نظريات

بين الكورونا والأنفلونزا الأسبانية| ماذا تغير؟

مئة عام مرت على أكبر كارثة فيروسية في التاريخ!

يبدو لك الأمر -عزيزي القارئ- غريبًا بعض الشيء، لكن في الحقيقة وباء كورونا الجديد -الذي قضى على ما يقارب مليون شخص- ليس أسوأ كابوس للبشرية؛ بل هناك كابوس قديم نخاف أن يتكرر، كابوس مرعب قضى على ثلثي سكان العالم قديمًا!

دعنا في هذا الترياق نستعرض كارثة “فيروس الإنفلونزا الإسبانية”، ونبين أوجه التشابه والاختلاف بينها وبين كارثة فيروس كورونا…

تاريخ البشرية.. كوارث طبيعية لا تنتهي!

تاريخ البشرية حافل بالعديد من الكوارث الطبيعية، بدايةً من طواعين كبرى مثل الطاعون الأسود، والذي حصد -في الفترة بين 1346-1353م– ما يقارب 200 مليون شخص على مستوى العالم، وطاعون جستنيان الذي حصد في قارة أوروبا -في عام واحد فقط- ما يقارب 25 مليون ضحية.

ومن الطاعون مرورًا بكارثة فيروسية جديدة كليًا على البشر، وهي “وباء الإنفلونزا الإسبانية” الذي يخشى علماء وأطباء العالم أجمع أن تتكرر مأساته بطريقة مشابهة مع فيروس كورونا المستجد.

تُرى، ما هي قصة الإنفلونزا الإسبانية؟ وما أوجه التشابه والاختلاف بينها وبين فيروس كورونا؟

دعني أجِبك على سؤالك -عزيزي القارئ- في السطور التالية…

الإنفلونزا الإسبانية.. سر التسمية والخطر القائم!

على الرغم من تلك التسمية، إلا أن أولى حالات الإصابة والوفاة بالإنفلونزا الإسبانية حدثت في الدول التالية: المملكة المتحدة، فرنسا، الولايات المتحدة الأمريكية، وألمانيا. هذه الدول كانت أحد طرفي النزاع الرئيسي خلال الحرب العالمية الأولى، ولأن إسبانيا كانت دولة محايدة ولا تنتمي لأي طرف، فكان لصحافتها رأي خاص ومن دون رقابة صارمة، فنشرت خبر تفشي الوباء بين صفوف المحاربين على صحفها الأولى. ومن هنا، جاءت التسمية بالإنفلونزا الإسبانية، وذلك في عام 1918م.

سبب الإصابة بالإنفلونزا الإسبانية كان فيروس إنفلونزا حديث العهد من النوع (A)، ويُسمَّى “H1N1″، ويختلف من حيث الشكل والعائلة مقارنة بفيروس كورونا الجديد، لكن طُرق العدوى بينهما مشتركة، وهي من خلال الرذاذ المتطاير من الجهاز التنفسي أثناء العطس أو السعال.

استمرت الإنفلونزا الإسبانية لمدة عام ونصف على شكل ثلاث موجات كاملة، قُسِّمَت طبقًا لمركز السيطرة والوقاية من الأمراض كالتالي:

  • الموجة الأولى: بدأت في مارس لعام 1918م، بشكل مقارب لبداية موجة كورونا في نفس التوقيت من عام 2020م!
  • الموجة الثانية: وصلت لأوجها في فصل الخريف، وبالأخص في دولة الولايات المتحدة الأمريكية لعام 1918م.
  • الموجة الثالثة والأخيرة: في يناير من عام 1919م كانت قد وصلت حتى قارة أستراليا، وانطلقت من بعدها نحو أوروبا وبريطانيا، حتى انتهت تمامًا في صيف عام 1919م.

حصدت الإنفلونزا الإسبانية في طريقها ما يقارب 50 مليون نسمة، وخصوصًا سن الشباب ما بين 20-40 عامًا من سكان العالم، أي أن ما يعادل ثلثي التعداد كان في عداد الموتى! وهو بالطبع رقم كبير وخطير مقارنة بأرقام ضحايا فيروس كورونا الجديد، والذي وصل حتى وقتنا الحالى -طبقًا للإحصائيات- إلى مليون وثلاثمائة ألف فرد حسب آخر تقرير لمركز جونز هوبكنز للإحصائيات الخاصة بفيروس كورونا.

الأطباء أمام الإنفلونزا الإسبانية.. جنود من دون درع!

انتهت الحرب… وبدأت حرب أخرى… حرب من نوع جديد… مواجهة كارثة غير مرئية لكن نتائجها ملموسة ومخيفة… إنها مواجهة الموت بالاختناق!

تخيل أن تسقط أرضًا وأنفاسك تجاهد من أجل جلبها لداخلك، الأمر أشبه بالغرق عمدًا وكأن رئتاك غُمِرتا في مسبح كبير!

دعني أذكر لك -عزيزي القارئ- بعض كلمات الطبيب جون أندرسون -الضابط الصحي المسؤول عن بلدة سبوكاني بولاية فيلادلفيا الأمريكية- في مذكراته بشأن الإنفلونزا الإسبانية…

“امتلأت المستشفيات بالضحايا، ما يقارب 4000 حالة أكيدة مصابة بالإنفلونزا الجديدة، وما يزيد عن 100 حالة وفاة، كل ذلك حدث في ظرف شهر واحد فقط، لا يوجد عدد كافي من الأطباء أو الممرضين لمتابعة كل الحالات في العنابر!”.

الوضع  أصبح كارثيًا…

أُجبِر الجميع على ارتداء الكمامات طالما كانوا في الخارج، الكمامة لها طول محدد (5-6 إنشات)،  ومكونة من ست طبقات من الشاش المحكَم والمصنَّع بعناية.

وبالرغم من كل الإجراءات والاحتياطات المتخَذة، ارتفعت أعداد الضحايا إلى أحد عشر ألف حالة، في الفترة ما بين أكتوبر 1918 وحتى فبراير 1919م.

تلخصت أوامر الهيئات الصحية في تلك الفترة حول الآتي: 

  • إقامة محاجر صحية في كافة أنحاء البلاد.
  • غلق جميع المدارس وأماكن التجمعات.
  • حظر إقامة المناسبات الاجتماعية.

لاحظ الأطباء وقتها أن الفيروس ليس قادرًا على التكاثر فحسب داخل أجسام الضحايا؛ لكنه يسبب استجابة مناعية مفرطة تؤدي إلى الوفاة، ويُطلَق عليها حاليًا “عاصفة السيتوكين” أو “متلازمة إفراز السيتوكين”، ويصاحبها حدوث التهابات حادة وتجمع للسوائل في الرئتين. ولهذا السبب كان الشباب أكثر فئة معرضة للإصابة بتلك المتلازمة نظرًا لقوة جهازهم المناعي، وارتفعت نسبة الوفيات بينهم.

تلك كانت أوجه التشابه والاختلاف بين الإنفلونزا الإسبانية وفيروس كورونا الجديد على المستوى العام، تُرى ما هي الآثار الجانبية لهما على مستوى الصحة النفسية؟

مقارنة الآثار النفسية.. الإنفلونزا الإسبانية أمام فيروس كورونا…

من الواجب علينا الاعتراف بأن مواجهة الآثار الجانبية النفسية للوباء على الفِرق الطبية تُعَدُّ أمرًا مهمَلًا وثانويًا في حالة تعاملهم مع أنواع الخطر المهدِّد للحياة.

وعندما نقارن بين الإحصائيات البسيطة الخاصة بالصحة النفسية لضحايا الإنفلونزا الإسبانية أمام الإحصائيات الدقيقة والمحدثة يومًا بيوم لضحايا فيروس كورونا الجديد، نجد الأمر في غاية الصعوبة؛ فنحن لا نمتلك أدلة وتجارب كافية لوصف حال المصابين أو الأطباء المقاتلين لمثل هذا الوباء الخطير، ولكن دعنا نسرد لك بعض الأحداث والمشاعر التي عانوا منها في تلك الحقبة الزمنية الصعبة: 

  • كانت لطاقم التمريض في أستراليا أقوال مكتوبة ومسجلة في السجلات التاريخية نصَّت على شعورهم باليأس والعجز الإنساني الذي أصاب الأطباء المواجهين للمرض في الخطوط الأولى، بلا أي حول ولا قوة.
  • دراسة نرويجية أخرى أشارت إلى ارتفاع نسب الانتحار، وزيادتها نحو سبع مرات أكثر بعد انتشار عدوى الإنفلونزا الإسبانية مقارنة بالفترة التي كانت قبل ظهورها.
  • في أستراليا وغيرها من الدول، كان من الصعب على الأطباء التفرقة بين الأعراض النفسية (مثل: اضطراب ما بعد الصدمة، الصدمات النفسية، وحالات الهياج العصبي والهلع) التي أصابت المرضى؛ هل هي نتيجة للوباء العالمي، أم أنها نتيجة آثار الحرب العالمية الأولى وما حملتها معها من دمار وخراب؟!
  • العنف المنزلي والكساد العظيم الذي أصاب العالم بعد الوباء العالمي، نتيجة للفقر والحرب وضعف الإمكانيات.
  • الاكتئاب الحاد، نتيجة لفقدان الوظائف وقلة فرص العمل.

ويطول الحديث عن الأعراض النفسية، لكن تلك كانت أبرزها وأشدها تأثيرًا في البشرية جمعاء.

ختامًا…

لقد تعلمنا الكثير والكثير من الطبيعة الأم وعالم الفيروسات، لكن ومع كل ذلك العلم، ما زلنا ننتظر الأمل في غد جديد من دون وباء مميت!

وحتى تلك اللحظة، تذكَّر أن تحافظ على صحتك النفسية وتتعلم ثقافة التأقلم، وأن سنة الحياة هي التغيير المستمر…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق