ترياق الحياة الصحية

تأثير الطعام على الدماغ والسلوك الاجتماعي

“إن جاعوا زنوا، وإن شبعوا غنوا”…

ردَّدَت هذا المثل القديم إحدى الأمهات الجالسات معي، بينما نتابع أطفالنا الصغار يمرحون في منطقة الألعاب. لكن في هذه اللحظة، كان المرح قد تعطل، وبدأ الصغار في الشجار وافتعال الخلافات.

أخرجنا حينها الأطفال من منطقة الألعاب، وقدمنا لهم وجبة الغداء، وكما توقعنا؛ عاد بعدها الصغار إلى اللعب والمرح بكل ود وسلام، واختفى الشجار!

ربما يبدو تأثير الطعام على الدماغ والسلوك الاجتماعي أكثر وضوحًا في الأطفال، لكن حتى الكبار تتأثر وظائف عقلهم الإدراكية والسلوكية بما يتناولونه من مأكولات ومشروبات. دعنا نستكشف هذه العِلاقة الوثيقة عن قرب.

السكر غذاء الدماغ

يعَدُّ الجلوكوز (أحد أشكال السكر) المصدر الأساسي للطاقة، لكل خلية في جسم الإنسان ولجميع الكائنات الحية.

ويعَدُّ الدماغ العضو الأكثر تطلبًا للطاقة نظرًا لأنه غني جدًا بالخلايا العصبية، حيث يحتاج نصف ما يستهلك جسمك من طاقة.

ومن ذلك، فإن دماغك يعتمد على السكر كوقود رئيسي له، ولا يمكنه أن يؤدي وظائفه بدونه؛ فالسكر غذاء الدماغ.

وظائف الدماغ والسكر

ترتبط وظائف الدماغ -مثل: التفكير، والذاكرة، والتعلم، والوظائف الإدراكية المختلفة- ارتباطًا وثيقًا بمستويات الجلوكوز في الدَّم، ومدى كفاءة الدماغ في استخدامه كمصدر للوقود. واختلال ذلك قد يؤدي إلى:

  • عند نقص السكر: يفقد الدماغ مصدر الطاقة، حيث لا تنتَج الناقلات الكيميائية العصبية اللازمة للدماغ بشكل كافٍ، ويؤدي ذلك إلى اضطراب الاتصال بين الخلايا العصبية في الدماغ، ويرتبط ذلك بضعف في الانتباه واختلال الوظائف الإدراكية.
  • عند زيادة السكر: عند عجز الجسم عن ضبط مستوى السكر في الدَّم، كما في حالة بعض مرضى السكري غير المنضبط، يحدث ارتفاع في مستوى السكر في الدَّم، وتصل إلى الدماغ كميات أعلى من احتياجه. ومن الممكن أن يؤدي ذلك إلى اختلال الوظائف الإدراكية، والإحساس بالتشويش وصعوبة في التركيز.

تأثير الطعام على الدماغ والسلوك الاجتماعي

بالرغم من أن السكر غذاء الدماغ، إلا أن اختلاف مصدر الجلوكوز الذي يحصل عليه الدماغ -تبعًا لاختلاف الطعام الذي تتناوله- يصنع فارقًا كبيرًا في تأثير الطعام على الدماغ والسلوك الاجتماعي. 

احرص على تحقيق اتزان في مستويات السكر في الدَّم عن طريق استهلاك الأنواع المناسبة من الطعام،
وبالكميات المناسبة، وفي الأوقات المناسبة. ويمكن تحقيق ذلك من خلال:

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

  • تجنُّب تفويت الوجبات؛ فإن انخفاض مستوى السكر في الدَّم يؤدي إلى الشعور بالتعب، وسرعة الانفعال، وقلة التركيز، وبطء رد الفعل. 
  • تجنُّب الإفراط في تناول الطعام؛ فإن الخمول من أضرار كثرة الأكل على الدماغ، وذلك بسبب قلة وصول الدَّم إلى
    المخ، نتيجة امتلاء المعدة والشعور بالتخمة والثقل.
  • تناوُل ثلاث وجبات رئيسية ووجبتين خفيفتين على مدار اليوم بكميات معتدلة، سيساعدك ذلك على الحفاظ على
    مستوى الجلوكوز في الدَّم منتظمًا، دون ارتفاع أو انخفاض.
  • عدم الإفراط في استهلاك الكربوهيدرات البسيطة، والتي ترفع مستويات السكر في الدَّم بشكل سريع
    -مثل: الحلويات، والمشروبات الغازية، والعصائر المحلاة- لأن الارتفاع السريع لمستوى السكر في الدَّم يؤدي
    إلى صعوبة في التركيز وفرط النشاط.
  • انتقاء الكربوهيدرات المعقدة للحصول على الطاقة، فهي تتحول إلى جلوكوز ببطء، ولا ترفع مستويات السكر في الدَّم بشكل سريع، مثل: الخضراوات، والقمح كامل الحبة، والأرز البني، والشوفان.
  • تناوُل البروتين مع الكربوهيدرات، حيث يبطئ البروتين من امتصاص السكريات الموجودة في الكربوهيدرات، ويبطئ ذلك من ارتفاع مستويات السكر في الدَّم. ومن أمثلة ذلك:
  • تناول المكسرات مع الشوفان.
  • مزج الفاكهة مع الحليب أو الزبادي. 
  • أكل البيض مع خبز القمح الكامل.
  • تناول اللحوم والأسماك مع الخضار والأرز البني. 

تعرف إلى مزيد من العادات الصحية السليمة من هنا

الحساسية وتأثير الطعام على الدماغ والسلوك الاجتماعي

يشير عدد من البحوث والمشاهدات إلى ارتفاع نسبة المشكلات السلوكية بين الأشخاص الذين يعانون حساسيات الطعام، خاصة من الأطفال.

وبالرغم من أن آلية التسبب في ذلك غير واضحة بعد، لكن يمكن تفسيرها بأن حساسية الطعام تتسبب في زيادة
الالتهابات داخل الجسم، وأن تلك الالتهابات تؤثر على الدماغ أيضًا. 

ويمكن أن يتسبب هذا التأثير في ظهور عدد من الأعراض السلوكية، مثل: العصبية، والقلق، والسلوك العدواني، وفرط النشاط، وصعوبات التعلم.

لذلك إذا كنت تشك في أن طفلك يعاني حساسية تجاه طعام معين أو يعاني مشكلات سلوكية، فإن عليك أن تستشير
الطبيب لإجراء الاختبارات اللازمة، ويجب التأكد من أن يظل نظام طفلك الغذائي متوازنًا وصحيًا، مع استبعاد الأطعمة المسببة للمشكلة.

أطعمة تجدد خلايا المخ

يحتاج المخ إلى تغذية صحية لتعزيز قدرته على القيام بوظائفه الإدراكية، وكذلك لمقاومة تدهور هذه الوظائف مع
التقدم في العمر، من خلال تناول أطعمة تجدد خلايا المخ وتحميه من التلف. 

ويمكنك المساهمة في تعزيز صحتك العقلية، ووظائف الإدراك و الذاكرة، وتحسين المِزَاج العام من خلال تضمين
الأطعمة التالية في نظامك الغذائي: 

  • المكسرات:

تعَدُّ المكسرات مصدرًا ممتازًا للبروتين، والدهون الصحية، ومضادات الأكسدة، وفيتامين E. وتعمل هذه المكونات على حماية خلايا المخ من التلف، وإبطاء تدهور الخلايا العصبية.

ويحتوي الجوز بصفة خاصة على أحماض أوميغا 3 الدهنية، والتي تعمل على تحسين الذاكرة بشكل فعال.

  • الأسماك الدهنية:

تعَدُّ الأسماك الدهنية -مثل السالمون والسردين- مصدرًا غنيًا للأوميغا 3 الذي يشكل لبنة رئيسية في بناء الدماغ. 

تلعب أحماض أوميغا 3 الدهنية، وهي دهون صحية غير مشبعة، دورًا حيويًا في شحذ الذاكرة وتحسين المِزَاج،
فضلًا عن حماية عقلك من التدهور.

  • الشاي والقهوة:

يؤثر مشروبك الصباحي من الشاي أو القهوة أو الشاي الأخضر تأثيرًا إيجابيًا على خلايا المخ، وذلك لاحتوائه على الكافيين ومضادات الأكسدة. 

يساعد الكافيين على زيادة الانتباه والتركيز، كما إنه ينشط الذاكرة ويحسن الحالة المزاجية. أما مضادات الأكسدة، فتعمل -على المدى الطويل- على حماية خلايا المخ من التدهور.

  • التوت: 

يحتوي التوت والفراولة على مركبات الفلافونويد، وهي من مضادات الأكسدة، كما أنها مضادة للالتهابات،
والتي تؤخر شيخوخة الدماغ وتعمل على تحسين الذاكرة. 

  • الشوكولاتة الداكنة:

الشوكولاتة الداكنة أيضًا غنية بالفلافونويد، وتحفز إفراز مادة أكسيد النيتريك، والتي تعمل على زيادة تدفُّق الدَّم إلى الدماغ، ويؤدي ذلك إلى تحسين المِزَاج وزيادة الانتباه والنشاط.

  • الخضروات الورقية:

تشير الأبحاث إلى أهمية الأطعمة النباتية في المساعدة على إبطاء التدهور المعرفي، وذلك لاحتوائها على عناصر غذائية صحية، مثل: الفولات، والبيتاكاروتين، وفيتامين K. ومن أعلى هذه الخضروات في القيمة الغذائية: البروكلي والسبانخ. 

  • الفاكهة: 

تساعد الفاكهة المحتوية على نسبة عالية من فيتامين C على حماية خلايا المخ من التلف، وذلك لأن فيتامين C
من مضادات الأكسدة القوية. احرص على تعزيز نظامك الغذائي بإضافة البرتقال، والجوافة، والطماطم، والفلفل الحلو.

وفي النهاية، تذكَّر أن العناية بصحتك العقلية والنفسية تبدأ من نظام حياة صحي يشمل الرياضة و التغذية الصحية السليمة.

واحرص على الحصول على غذاء متوازن دون إفراط، وذلك حتى تتجنب السمنة وأضرار كثرة الأكل على الدماغ،
وكن واعيًا لتأثير الطعام على الدماغ والسلوك الاجتماعي. 

المصدر
Sugar and the Brain
اظهر المزيد

Walaa Khalil

د. ولاء زين العابدين خليل صيدلانية وأخصائية إدارة صحية، خلال سنوات عملي في القطاع الطبي أدركت مدى أهمية دور التثقيف الصحي المجتمعي في رحلة علاج الأمراض والوقاية منها وتحسين نمط الحياة. أهدف إلى إثراء الثقافة الصحية العربية عن طريق تقديم محتوى طبي سهل الفهم يشمل أحدث المعلومات وأدقها، ويستند إلى المصادر الطبية الموثوقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى