ترياق الأمراض النفسية

تأثير الثقة المفرطة (overconfidence effect)

إنه صباح يوم جديد، وكل الأيام صارت متشابهة، فقد اقتربت امتحانات آخر العام، وما بقى عليها سوى أيام قليلة.

في تلك الأثناء، تبادرت إلى ذهني بعض الذكريات من زمن مضى، حين كنتُ طالبًا في الكلية.

أذكر صوت صديقي عندما كان يدعوني لاستذكار تلك المادة الثقيلة؛ فقد اعتدنا صعوبة اختباراتها. أذكر نظراتي إليه وتلك الابتسامة الواثقة، وصوت عقلي يقول: “لا تقلق، سيكون كل شيء على ما يرام!”

تمُرُّ الأيام والساعات، وما زلتُ أعتمد على تلك القدرات الواهية التي أقنع بها نفسي في تحصيل الدروس خلال سويعات قلائل قبيل الامتحان.

أذكر نفسي في داخل قاعة الامتحان، أنظر في ورقة الأسئلة فلا أستطيع حتى فهم السؤال، ثم أحصل -في النهاية- على درجة الرسوب.

يا لحماقتي حين كنتُ تحت تأثير الثقة المفرطة التي كانت في غير محلها! ويا ليت الأيام تعود، فأصلح ما فسد، ولكن هيهات!

نتحدث في هذا المقال عن أحد القضايا الشائكة التي تصيبنا جميعًا بشكل أو بآخر؛ نتحدث عن تأثير الثقة المفرطة، وأنواعها، وأسبابها،
وما تؤدي إليه.

مفهوم الثقة المفرطة

قيل في المثل الشعبي الشهير: “ما زاد عن الحد، انقلب إلى الضد”، وحقًا هو كذلك في كل جوانب الحياة، حتى في الثقة التي يُوصَى بها، لا يجب أن تزيد عن الحد، كي لا يقع ما لا يُحمَد عقباه.

وقبل الشروع في الحديث باستفاضة عن تأثير الثقة المفرطة، علينا -أولًا- معرفة ماهية الثقة وحقيقتها.

الثقة

الثقة هي الإيمان بالنفس وما لديها من قدرات للتمكن من تخطي أصعب المواقف بكل ثبات، وتحقيق النتائج المطلوبة بأقل الخسائر الممكنة.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

والثقة أمر تراكمي لا يُكتسَب بين يوم وليلة؛ بل يبدأ مع الإنسان منذ نعومة أظافره طفلًا في مهده، حينما يشاركه أبواه هذه الثقة في تعاملهما معه، حتى يصبح فردًا قادرًا على الإنتاج والسير بخطوات ثابتة نحو مستقبل باهر.

أنواع الثقة

هناك عدة أنواع من الثقة تقوم عليها ركائز الحياة جميعها، ونذكر أهمها فيما يأتي:

  • الثقة بالله

تعد الثقة بالله -تعالى- وإحسان الظن به أعلى مراتب الثقة التي تحصل بها على السعادة الحقيقة، وتخرج بها من الكربات والضيق إلى سعة نوره وبركاته.

وبحديثنا في هذا المقال عن تأثير الثقة المفرطة، فلا يصح أن نقول إن هناك ثقة مفرطة بالله تعالى، فكلما زادت الثقة بالله كانت في محلها، فهو سبحانه من يجب أن تكون الثقة فيه مطلقة لا حدود لها.

وننصح بقراءة مقال: حاجة الإنسان لعبادة إله – psychology of religion.

  • الثقة في النفس

تظل الثقة في النفس أحد أهم أنواع الثقة التي يجب أن يتحلى بها الفرد على مدار حياته، فبها تستطيع الوصول إلى ما تريد ومواجهة المخاطر وتخطي الصعاب، والتمتع بحياة يملؤها الاتزان النفسي.

ولكن اعلم أن هناك دائمًا شعرة بين الثقة بالنفس الطبيعية والثقة المفرطة التي تتمثل في الغرور، لذا يجب معرفة الفروق بينهما جيدًا لتجنب المشكلات.

  • الثقة في الآخرين

هي ثقة يجب أن تكون موجودة بين بني البشر على مستوى التعاملات الشخصية أو العامة، سواء العلاقات الخاصة أو التجارة أو غيرها من دروب الحياة العديدة.

ولكن الحذر كل الحذر من وضع هذه الثقة في غير محلها، وكذلك الحذر من الإفراط فيها، وإلا كان تأثير الثقة المفرطة في الآخرين لاذعًا،
لذا عليك ضبطها من أجل توازن العلاقات.

الثقة المفرطة

إذا نجحنا في بناء الهيكل الرئيس للثقة، وبلغنا منها الحد المطلوب الذي يدفعنا إلى النجاحات المتتالية، فإننا حينها نعاني
-مع شريحة كبيرة من الناس- أمرًا آخر، وهو الثقة المفرطة.

فالثقة المفرطة هي الإيمان الزائد عن الحد بالنفس، بما لا يتناسب مع حجم القدرات الحقيقية للفرد.

وبالتالي، يؤدي إلى الوقوع في مشكلات كبرى بسبب التهور والاندفاع، دون التفكير في العواقب، ودون الاستماع إلى نصيحة الناصحين.

ففي الثقة المفرطة، يعلو صوت (الأنا) ويطغى على صوت العقل والحكمة، ويلاحَظ تأثير الثقة المفرطة (overconfidence effect) عندما تكون ثقة الإنسان في قدراته الخاصة أكبر من أدائه الفعلي.

وقد أُسنِدت كثير من قصص الفشل -في العمل والحياة عمومًا، وكذلك حوادث السير المروعة التي تقع في أثناء قيادة السيارة المتهورة- إلى الثقة المفرطة.

وعلى الرغم من هذا، فإن الثقة المفرطة سلاح ذو حدين؛ إما لك، أو عليك؛ فالثقة المفرطة تعني المخاطرة ربما في موقف يحتاج
إلى التأني.

أنواع الثقة المفرطة (overconfidence effect)

هناك ثلاثة أنواع للثقة المفرطة، وهي:

  • الإفراط (overplacement)

شُرحت هذه الظاهرة فيما يسمى بتأثير داننغ كروجر، وقد فسرت أسباب اتخاذ السياسيين البارزين قرارات سيئة.

ويرتبط مفهوم الإفراط كنوع من الثقة المفرطة بنظرية تدور حول الأنا وحب الذات والنرجسية، إذ يُظهِر الأشخاص ذوو القدرات الضعيفة أعلى مستويات الإفراط في الثقة، وتفسير ذلك أنهم يفقدون الكفاءات الأساسية اللازمة للمقارنات الاجتماعية والتي تستخدم -أيضًا- للحكم الدقيق على الذات.

  • المبالغة في التقدير (overestimation)

يشير هذا النوع من الثقة المفرطة إلى عدم التوافق بين المهارات الحقيقية التي يمتلكها الفرد وتصوره الذاتي لهذه المهارة،
بحيث يعتقد الإنسان أنه أفضل مما هو عليه في الواقع، فتصبح هناك فجوة بين حكم الشخص على مهاراته الخاصة والواقع.

  • الدقة المفرطة (overprecision)

يشير هذا النوع إلى الدقة الزائدة لدى الشخص التي تتمثل في يقينه المبالغ فيه بأن عمله دقيق مائة بالمائة في حين أنه عكس ذلك؛
على سبيل المثال، ثقة الطالب المفرطة بأن إجابته صحيحة ولا يُحتَمَل خطؤها وهي في الحقيقة إجابة خاطئة.

قد يكون أحد تفسيرات هذا النوع من الثقة المفرطة الوضع الاجتماعي وقدرة الناس الكبيرة على التعبير عن إيمانهم بقدراتهم الخاصة
دون ضابط ولا رابط.

أسباب الثقة المفرطة

هناك العديد من الأسباب التي تؤدي إلى إصابة الفرد بالثقة المفرطة، بل وتزيد من تأثير الثقة المفرطة على المدى البعيد،
يدخل من ضمن هذه الأسباب التربية والثقافة والبيئة التي ينشأ فيها الفرد والتجارب الماضية التي مر بها.

قد تلعب -أيضًا- التحيزات المعرفية دورًا مهمًا في تشكيل شخصية وطريقة تفكير الإنسان وبالتالي إصابته بالثقة المفرطة.

ونذكر فيما يأتي بعض الأسباب العامة للثقة المفرطة، وهي:

  • وهم الثقة والتحكم

يقع الفرد تحت تأثير الثقة المفرطة بسبب ما يُدعَى “وهم الثقة”، أو “وهم التحكم”.

إذ يميل أولئك الأشخاص إلى التعامل مع الأمور كأنهم يملكون القدرات الخارقة على التحكم بها، في حين أنهم لا يملكون أية قدرات فعلية!

  • سوء التخطيط

أمر ربما وقع فيه أغلبنا، وهو من أهم أسباب تأثير الثقة المفرطة وأشهر مظاهرها.

فسوء التخطيط يؤدي إلى التقليل من شأن الأمور والأعمال، وإعطاء أدائها اهتمامًا ضئيلًا، مما ينعكس على مدة أدائها،
وقد يؤدي كذلك إلى التسويف.

  • المقارنة الخاطئة للنفس مع الآخرين

قد ترى شخصًا ذا قدرات ومهارات متعددة، وبدلًا من التعرف إلى الأسباب التي أدت إلى تميزه بتلك المهارات، فإنك تفضل مقارنة نفسك به للوصول إلى ما وصل إليه وفعل ما يستطيع فعله، دون المرور بكل ما مَرَّ من تجارب لبلوغ هذه المنزلة.

  • التفاؤل غير الواقعي

وهو ما يتمثل في رؤية الأمور بشكل وردي، والتفاؤل الدائم بإمكانية إنجاز المهمة بكفاءة عالية دون الاستعداد لها، ودون توفُّر القدرات اللازمة لإنجازها.

مثال لذلك: الطالب الذي يضع لنفسه نصف الساعة لإنهاء استذكار إحدى الدروس، وقد يحتاج الدرس -في الواقع- إلى أكثر
من هذه المدة كي يُحصَّل جيدًا؛ فهذا هو التفاؤل غير الواقعي، والذي يكون سببه في النهاية تأثير الثقة المفرطة.

أسباب الثقة المفرطة عند الأطفال

أما عن الثقة المفرطة عند الأطفال فلها عدة أسباب منها سبب بارز ومنتشر بكثرة لا نلتفت إليه كثيرًا، ألا وهو مديح الطفل المستمر
في الموضع الخطأ.

بالطبع لا غنى عن مدح الأطفال بالطريقة السليمة، فهذا يزيد من معدلات الثقة لديهم ويلعب دورًا مهمًا في بناء ما يعرف بعقلية
النمو، لكن تكمن الخطورة في مدح الطفل لمجرد مشاركته في حدث ما، ليس من أجل محتوى أدائهم الفعلي في هذا الحدث.

ومع مرور الوقت يتشكل في عقلية الطفل أنه يجب أن يتلقى المدح في كل المواقف سواء حقق إنجازًا أم لم يحقق،
بل ويصاب بالإحباط إذا لم يحصل على ما يريد بكل سهولة دون أدنى مجهود يُذكر.

اقرأ: فوائد الحليب وأضراره | لكِ ولطفلك!

أضرار الثقة الزائدة بالنفس

تؤثر الأضرار التي تلحق بالإنسان -من جرَّاء الثقة المفرطة بالنفس- في مختلف نواحي حياته العلمية والعملية، أو علاقاته الشخصية والأسرية. ومن أهم أضرار الثقة الزائدة بالنفس:

  • إصابة الإنسان بالنرجسية والغرور، وشعوره أنه قادر على فعل كل الأشياء دون رادع، ممَّا يرفع لديه صوت (الأنا).
  • الفشل في تحقيق الأهداف على المدى القريب والبعيد، وربما أدى به ذلك إلى معاناة المشكلات النفسية.
  • عدم رؤية الحقائق على النحو المفروض، والاكتفاء بتقديم المبررات والتفاؤل غير الواقعي.
  • اضطراب العلاقات على مستوى الأسرة والعمل؛ فالشخص الواقع تحت تأثير الثقة المفرطة -في الغالب- لا يسمع سوى صوت
    نفسه، وليست لديه مقاييس سليمة لتقدير الأمور، وبالتالي يؤدي إلى فشل فريق العمل في إنجاز المهمات بنجاح.
  • التسويف والمماطلة في أداء المهام.
  • توقف الشخص عن تعلُّم الجديد، فهو يرى أنه ذو قدرات عالية لا يحتاج معها إلى التعلم.

يؤدي تأثير الثقة المفرطة كذلك إلى قلة الإنتاجية وتراكم الأعمال والمهام، وقد يصل الأمر إلى ما هو أخطر من ذلك،
مثل فقدان الحياة -أو إكمالها بعاهة مستديمة- بسبب تهور غير محسوب.

ولا تختلف أضرار الثقة الزائدة بالنفس على الأطفال عن مثيلاتها على الكبار، إلا أن الأطفال في مرحلة تتكون فيها شخصياتهم
التي تستمر معهم مدى الحياة، وبالتالي يصبح تأثير الثقة المفرطة أكثر خطورة.

كيفية تجنب الثقة الزائدة بالنفس

مما سبق، اتضحت لنا أضرار تأثير الثقة المفرطة على الإنسان في كل مراحل حياته، لذلك من المهم معرفة كيفية تجنب الثقة الزائدة
بالنفس، وبالتالي تجنب أضرارها. ونذكر أهمها في بضع نقاط، هي:

  • التفكير في عواقب الأمور قبل الشروع فيها، للاستعداد لها جيدًا وإنجازها على أكمل وجه.
  • تقبُّل الأخطاء، ومحاولة إيجاد الحلول المناسبة لها لتجنبها في المستقبل.
  • التمتع بعقل متفتح يقبل الأفكار الجديدة ما دامت مفيدة ونافعة للاستخدام.
  • متابعة مردودات الأفعال واتخاذها على محمل الجد، ثم تقييمها على النحو الأمثل واستخراج الإيجابيات والسلبيات منها للتطور المستقبلي.
  • تعلم المهارات الجديدة ممَّن يحيطون بك، ولو كان من شخص أصغر منك سنًا، أو أقل خبرة.
  • الاستماع أكثر من التكلم، وتقبُّل آراء الآخرين ولو كانت مخالفة.

في الختام…

نستنتج أن تأثير الثقة المفرطة من الأمور المذمومة، وممَّا يجب تجنبه دومًا، وعليك الاعتدال دائمًا في كل أمورك؛ فما زاد عن الحد
انقلب إلى الضد!

اظهر المزيد

د. محمود المغربي

صيدلي إكلينيكي، عملت في المجال الطبي لسنوات اكتسبت خلالها الخبرة الكافية بالإضافة إلى الخلفية الطبية القوية كصيدلي إكلينيكي. أهدف إلى مساعدة الناس على تحقيق حياة صحية أفضل من خلال إعطائهم معلومات دقيقة تستند إلى مراجع طبية موثوقة، بأسلوب كتابة سهل تتحول فيه المعلومات الطبية الأكثر تعقيدًا إلى كلمات سلسة تتدفق بسهولة في ذهن القارئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى