لا يعني أن مشاكل الصحة العقلية ليس لها تأثير على الأفكار الانتحارية؛ فالاكتئاب هو السبب الأكثر شيوعًا للانتحار، بنسبة 90٪ تقريبًا. 

كذلك فإن الفصام، والقلق الشديد، واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، وتعاطي المخدرات، واضطرابات الشخصية هي اضطرابات أخرى يمكن أن تؤدي إلى الانتحار.

لكن العامل الوحيد الذي يدعي هذا التقرير أنه مشترك بين جميع ضحايا الانتحار هو أن كلهم عانوا ألمًا نفسيًا شديدًا – بغض النظر عن مصدر هذا الألم. 

وعرفت الدراسة مفهوم الانتحار بأنه رد فعل متطرف على الألم العاطفي الذي لا يطاق والذي لا نهاية له والذي لا مفر منه، فهو الحل الأبدي -من وجهة نظر المنتحرين- لكل مشكلاتهم.

وخلصت الدراسة إلى أن الانتحار هو (الملاذ الأخير) المعقول في أذهان الانتحاريين -الذين يعتقدون أنهم جربوا كل الحلول الأخرى.

يمكنك التعرف على مشاهير انتحروا بسبب الاكتئاب، من هنا.

كيف يمكن فهم الانتحار؟

كيف يمكن فهم الانتحار؟

يلجأ بعض الأشخاص الذين يعانون من مشاكل عقلية إلى قمع الألم أو التوتر العاطفي، بدلًا من مواجهته أو قبوله. 

تؤدي استراتيجية التجنب تلك إلى فقد السيطرة وانعدام الثقة؛ وهو ما يجعلهم يتخذون إجراءات متطرفة لإخفاء هذا الضغط العاطفي أو قمعه. 

ووفقًا للدراسة أيضًا، فإن الانتحار هو أحد أساليب التأقلم المتعددة لهؤلاء الأفراد، التي تشمل: تعاطي المخدرات أو الكحوليات، وإيذاء النفس واضطرابات الأكل.

انتحار المشاهير – كيف وهؤلاء بلا مشاكل؟!

في الآونة الأخيرة، زادت أخبار انتحار المشاهير في وسائل الإعلام، حتى صار أمرًا مألوفًا لأسماعنا.

مع الاستخدام المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي في الوقت الحاضر، يمكننا الحصول على لمحة عن حياة نجومنا المفضلين من خلال تغريداتهم وصورهم ومنشوراتهم.

ومع أننا نشعر بالألفة مع ما يبدو لنا من حياة هؤلاء المشاهير من خلال متابعة صفحاتهم الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أنه شعور زائف! 

ذلك أن حسابات وسائل التواصل الاجتماعي لا تعرض إلا اللحظات الرائعة في الحياة، وليس الأحداث الصعبة ولا ما وراء الكواليس.

وكذلك يفعلون!

لذا، في المرة القادمة، وعند سماعك خبر انتحار أحد المشاهير، لا تنس أنه كأي إنسان كان يمر بلحظات سعيدة وأخرى كئيبة.

إنهم يواجهون نفس المعاناة التي نواجهها، وقد يشعرهم تسليط الضوء عليهم دائما بالحاجة إلى أوقات يكونون فيها على طبيعتهم دون تكلف أو عناء.

غالبًا ما يكون للمشاهير جداول أعمال مزدحمة، وقد يشعرهم هذا بأنه ليس لديهم الوقت الكافي لرعاية أنفسهم.

وأيضًا يصبحون أكثر عرضة للقلق والاكتئاب؛ بسبب العزلة والشعور بالحاجة إلى تلبية توقعات غير معقولة من الجمهور.

هل حقًّا لديهم كل شيء؟

لا يرى الجمهور سوى القليل جدًا من الحياة الحقيقية للمشاهير، خاصة المصاب منهم بالاكتئاب إذ يفضل إخفاء آلامه وانكساراته وإظهار الجانب المشرق من حياته فقط.

ولذا؛ ينظر الناس إلى انتحار المشاهير نظرة دهشة:

“كيف لأولئك الذين امتلكوا الثروة والشهرة أن يقرروا إنهاء حياتهم السعيدة تلك؟!”

“لماذا أرادوا الانتحار، بينما كان لديهم (كل شيء)؟!”

ولكن، هل حقًّا يمتلك المشاهير كل شيء؟

وما هو مفهوم السعادة؟

هل حقًّا لديهم كل شيء؟

وفقًا للتسلسل الهرمي للاحتياجات لعالم النفس الأمريكي ماسلو Maslow’s hierarchy of ،needs تُقسم احتياجات الإنسان إلى خمسة مستويات، يمنح إشباعها الدافع للتصرف بطريقة معينة، فيما يُعرف بـ “نظريّة الدافع البشري”.

وهذه المستويات هي:

المستوى الأساسي هو البقاء على قيد الحياة مع الاحتياجات الفسيولوجية أو المادية، يليه احتياجات السلامة، ثم احتياجات المودة، ثم احتياجات التقدير، وأخيرًا مستوى احتياجات تحقيق الذات.

وإذا طبقنا ذلك على ظاهرة “انتحار المشاهير”، نجد أن معظم المشاهير المنتحرين كانوا قد تجاوزوا قاع “هرم ماسلو” ووصلوا إلى قمته، حيث مستوى (التقدير) أو مستوى (تحقيق الذات).

لذلك، فسعي هؤلاء لتحقيق ذواتهم للوصول إلى السعادة محفوف بكثير من الإحباط والعزلة.

تلك إحدى النظريات المهمة المفسرة لظاهرة “انتحار المشاهير”.

انتحار (روبن ويليامز)

يعد الممثل الكوميدي روبن ويليامز أحد أشهر المنتحرين في التاريخ!

ليس هذا فحسب، ولكنه أيضًا أحد أكثر حالات الانتحار حيرة؛ إذ ترك فقدان (ويليامز) -المعروف بشخصيته المضحكة والطيبة- أثرًا كبيرًا هوليوود.

كافح (ويليامز) طوال حياته أيضًا إدمان المخدرات والكحول، بالإضافة إلى الاكتئاب الشديد.

وفي 11 أغسطس عام 2014 -وبعد فترة زمنية عصيبة على الصعيدين الشخصي والمهني- عثر على (ويليامز) مشنوقًا في منزله بكاليفورنيا!

كشفت زوجته -لاحقًا- أن (ويليامز) كان يصارع اكتئابًا حادًا في الآونة الأخيرة، بالإضافة إلى إصابته بمرض باركنسون.

انتحار (سيلفيا بلاث)

تعد الكاتبة والروائية الأمريكية سيلفيا بلاث واحدة من أشهر الكتاب الذين انتحروا على مر التاريخ، وقد انتحرت بعد صراع مرير مع الاكتئاب.

في صباح 11 فبراير 1963، عثر عليها ميتة ورأسها في فرن الغاز الخاص بها، إثر تسممها بأول أكسيد الكربون. 

كانت (بلاث) تتخذ من كلماتها سلاحها ضد الحزن، فبالكلمات -فقط- تغلبت على وفاة والدها وخيانة زوجها.

كتبت في يومياتها: 

“أريد أن أقتل نفسي، وأن أهرب من المسؤولية، وأن أعود إلى رحم أمي.”

 تشير مذكراتها وقصائدها إلى أنها كانت عُصابية، ولم تكن قادرة على التكيف مع الواقع. 

مشاهير انتحروا بسبب التنمر

تتزايد الدعوات لمواجهة “التنمر الإلكتروني” بعد أنباء عن انتحار أحد المشاهير إثر تعليقات مسيئة وجهت له. إن الإجماع العام هو أن المنشورات ساهمت بشكل كبير في قرارهم بالانتحار.

يتحدث أحد الممثلين المشهورين عن خطورة التنمر الإلكتروني، فيقول:

“كيف تتوقع أن نتعامل مع الجماهير الذين يهينونك ويقولون إنهم يكرهونك كل يوم؟!” 

وأضاف: “حتى منشور خبيث واحد يشغل تفكيرك طول اليوم؟!”

ومنذ عام 2000 إلى الآن، انتحر أكثر من خمسين فنانًا -على مستوى العالم- نتيجة للتنمر! 

كانت أسباب الانتحار في الماضي تستند -غالبًا- إلى الصعوبات العامة للحياة، لكن، ومع التطور التكنولوجي؛ أصبحت الآثار الضارة للرسائل عبر الإنترنت أحد العوامل الرئيسة له. 

ولتتعرف أكثر إلى خطورة “التنمر الإلكتروني”، يرجى قراءة هذا المقال.

في كل مرة تسمع فيها نبأ عن ممثلين ماتوا منتحرين، تعلم أن النجاح لا يمنع أي شخص من الشعور بعدم الرضا أو التعاسة.

على الرغم من كون مثل هذه الأخبار مروعة ومفجعة للقلب، إلا أنها بمثابة تذكير مهم بأنه حتى لو اعتقدت أنك تعرف كل شيء عن شخص ما، فتحت السطح أسرار كثيرة قد تقلب حياته رأسًا على عقب!

المصدر
Understanding celebrity suicides: Tackling depression and lonelinessHappiness: 6 Myths and TruthsSuicide Warning Signs: What to Watch for and DoRecognizing Suicidal BehaviorWhy Do People Commit Suicide?
اظهر المزيد

د. محمود الرزاز

محمود الرزاز، صيدلي اكلينيكي، و أخصائي معلومات طبية، استمتع بالبحث عن الدليل العلمي، ومهتم بوصول المعلومات الطبية الحديثة للقاريء بلغة بسيطة و مفهومة، في ظل فوضى انتشار المعلومات غير الدقيقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق