ترياق الأمراض النفسية

بقع من الحبر.. تكشف لك حقيقة نفسك!

تخيل نفسك تجلس على كرسي وأمامك عشر ورقات بيضاء مرسوم عليها صور باستخدام بقع الحبر، بعضها باللون الأسود وبعضها الآخر بالألوان، ومطلوب منك أن تخبرنا ماذا ترى، حتى نستطيع تحديد سماتك وصفاتك الشخصية ونكشف لك حقيقة نفسك!

هل تود أن تجرب؟ 

هل تود معرفة إن كنت تعاني مرضًا نفسيًّا أم لا؟ 

وأخيرًا، هل تعتقد أن بقعًا من الحبر من الممكن أن تكون أداة تشخيص لمرض نفسي؟

الإجابة عن كل تلك الأسئلة في هذا الترياق…

اختبار بقع الحبر.. “هرمان رورشاخ” 

دعونا أولًا نتعرف إلى مبتكر تقنية تشخيص الأمراض النفسية والعقلية ببقع الحبر؛ هيرمان رورشاخ (Hermann Rorschach). 

ولد “رورشاخ” في الثامن من نوفمبر عام 1884م في مدينة (زيورخ) بسويسرا، والتحق بكلية الطب بجامعة زيورخ السويسرية، وتخرج فيها عام 1912م.

كان “رورشاخ” طبيبًا ومحللًا نفسيًّا مولعًا بالفن، وخصوصًا فكرة الرسم على الأوراق بالحبر، وساعدته تلك الهواية على ابتكار طريقة تشخيصية جديدة باستخدام بقع الحبر على الورق؛ لقياس أبعاد الشخصية لدى المرضى ومعرفة قدراتهم العقلية والإدراكية.

عُرفت طريقته فيما بعد باسم اختبار رورشاخ، الذي ظل يستخدم حتى سبعينات القرن الماضي، إلى أن قُنن استخدامه في الطب النفسي نظرًا لتطور طرق التشخيص والعلاج.

لكن قبل كل ذلك، كيف بدأت فكرة التشخيص عبر بقع الحبر؟! 

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

دعنا -عزيزي القارئ- نبحر معك في بدايات تلك الفكرة…

يعد اختبار رورشاخ نوعًا من “الاختبارات النفسية الإسقاطية” الذي ابتكر في عام 1921م ليكون أداة تشخيص وتقييم للشخصية عامة، والإدراك والأداء الانفعالي خاصة؛ للتمييز بين إذا ما كنت تعاني مشكلة عقلية ونفسية أم لا، وذلك عن طريق رؤية المريض -أو الذي يُجرى عليه الفحص- لصور تحوي بقعًا من الحبر.

 لكن، من أين أتت الفكرة إلى رورشاخ؟!

منذ صغره، أعجب رورشاخ بفن كليكسوغرافيا (Klecksography) أو ما يعرف بـ “فن صناعة الصور بواسطة الحبر”، واهتم رورشاخ بالعلاقة بين الفن والتحليل النفسي، حتى أنه قبل اعتماد طريقته نشر أوراقًا تحلل الأعمال النفسية للمرضى العقليين؛ مشيرًا إلى أنه يمكن تشخيص حالتهم النفسية والعقلية من خلال ما ينتجونه من صور، الأمر الذي دفعه إلى تطوير تلك العملية إلى ما نعرفه اليوم.

طور “رورشاخ” من تقنياته ومقارنته لتحليلاته بعد دراسة أكثر من أربعمائة (400) موضوع، وتحليل الملفات الخاصة لأكثر من ثلاثمائة (300) مريض عقلي. 

وبعدها قدم كتابه الصادر باسم التشخيص النفسي (Psychodiagnostik) عام 1921م، واختار عشر صور تحمل بقع الحبر على أنها ذات قيمة تشخيصية عالية الدقة.

لم يكن هدف الكتاب هو تحليل شخصية الفرد وقدراته الإدراكية فقط، لكنه كان يهدف كذلك إلى تشخيص مرضى انفصام الشخصية.

لم يلقَ الكتاب في البداية النجاح المرجو، إلى جانب أن “رورشاخ” توفي فجأة في العام الذي يليه، عن عمر يناهز 37 عامًا -أي بعد عام واحد فقط من النشر-، ومع ذلك فإن طريقته طوِّرت واستُخدمت على نطاق واسع في الولايات المتحدة الأمريكية حتى ستينات القرن الماضي.

آلية عمل اختبار رورشاخ (اختبار بقع الحبر) 

لمعرفة كيفية عمل “اختبار رورشاخ”، لا بد أن نفهم مكوناته وكيف يدار من الأساس. 

دعني -عزيزي القارئ- أطلعك على آلية العمل في السطور الآتية: 

  • يتكون اختبار رورشاخ من عشر صور تحمل بقعًا من الحبر، بعضها يحمل اللون الأسود، وبعضها يحمل اللون الأسود والأحمر، وهناك صور أخرى تحمل ألوانًا متعددة، وجميعها على خلفية بيضاء.
  • يعرض عالم النفس -أو الطبيب النفسي المختص- على الشخص المتقدم للفحص الصور بالتتابع، وتكون مدة عرض كل صورة عشر (10) ثوان، ثم يسأله سؤالًا محددًا في أثناء العرض: «ماذا ترى في تلك الصورة؟» 
  • في أثناء عرض الصورة، يسمح للمتقدم للاختبار برؤية الصورة بالشكل الذي يريده وفي أي وضع.
  • المتقدم للفحص حر تمامًا في وصف الصورة كما يراها، دون أي قيود أو إجابات محددة مسبقًا.
  • يمكن للمتقدم للاختبار أن يقول إجابة واحدة، أو عدة إجابات، أو لا شيء على الإطلاق.
  • بمجرد تقديم الإجابة سيطرح الطبيب المختص أسئلة إضافية للحصول على مزيد من التفاصيل حول الانطباعات الأولية للمريض أو المتقدم للاختبار.
  • تسجل ردود الفعل حول متغيرات الصورة وكيفية رؤية المريض -أو المتقدم للاختبار- لها، وتكتب جميع الملحوظات وتوضع في ملف خاص به.

كيف تفسر بقع الحبر؟ هل هناك إجابات نموذجية؟ 

المحتوى الفعلي للإجابات هو شيء واحد، ولكن هناك عوامل أخرى ضرورية أيضًا. وبعض الأشياء التي يبحث عنها المترجمون للاختبار تشمل:

  • كيف يصف المتقدم للاختبار الصورة؟
  • كم من الوقت يستغرق قبل الرد؟
  • تحديد العوامل المسببة للإجابة، مثل: اللون، والموقع، والشكل، والظل.
  • نمطية -أو تفرد- الردود والإجابات: 

فهناك إجابات متكررة ومعروفة، لكن الإجابة برد مختلف قد تعني استجابة جديرة بالاهتمام والملاحظة، أو قد تعني اضطرابًا في نمط الإدراك والتفكير.

تفسير بقع الحبر.. هل اللون أداة تشخيص؟

إذا نظرت إلى الصور أو البطاقات باللون الأبيض والأسود ستجد إجابات معظم المشاركين تحمل كلمة أو صفة متكررة، مثل: خفاش أو فراشة أو حشرة العث…؛ وهي استجابة شائعة عند معظم البشر وذات دلالة على سلامة الصحة العقلية، وما غيرها يستدعي التسجيل والتحليل.

وإذا نظرت إلى الصور التي تحمل اللون الأحمر والأسود ستجد إجابات معظمهم تحمل كلمة أو صفة متكررة، مثل: دم أو إصابة أو خطر…؛ وهي استجابة شائعة عند أكثرهم، وتعني: الشعور بالخطر أو التهديد.

هذا إلى جانب تفسيرات أخرى طبقًا لاختيار المتقدم للاختبار، توضح بشدة مدى إدراكه وقدراته العقلية ونظرته إلى العالم من حوله، وهذا بالضبط هو الهدف الرئيس من “اختبار رورشاخ”؛ الاعتماد على الحواس الخارجية -وخاصة العين- لتحليل رؤية الفرد للعالم الخارجي وكيف يتعامل معه.

ختامًا…

تكمن قيمة “اختبار رورشاخ” في استخدامه مقياسًا لاضطراب الفكر في أبحاث الفصام، لكن مع تطور أساليب العلم والطب النفسي الحديث لم يعد يعتد به مقياسًا رئيسًا للأمراض العقلية الخطرة، إلا أنه يمكن استخدامه مقياسًا روتينيًّا للذكاء ومشكلات اضطراب التفكير.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى