مفاهيم ومدارك

تأثير السياق Context Effect

«ما رأيك في استراحة قصيرة بعد كل هذا اللف على المحلات؟»… 

قلت ذلك لصديقتي (مروة) -عروسة الغد القريب، التي استغلت فترة التخفيضات الموسمية لشراء أكبر عدد ممكن من الأشياء…

وافقت هي الأخرى على فكرة الاستراحة؛ كانت هي أيضًا متعبة من كثرة المشي والتنقل بين المحلات…

وقالت: «كنت أخطط لذلك قبل وصولنا إلى هذا المكان، يوجد هنا أفضل مكان تحتسي فيه القهوة»…

وافقتها؛ لعلمي مدى حبها للقهوة… لكن فاجأني سعر فنجان القهوة الواحد الذي يتخطى تكلفته بأكثر من عشر مرات!

فلماذا تتردد (مروة) باستمرار على هذا المكان من أجل احتساء القهوة مع أنها بارعة حقًّا في صنعها، وتمتلك نفس نوع البن المقدم في هذا المطعم؟!

إنه تأثير السياق “Context Effect“! 

فعلى الرغم من أن (مروة) تصنع قهوتها بطريقة بارعة -تفوق تلك المقدمة في هذا المكان- تعتقد أن القهوة المقدمة
في مكان فخم مثل هذا، مع الجلوس على ذلك الكرسي باهظ الثمن؛ أكثر جودة من التي تصنعها بنفسها…

الأمر الذي يجعلها تدفع أكثر من عشرة أضعاف سعرها الحقيقي -دون تردد.

إذن، ما هو تأثير السياق “Context Effect”؟ 

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

هذا ما سنتعرف إليه معًا في هذا المقال؛ فتابع معنا.

مفهوم السياق 

يعرف بالإنجليزية باسم “Context Effect”، ويصف تأثير الأشياء أو الأحداث المحيطة والمعلومات على رد فعل الأشخاص واستجابتهم. 

ويعد من جوانب علم النفس المعرفي؛ الذي يهتم بدراسة ردود أفعال الأشخاص للتنبيهات المختلفة، وكذلك طريقة تذكرهم للأحداث.

يستهدف تأثير السياق طريقة إدراكنا لنفس المؤثر أو المعلومة لكن بأشكال مختلفة، تبعًا لاختلاف العوامل المحيطة.

تخيل معي أنك تمسك قطعة من القماش رمادية اللون، ثم تضع نفس القطعة على خلفية بيضاء؛ ستجد أن اللون الرمادي غامق ومسيطر على الخلفية البيضاء، ويلفت الانتباه.

ماذا لو وضعت نفس القطعة الرمادية على خلفية سوداء؟ 

حينها ستجد أن اللون الرمادي أقل وضوحًا، وسوف يتبين لك سيطرة اللون الأسود على اللوحة، وقد لا يلفت انتباهك وجود بقعة رمادية اللون من الأساس.

أو فكر معي عندما ترى طفلك ذا الـ 7 سنوات بين أقرانه من نفس السن؛ فتصفه بأنه متوسط القامة… 

ثم تراه يلعب مع أطفال الروضة؛ فتصفه بأنه طويل القامة… 

ثم تراه يلعب مع زملائه المراهقين؛ فتظن أنه قصير القامة… 

هذا ما يحدث لنا عندما نتعرض لنفس الموقف، لكن باختلاف العوامل المحيطة أو المعلومات والأحداث في تلك اللحظة. 

وهذا ما يعرف بـ “أثر السياق” أو “مفهوم السياق”.

تأثير السياق Context Effect في التسويق

تأثير السياق Context Effect في التسويق

نتذكر جميعًا ذلك اليوم الحار في منتصف النهار ونحن نبحث عن أقرب محل لشراء زجاجة مياه معدنية، التي يتراوح ثمنها من خمسة إلى عشرة جنيهات على الأكثر.

ونتذكر أيضًا عندما اشترينا نفس الزجاجة من الفندق ذي النجوم الخمس، بثمن يفوق ما دفعناه في المحل الصغير بعشرات الأضعاف!

إنه تأثير السياق على التسويق، فعلى الرغم من علمك بأنها نفس زجاجة المياه، ومعرفتك قيمتها الحقيقية التي يدفعها كلٌّ من الفندق والمحل للشركة المصنعة؛ تدفع المبلغ الباهظ في الفندق دون اعتراض.

لذا؛ يعتمد التسويق اعتمادًا كبيرًا على التأثير على قرارات المشتري، ولا تندهش إذا عرفت أن المبالغ التي تصرفها الشركات على الحملات الإعلانية تفوق بكثير تلك المدفوعة للعمالة المنتجة.

نظرية السياق وتطورها

يفسر علماء النفس نظرية السياق طبقًا لاختلاف تفسير المخ للعوامل المحيطة بالحدث، لا سيما المشاعر؛ الأمر الذي يؤثر في قرارات الأشخاص وردود أفعالهم تجاه نفس المواقف.

فنجد أن السياق يؤثر في استقبال المخ للمؤثرات البصرية واللغوية وفهمها؛ فتتأثر طريقة حكمك على الأمور والمواقف، حتى لو تكرر نفس الموقف لكن في ظروف محيطة مختلفة، سوف تجد أنك تحكم حكمًا مختلفًا.

فمثلًا، يتعمد صانعو الإعلانات الدعائية للمنتجات المختلفة إظهار الأشخاص الذين يستخدمون منتجاتهم سعداء وفرحين وتعابير وجوههم مبتسمة وعيونهم تلمع… 

الأمر الذي يترك أثرًا نفسيًّا لدينا، بأن استخدام هذه المنتجات سوف يجعلنا سعداء مثل أبطال الإعلان.

بينما لو عُرض عليك نفس المنتج لكن مع وجه عبوس وموسيقى كئيبة -حتى لو بثمن أقل- سوف ترفض شراءه؛
لاختلاف الأثر النفسي الذي انطبع بداخلك تجاهه.

نفهم من ذلك أن تقديرنا لقيمة الأشياء يختلف باختلاف الظروف التي تُعرض علينا بها؛ فيجعلنا الكرسي المريح بالفندق والجو المكيف ندفع ثمن زجاجة المياه دون تفكير في قيمتها الحقيقية.

وتفسر لنا نظرية السياق وتطورها المبالغ المدفوعة في دورات تعليم التسويق -خصوصًا في الآونة الأخير-،
وتطوير الجامعات مناهج ودراسات كثيرة تخص مهارات التسويق المختلفة وعلم التسويق.

فنجد أن المال المنفق في العمليات التسويقية يكاد يقترب من المال المنفق في التصنيع والإنتاج.

كيف تستفيد من تأثير السياق Context Effect في العمل الحر

كيف تستفيد من تأثير السياق Context Effect في العمل الحر

انتشرت فكرة العمل الحر عبر الإنترنت انتشارًا واسعًا مع حدوث جائحة كورونا، خصوصًا بعد تسريح بعض الشركات لعدد كبير من موظفيها؛ لتخفيف التكاليف على ميزانية الشركة.

وبعد أن تعرفنا إلى مدى تأثير السياق في القرارات الشرائية للمستهلك، يتحتم على كل العاملين في العمل الحر
عبر الإنترنت تعلم مهارة التسويق لأعمالهم ولأنفسهم.

إذ إن اعتمادك فقط على جودة ما تقدمه للمستهلك لن يفيدك كثيرًا طبقًا لنظرية التأثير -مثلما شرحنا-، ويجب عليك
عرض أعمالك بطريقة جذابة ومشوقة لتحظى على التقدير اللازم وتكسب المنافسة على فرص عمل أخرى.

ربما تستغرب حصول زملاء لك في نفس المجال على فرص عمل جيدة بأجر جيد على الرغم من قلة جودة أعمالهم
عن أعمالك؛ السر يرجع إلى “تأثير السياق”. 

لذا؛ نقدم لك بعض النصائح لتحسين فرصك في الحصول على أعمال جيدة… 

ننصحك بطلب التأييد من عملائك السابقين، كأن تطلب منهم كتابة تقييم لأعمالك أو استبيان رأي لنقاط الضعف
والقوة المختلفة فيما تقدمه.

يساعدك ذلك على تطوير مهاراتك أولًا، إضافة إلى استخدام التقييمات الإيجابية في إقناع عملاء جدد بسهولة أكبر
كما تَعلمنا من نظرية السياق.

فعادةً ما يثق العملاء بشهادات العملاء الآخرين، ويطمئنون لتجربة العمل معك.

يمكنك أيضًا الترويج لأعمالك بذكرك للمكاسب العائدة على العميل، كأن تذكر مكاسب الموقع الذي صممت له إعلانًا مبتكرًا جلب له الكثير من الربح.

أو تذكر زيادة أرباح المدونة التي كتبت لها عدة مقالات، أو زيادة عدد زوار قناة (اليوتيوب) التي كتبت لها محتوى احترافي.

تثير فكرة الأرباح حماس العملاء الجدد للعمل معك؛ من أجل تحقيق نجاح مشابه لأعمالك السابقة.

ولا تنس تأثير مواقع التواصل الاجتماعي والتوظيف عن بعد، وحسِّن منشوراتك على هذه المواقع، وتحلَّ بالاحترافية.

وفي نهاية مقالنا، نود تذكيرك بأن تأثير السياق “Context Effect” لا يقتصر فقط على العمليات الشرائية،
بل ينطبق على كافة مجالات حياتنا.

تذكر ذلك جيدًا عند تقديمك هدية لشخص محبب، فاختر الوقت المناسب له والظروف التي يحبها، مع ابتسامة جميلة قبل الهدية؛ سيزيد ذلك من فرحتكما أنتما الاثنين.

وتذكر ذلك أيضًا عند التحدث مع أطفالك، وانظر إليهم في أعينهم واخفض صوتك وابتسم كثيرًا، حتى لو رفضت طلبًا من طلباتهم الكثيرة لن تجدهم ساخطين؛ نظرًا لتأثير طريقتك الجيدة في تقييمهم للموقف.

المصدر
Context EffectContext EffectHow Context Influences Our Perception of Emotional Faces: A Behavioral Study on the Kuleshov EffectContext Effects and Efferent Factors in Perception and CognitionHow to Use the “Context Effect” to Get Clients to Take You More Seriously
اظهر المزيد

Marium Romany

طبيبة وأم، أهوى تبسيط العلوم الطبية للقارئ العربي بسلاسة ودقة. أصقل عملي الجامعي من مهارات البحث عن المعلومات الموثقة وشرحها بشكل بسيط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى