ترياق الأمراض النفسية

تأثير الحالة النفسية على جهاز المناعة

“خدعوك فقالوا: الضحك يطيل العمر”

تعجبَت لقراءتها هذا العنوان لمقال ما!

فتساءلت مستنكرة: ما الجدوى من الضحك إذًا؟! 

قد لا يطيل الضحك عمرك، لكن بالتأكيد سيُحسِّن من جودة حياتك.

فالحزن، والاكتئاب، والتوتر يضرون صحتك ويوهنون جسمك.

ما تأثير الحالة النفسية على جهاز المناعة؟

هل هناك ما يُسمى “المناعة النفسية”؟

ما العلاقة بين الضغط النفسي والمناعة؟

ما تأثير الاكتئاب على الجهاز المناعي؟

سنجيب في هذا المقال عن هذه الأسئلة، ونفهم العلاقة بين نفسيتك وعقلك ومناعة جسمك.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

تعريف المناعة النفسية 

تعريف المناعة النفسية

يُعبِّر مصطلح المناعة النفسية (Psychological Immunity) عن محاولة العقل حمايتك من المشاعر السلبية الشديدة، وتخفيف أثر التجارب الحياتية السيئة فيك، مثلما يحمي جهاز المناعة جسمك من الأمراض ويقاتل الجراثيم.

تحدث المناعة النفسية بشكل كبير في اللا وعي، إذ يتلاعب عقلك في تفاصيل الأحداث السيئة التي مررت بها؛ وذلك بتجاهل بعضها وتغيير الآخر، إضافة إلى تقليل جاذبية البدائل الأخرى التي كنت تتمنى حدوثها؛ وكل ذلك حتى يحميك من المشاعر السلبية.

قد تُفَسِّر المناعة النفسية الأمور الآتية:

  • سرعة تجاوزك للأحداث السيئة في حياتك بمختلف شدتها. 
  • المبالغة في تقدير عواقب الأحداث السيئة المستقبلية (مثل توقعك لصعوبة تجاوزك عدم قبولك بوظيفة ما، لتفاجأ -فيما بعد- أن رد فعلك الحقيقي أقل بكثير مما توقعت). 
  • عدم قدرتك على استرجاع بعض تفاصيل الأحداث السلبية التي مررت بها (مثل كيفية إساءة شخص ما لك، أو رد فعلك عند تعرضك للإهانة، أو قيامك بخطأ ما). 
  • تقبُّلك للأمور السلبية التي تحدث لك، ورؤيتها على أنها الأنسب لك. 

 على الرغم من فوائد المناعة النفسية، يُعتقد وجود أثر سلبي لها في قدرة الشخص على التعلم والاستفادة مما يمرُّ به من تجارب، إذ تكون ذكرياته مشوشة أو غير حقيقية. 

هل يقتصر دور العقل على إكسابك مناعة من المشاعر السلبية؟! أم أنَّ هناك تفاعلًا بينه وبين جهاز المناعة؟! 

ذلك ما سنتعرف إليه تاليًا…. 

علم المناعة النفسية العصبية Psychoneuroimmunology

علم المناعة النفسية العصبية Psychoneuroimmunology

يتخصص علم المناعة النفسية العصبية في دراسة العلاقة بين الحالة النفسية والجهاز العصبي والمناعة، ويهتم بفهم التفاعلات المتبادلة بين الجهاز العصبي وجهاز المناعة.

من بين الموضوعات التي يدرسها علم المناعة النفسية العصبية:

  • خصائص ومكونات الجهاز المناعي العصبي. 
  • كيفية عمل هذا الجهاز في الصحة والمرض. 
  • اضطرابات الجهاز المناعي العصبي (مثل: أمراض المناعة الذاتية Autoimmune diseases، وفرط الحساسية Hypersensitivities، ونقص المناعة Immune deficiency). 

وسائل التواصل بين الجهاز العصبي والجهاز المناعي متعددة، وما زالت الدراسات تبحث في طبيعتها وتحاول تفسيرها، ومن هذه الوسائل:

  • محور الغدة النخامية – الغدة الكظرية Hypothalamic-pituitary-adrenal axis: يُعدُّ النظام الرئيسي في مواجهة الجسم للتوتر؛ إذ يحافظ على توازن الجسم بعد تعرضه لأي إجهاد جسدي أو عقلي، وذلك بواسطة التحكم في مستوى الكورتيزول.
  • الجهاز العصبي السمبثاوي The Sympathetic nervous system و نخاع الغدة الكظرية Adrenal Medulla.
  • الخلايا العصبية التي تغذي أعضاء جهاز المناعة، وما تفرزه من هرمونات وناقلات عصبية، والتي بدورها تؤثر -أيضًا- في أعضاء وخلايا المناعة.
  • المركبات الكيميائية التي تفرزها أعضاء وخلايا جهاز المناعة والتي تسمي سيتوكينات Cytokines، والتي بدورها تؤثر -أيضًا- في الجهاز العصبي.

لكن قد تخطر ببالك أسئلة مهمة: ما مدى تأثير الحالة النفسية على جهاز المناعة؟! وما علاقة الجهاز المناعي العصبي بحالتك النفسية؟! 

ذلك ما سنجيب عنه في الفقرة اللاحقة…

تأثير الحالة النفسية على جهاز المناعة

أثبتت البحوث و الدراسات وجود علاقة بين حالتك النفسية ومناعة جسمك، وأن جهازك المناعي قد يُصاب بالضعف ونقص قدرته على مقاومة الأمراض؛ نتيجة الضغط النفسي والمشاعر السلبية (مثل الحزن، أو الاكتئاب، أو القلق،
أو الخوف، أو خيبة الأمل). 

الأمثلة الآتية توضح هذا التأثير:

  • مرضى السرطان: استجابتهم للعلاج وقدرة جسدهم على مقاومة المرض مرتبطان -بدرجة كبيرة- بحالتهم النفسية، ومقدار الدعم النفسي الذي يتلقونه. 
  • العديد من الأمراض الجسدية (مثل: الصدفية والربو والإكزيما) لها جوانب نفسية؛ فقد تسوء حالة المريض عند تعرضه للتوتر أو للضغوطات النفسية. 
  • الجهاز الهضمي: وجود ارتباط بين التعرض إلى التوتر باستمرار وظهور اضطرابات في الجهاز الهضمي (مثل: التهاب الأمعاء، ومتلازمة القولون العصبي).
  • التئام الجروح: تؤثر الحالة النفسية في قدرة الجسم على الشفاء، على سبيل المثال: وجود ارتباط بين الخوف
    من الجراحة أو تعرضك لضغوطات نفسية قبلها وبين حدوث نتائج سيئة لاحقًا (مثل مشكلات في الشفاء والتئام الجروح، أو طول وقت الإقامة بالمشفى، أو العودة لها مرة أخرى بسبب المضاعفات). 

حتى نفهم تأثير الحالة النفسية على جهاز المناعة بشكل أكبر، سنتناول بعض الأمثلة على نقص المناعة بسبب الحالة النفسية بتفصيل أكثر…

الضغط النفسي والمناعة

الضغط النفسي والمناعة

يؤدي محور الغدة النخامية – الغدة الكظرية Hypothalamic-pituitary-adrenal axis دورًا رئيسيًا في مواجهة الجسم للتوتر والتحديات الجسدية والعقلية، والحفاظ على توازنه.

في أثناء التوتر؛ يكون الجسم في حالة استنفار، ويرتفع مستوى الكورتيزول الذي يوفر الطاقة اللازمة للقتال أو الهرب إذا لزم الأمر، ويثبط أي وظائف أخرى غير ضرورية في هذه المعركة ومنها الجهاز المناعي، وهو أمر مؤقت ينتهي بنهاية التوتر ويعود جسمك إلى طبيعته.

لكن في حالة استمرار التوتر (وهو الطابع السائد للحياة اليومية؛ نتيجة الضغوطات المستمرة ومتطلبات الحياة المعقدة،
مع عدم وجود تهديد حقيقي وراء هذا التوتر)، يتعرض جسمك لمستويات مرتفعة من الكورتيزول باستمرار، الأمر الذي قد يؤثر في مناعتك بطرق مختلفة:

  • قد يضعف جهاز مناعتك ويجعلك أكثر عرضة للأمراض والعدوى.
  • قـد يسبب اضطرابات في وظائف جهاز المناعة ويزيد خطر الإصابة بأمراض المناعة الذاتية (مثل: التهاب المفاصل والتصلب المتعدد). 
  • قد يسبب تفاقم في حالات مرضية معينة مثل الصدفية، والإكزيما، والربو، وحب الشباب.

تأثير الاكتئاب على الجهاز المناعي

تأثير الاكتئاب في جسدك يتعدى الأعراض النفسية والعقلية (مثل: الحزن، واليأس، وفقد الاهتمام بما كنت تستمتع به سابقًا، والصداع، واضطرابات النوم). 

فالاكتئاب يؤثر سلبًا في أعضاء الجسم المختلفة (مثل: تسببه في اضطرابات بالجهاز الهضمي، وارتفاع ضغط الدم وزيادة معدل ضربات القلب، وضعف المناعة).

الاكتئاب يؤثر في جهاز المناعة بعدة طرق، منها:

  • تسبُّب الاكتئاب في حدوث اضطرابات وحرمان من النوم، مما يتداخل مع أداء جهاز المناعة لوظيفته؛
    ومن ثَم يُضعفه ويجعلك أكثر عُرضة للعدوى والأمراض.
  • وجود علاقة بين الاكتئاب والالتهاب، وتعرضك للالتهاب المزمن قد يتسبب في تطور بعض الأمراض؛
    مثل: أمراض القلب وداء السكري من النوع الثاني والسرطان.

لكن هل تأثير الحالة النفسية على جهاز المناعة سلبي دائمًا؟!

أثبت المتخصصون أن المشاعر الإيجابية والحالة المزاجية الجيدة يعززان من جهاز المناعة؛ لما لهما من أثر إيجابي في الصحة النفسية وتخفيف التوتر الذي تشعر به.

يمكنك السيطرة على التوتر في حياتك، وتجنب نقص المناعة بسبب الحالة النفسية بواسطة خطوات بسيطة، منها:

  • قضاء وقت ممتع مع أسرتك أو أصدقائك.
  • ممارسة أنشطة مبهجة تدخل السرور إلى قلبك.
  • ممارسة الرياضة أو الحصول على جلسة تدليك.
  • الاسترخاء وممارسة التأمل أو اليوجا.
  • الاعتناء بنفسك وتقليل المهام في قائمتك.

تأثير الحالة النفسية على جهاز المناعة أمر معقد، ولم يكشف بعد العديد من أسراره، لكن المؤكد أن هناك علاقة وثيقة بين ما تشعر به وبين مناعتك.

لذلك كلما اجتمعت الهموم عليك، وأثقلت ضغوطات الحياة كاهلك، تناساها للحظة واضحك من قلبك.

المصدر
What Is Our Psychological Immune System? How We Should Really Protect Our Mental StatePsychological immune systemDon’t Underestimate Your Psychological Immune SystemPsychoneuroimmunologyUnderstanding PsychoneuroimmunologyThe Effects of Depression in Your BodyIs It Possible to Become Physically Sick from Depression?
اظهر المزيد

د. أروى صبحي

صیدلانیة وباحثة. لدیها شغف دائم للبحث وفهم كل ما حولها؛ خاصة فیما یتعلق بجسم الإنسان. أشعر بالرضا عند تبسیط العلوم للغیر، ووجدت في الكتابة وسیلة لمساعدة الآخرین في الاستمتاع بالمعرفة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى