ترياق الحياة الصحية

تأثير السمنة على الحالة النفسية

لكل منا حكايته الخاصة؛ البعض يمتلك القدرة على نظم أحاديثٍ مليئة بالفخر والمغامرة عن قصة حياته، والبعض الآخر يمكن أن يلخِّص قصة حياته في كلمة واحدة… “الوصم”.

فهذه هي “الفتاة السمينة” في العائلة، وهذا هو “الشاب البدين” في المكتب، بصرف النظر عن أي أمر آخر يفعلانه في حياتهما، أو أي نجاحٍ يحققانه!

وعندما يأتي الحديث عن السمنة، تجد أغلب الخطابات مركزة على مخاطر السمنة الجسدية؛ كأن تكونَ عاملًا مساعدًا على الإصابة بالأمراض القلبية وغيرها. لكننا لا نلتفت كثيرًا إلى المخاطر النفسية التي يمكن أن يصاب بها الشخص ذو الوزن الزائد.

في هذا المقال، نتحدث معًا -عزيزي القارئ- عن تأثير السمنة على الحالة النفسية، ونتناول -تفصيلًا- بعضًا من أضرار السمنة النفسية والجسدية، فتابع معي…

هل سلوكك هو المتهم الوحيد في السمنة؟

بالرغم من شيوع تلك الصورة الذهنية عن الأشخاص ذوي الوزن الزائد عن حبهم للأكل وشراهتهم له، إلا أنها لا تعبر عنهم جميعًا؛ فالبعض يعاني السمنة بسبب عوامل جينية، أو قد تكون ناتجة عن حالة مرضية أخرى، أو ربما تكون مرتبطة ببعض الأدوية.

لذا، بسؤال بعض الطالبات -ضمن دراسة تجرِيبية- عن آرائهنَّ في صور فتيات بدينات وانطباعهنَّ عنهن، وُجِدَ أنهن قد صنَّفنَّ هؤلاء الفتيات بأنهنَّ متخاذلات قليلات الهمة، وأنهنَّ لن ينجحن في الدراسة بسبب كسلهنَّ غالبًا.

لكن بعدما عَلِمْنَ بأن هؤلاء الفتيات تعانين خللًا بالغدة الدرقية أدى إلى زيادة وزنهن، تغيَّر رأي الطالبات فيهنَّ وأصبحن متعاطفات معهنَّ أكثر.

تأثير السمنة على الحالة النفسية

هكذا نفعل مع أي شخص سمين؛ فكثيرًا ما تجد صاحب عملٍ لا يحب أن يوظف شخصًا ذا وزن زائد، لأنه سيؤثر غالبًا على سرعة العمل وكفاءته. فبالإضافة إلى الوصم، نجد أن هذا الشخص قد يخسر فرص عمل تكفل له حياة يحلم بها، وربما يستحقها، فيُشعِره ذلك بالفشل والإحباط…

مخاطر السمنة الجسدية

لا يقتصر حديثي على التعاطف مع الشخص السمين؛ فزيادة الوزن تأتي بمخاطر جسدية قد تهدد حياتك، وتحتاج إلى التدخل للتخلص منها. فالسمنة:

  • تجعلك أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب، مثل: الشريان التاجي.
  • تجعلك أكثر عرضة للإصابة بضغط الدَّم.
  • ربما تجعلك تعاني لاحقًا بعض آلام المفاصل.
  • تزيد احتمالية إصابتك بالسكري من النوع الثاني.
  • تزيد فرص حدوث السكتات الدماغية.
  • تزيد احتمالية ظهور بعض أنواع السرطانات، مثل: سرطان الأمعاء وسرطان الثدي.

والقائمة تطول… هذا بالإضافة إلى تأثيرها على سهولة حياتك، وشكل جسدك الذي غالبًا ما يؤثر على رضاك عن نفسك.

تأثير السمنة على الحالة النفسية

ترتبط السمنة بعدة اضطرابات نفسية تجعل من الصعب على صاحبها السعي إلى علاجهم معًا، وتزيد من التحديات التي يواجهها. ومن أمثلة ذلك:

السمنة والاكتئاب

أثبتت الدراسات وجود عَلاقة قوية لا يمكن إنكارها بين السمنة والاكتئاب؛ فبعضها يشير إلى أن الاكتئاب يؤدي إلى السمنة في كثير من الأحيان.

إذ قد يلجأ البعض إلى الأكل بشراهة بسبب الحالة النفسية السيئة التي يمر بها، مما يزيد من وزنه، وقد يوصله إلى السمنة.

أو يُهمِل في اختيار وإعداد الأكلات الصحية، ويلجأ إلى الأكلات السريعة المُشبَّعة بالدهون الضارة.

ويزيد الأمر سوءًا مع استمرار وجود الاكتئاب، نتيجة فَقْد الهمة وفَقْد الرغبة في التغيير؛ فلا يحرك ساكنًا مع زيادة وزنه، ولا يقوى على السعي إلى السيطرة على الأمر مع كثرة التحذيرات مِمَّن حوله.

أيهما يوصل إلى الآخر؟

على الجانب الآخر، تؤدي السمنة إلى الاكتئاب بنسبة كبيرة أيضًا، خاصة مع الزيادة المفرطة في الوزن وصعوبة فَقْده.

فمع الفشل المتكرر في الانتظام على حمية غذائية مناسبة، أو صعوبة فَقْد الوزن رغم جميع المحاولات، قد تجد نفسك واقعًا في بحر من اليأس وقلة الحيلة.

أضف إلى ذلك وجود نقد مستمر وسخرية لاذعة مِن جميع مَن حولك، بل ربما تُحرَم من وظيفة تمتلك مؤهلاتها لأنك لست بالمظهر المطلوب!

ولا تنسَ العلاقات العاطفية؛ فما أكثر ما نسمع عن تجارِب تتكرر فيها جملة “أنتِ جميلة، لكن لو فقدتِ وزنك الزائد لصرتِ أجمل”، بل يكثر قولها في عباراتٍ أشد قسوة، فينكسر قلب الفتاة المسكينة، فقط لأنها ليست بالوزن المثالي!

لذا، من تأثير السمنة على الحالة النفسية أنها تزيد احتمالية الإصابة بالاكتئاب، وتقلل من تقبُّل النفس والرضا عن الذات.

السمنة والقلق النفسي

يشيع الارتباط بين التوتر والقلق النفسي وبين الاكتئاب، كذلك يمكن للتوتر والقلق النفسي أن يؤدي إلى السمنة.

إذ قد يلجأ البعض إلى تناوُل كميات كبيرة من الطعام كحيلة لمواجهة التوتر والقلق، ما قد يصل به إلى زيادة الوزن المفرطة أو السمنة.

ويشمل تأثير السمنة على الحالة النفسية أنك إذا كنتَ تعاني زيادة الوزن، فربما تتعرض للتنمر كثيرًا لهذا السبب، فيؤدي ذلك إلى زيادة التوتر والضغط النفسي الواقع عليك.

وهذا يجعلك أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب أيضًا!

يكثر حدوث هذا الأمر في الأطفال والمراهقين في المدارس؛ إذ يُصبحون مادة للسخرية من أقرانهم، فيفقدون ثقتهم بأنفسهم.

بل ربما يصل الأمر إلى التمييز من المدرسين أنفسهم، أو ربما يصدر النقد الجارح من طبيب الأطفال الخاص بهم!

السمنة واضطرابات القلق الأخرى

تترك حالات اضطرابات القلق الأخرى (مثل: اضطراب القلق المعمم، اضطراب كرب ما بعد الصدمة، واضطراب فرط الحركة) تأثيرًا على نمط التغذية لدى أصحابها، إذ يهمل المريض اختيار الأطعمة الصحية، وقد يستخدم الطعام كمتنفس سهل للسيطرة على مشاعره المضطربة.

السمنة والرضا عن الذات

أهم ما في تأثير السمنة على الحالة النفسية أنها تؤثر على مستوى رضاك عن نفسك؛ فأنت لا تستمتع بالبحث لساعات طويلة عن ملابس بقياس مناسب لا تُظهِرك بمظهر أكبر من عمرك بكثير!

ويصعب حب الذات مع وجود عوامل لا تجعلنا بالصورة النمطية للجمال، ولا يمكننا هنا إهمال الحديث عن تأثير المجتمع في تحديد تلك الصورة…

فالإعلانات التي تستخدم عارضات ممشوقات القوام طوال الوقت، تُصعِّب من فكرة تقبُّل الذات وحب النفس على ما هي عليه. كيف لا وكُلُّ ما حولنا يدفعنا دفعًا نحو الرغبة في الحصول على تلك البَشَرَة الصافية الخالية من العيوب، وكذلك ارتداء تلك الملابس التي لا تَليقُ إلا بجسد ممشوق؟!

لذا، لا يمكن أن نغفل عن المسؤولية المجتمعية المتمثلة في الرسائل الإعلامية الموجهة نحو تحديد أنماط الجمال وتقبُّل الآخرين بجميع هيئاتهم، كذلك دور المجتمع في مواجهة التنمر، وحماية الأطفال والمراهقين منه بشكل خاص.

متى نكسر تلك الدائرة؟

بعد أن أصبحت العَلاقة بين السمنة والحالة النفسية واضحة لا يمكن إهمالها، تجد نفسك بين خيارين لا ثالث لهما: إمَّا الاستسلام لتلك الحالة من اليأس وفَقْد الأمل في التغيير، أو أن تقرر كسر تلك الدائرة المفرغة مهما كلفك الأمر!

ومع أنك ربما لا تكون مهمِلًا في حق نفسك بالضرورة، لكنك تدفع تكلفة كبيرة لا تقتصر على الإصابة بأمراض أخرى فقط، لكنها قد تهدد حياتك بأسرها!

لذا، فقد حان الوقت لأخذ خطوات جادة نحو التخلص من السمنة، وأول تلك الخطوات هي استشارة الطبيب ليحدد معك الطريقة المُثلَى لحالتك: إما بأخذ خطوات صغيرة تظهر نتيجتها مع الوقت، أو ربما يكون الحل بتدخُّل كبير، كاللجوء لإجراء عملية جراحية.

وأيًا كان الخيار، فهو يحتاج إلى إرادة قوية تكمن بداخلك. فأطلق لها العنان، واختر مصيرك بيدك؛ فكما رأيت، وَعِي المجتمع وحده لا يُعوَّل عليه!

المصدر
ObesityAre Obesity and Depression Related? And 9 Other FAQsWorld Obesity Day: Understanding the social consequences of obesityThe Obesity Stigma
اظهر المزيد

د. آلاء عمر

آلاء عمر، صيدلانية، أم، وكاتبة محتوى طبي، أهدف إلى إيصال المعلومة الطبية للقارئ بسهولة وزيادة الوعي الطبي لدى الناس. مهتمة بمجال الصحة النفسية وما يخص الطفل والمرأة طبياً. مؤمنة بقدرة الإنسان على اكتساب الوعي والتغيير الإيجابي للإرتقاء بمستوى حياته للأفضل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق