ترياق الحياة الصحيةمفاهيم ومدارك

تأثير الطعام على شخصية الإنسان | معكِ حق يا أمي!

«صباح الخير تلاميذي الأعزاء…

أهلًا بكم في مدرستنا الجميلة، اليوم يومكم الأول في مسيرتكم الدراسية، أتمنى لكم كل النجاح والتوفيق والسعادة…» 

اعتدت أن ألقي هذه التحية على تلاميذي كل عام في بداية عامهم الدراسي، أما باقي اليوم فأستغله للتعرف إلى أنماط شخصية الأطفال المختلفة؛ حتى أتمكن من معاملتهم معاملة سليمة تتفق مع شخصياتهم…

لكن الأمر لم يمر بسلاسة هذا العام في وجود (حسن)، طفل جميل لكنه يرفض الجلوس والالتزام بأية قواعد، حيرني كثيرًا…

حتى جاء وقت الفطور، ووجدت كل ما يتناوله (حسن) هو الحلويات والعصائر فقط!

هنا فهمت سبب عدم هدوئه؛ إنه تأثير الطعام على شخصية الإنسان!

من حسن الحظ، تقام في مدرستنا ندوات عن التغذية بشكل مستمر؛ مما أحدث تغييرًا في طريقة تفكيري في تغذية الأطفال وعن تأثير الطعام على السلوك عمومًا.

تأثير الطعام على شخصية الإنسان

سمعنا جميعًا منذ نعومة أظافرنا نصيحة أمهاتنا لنا، بأن “العقل السليم في الجسم السليم”. قالت الأمهات هذه النصائح بالفطرة دون دراسة أو علم!

ولكن بعد مرور السنين، أثبتت الدراسات الطبية أن للطعام تأثيرًا كبيرًا في تصرفاتنا وسلوكنا وشخصياتنا، بل وأيضًا في ذكائنا وطريقة تفكيرنا ومشاعرنا.

نعرف جميعًا أن الغذاء الصحي هو الغذاء المتوازن، المحتوي على كافة المجموعات الغذائية والمعادن والفيتامينات. 

كل هذه العناصر تسهم في نمو العقل نموًا سليمًا؛ ومن ثم اكتساب المهارات والقدرات والتحصيل الدراسي الجيد والبنية البدنية القوية.

نستنتج من هذا تأثير الطعام على السلوك؛ فالشخص الذي يستمتع بصحة جيدة تساعده على ممارسة الرياضة، ومستوى عقلي يساعده على تعلم المهارات الجديدة بسرعة وإتقان ، يجد فرصًا أكثر في حياته وينعم بالنجاح أكثر من غيره.

وينعكس تأثير النجاح والشعور بتحقيق الذات والثقة بالنفس على شخصية الإنسان وسلوكه، ومن هنا نفهم تأثير الطعام على شخصية الإنسان.

تأثير الغذاء على السلوك

لا يقتصر تأثير الطعام على شخصية الإنسان وسلوكه على مرحلة الطفولة فقط، لكن يستمر التأثير في شخصياتنا طوال العمر. 

لكن تبقى مرحلة الطفولة أهم مراحل تأثير الغذاء على السلوك.

تمثل السكريات و اللحوم المصنعة أخطر مأكولات على سلوك الأطفال، وأثبتت كافة الدراسات الطبية -كما لاحظ الآباء أنفسهم- التغير الناتج في فرط حركة الطفل وعناده لهم بعد تناول هذه الأطعمة.

إضافة إلى تأثيرها في وزن الطفل واكتسابه السمنة؛ مما يعرضه للمخاطر الصحية والتنمر وقلة الثقة بالنفس.  

وأيضًا للمشكلات الجسدية، مثل: صعوبة الجري وصعود الدرج، وصعوبة النوم ليلًا؛ مما يقلل من تركيزه في اليوم الدراسي التالي.

تحتم هذه النظريات علينا تبني أفكار جديدة فيما يتعلق بتغذيتنا وتغذية أطفالنا، واستبدال هذه السموم بأطعمة صحية تضمن تكوين شخصياتنا ونموها وتطورها على أفضل حال. 

تأثير الغذاء على الحالة النفسية

يختلف تأثير نفس نوع الطعام على الحالة النفسية من شخص لآخر؛ فمثلًا القهوة يمكن أن يحتسيها بعض الأشخاص في أي وقت من اليوم وينعمون بنوم هادئ، بينما يعاني بعض الأشخاص الأرق بسبب فنجان واحد من القهوة بعد الثالثة عصرًا وربما يصابون بالعصبية والتوتر!

ويختلف تأثير الغذاء على الحالة النفسية باختلاف الذكريات؛ فترتبط أكلة معينة في ذاكرتنا بمناسبة سعيدة في طفولتنا، وكلما تناولناها شعرنا بسعادة عارمة.

بينما هناك قواعد غذائية ثابتة فيما يتعلق بتأثير الطعام على شخصية الإنسان من الناحية النفسية؛ وهي نظرية الأطعمة التي تغذي المخ والأطعمة التي تضر بصحته.

فقد صنف الأطباء بعض الأطعمة المحتوية على المعادن والفيتامينات بأنها حيوية لصحة المخ ومن ثم للصحة النفسية، مثل: الخضروات والفاكهة، والمكسرات والبروتين والحبوب الكاملة.

بينما صُنف السكر والدقيق الأبيض واللحوم المصنعة والمواد الحافظة ومكسبات الطعم (مثل الملح الصيني)، على أنهم سموم للمخ ومن مسببات الاكتئاب.

وجد الأطباء أيضًا عَلاقة وثيقة بين نقص بعض العناصر الغذائية -المعادن والفيتامينات- وأعراض الاكتئاب، مثل: حالات نقص الحديد (فقر الدم) ونقص فيتامين د، ونقص حمض الفوليك والأوميجا 3.

كيف يؤثر الطعام على المزاج؟

سمع جميعنا عن هرمون السيروتونين (Serotonin) المعروف بـ “هرمون السعادة”، وهو ناقل عصبي يسبب الشعور بالفرحة وينظم النوم والشهية، ويحسن المزاج ويقلل الشعور بالألم.

لكن الجديد في الأمر هو أن مصدر 95 بالمائة من هرمون السيروتونين يُنتج من الجهاز الهضمي! 

مما يعني أن الجهاز الهضمي لا يتحكم فقط في هضم الطعام وامتصاصه، بل يتحكم أيضًا في مشاعرنا وحالتنا النفسية.

ولنفهم أكثر كيف يؤثر الطعام على المزاج، يجب أن نتعرف إلى مفهوم جديد وهو “البكتيريا النافعة”، وهي بكتيريا تسكن الجهاز الهضمي وتحسن من كفاءة الهضم وكفاءة إفراز السيروتونين.

ويتحكم الغذاء الصحي في نمو البكتيريا النافعة، والعكس صحيح؛ إذ تتسبب المأكولات غير الصحية في انتشار البكتيريا الضارة ونقص عدد البكتيريا النافعة، مما يؤثر سلبًا في كفاءة إفراز السيروتونين والحالة النفسية والمزاج.

وتنقسم الأطعمة الصحية إلى:

١. أطعمة تحتوي على هذه البكتيريا النافعة نفسها، مثل: الزبادي والجبنة القديمة ومخلل الكرنب ومخلل الزيتون. 

٢. أطعمة أخرى تحتوي على ألياف جيدة تغذي البكتيريا النافعة المقيمة داخل الجهاز الهضمي، مثل:

  • البقول: العدس والفول والحمص والترمس واللوبيا. 
  • الحبوب الكاملة: القمح كامل الحبة والشوفان والأرز البني. 
  • الخضروات الورقية: الجرجير والبقدونس والكزبرة. 
  • الفواكه: الموز والفراولة والتوت. 
  • الخضروات: الكرنب والقرنبيط والبنجر والكوسة والفاصوليا الخضراء. 

تحليل الشخصية من طريقة الأكل

تختلف مفضلات كل شخص من الطعام، فبعضنا يفضل لذة الطعم والأكل الدسم والحلويات، وبعضنا يفضل القوام الرشيق واللياقة البدنية.

مما حث علماء النفس على تحليل الشخصية من طريقة الأكل ودراستها، وخرجوا لنا بهذه النظريات التي تفسر تأثير الطعام على شخصية الإنسان:

  • تفضل الشخصيات الباحثة عن الإثارة الطعام الحار والحريف. 

وكان تفسير علم النفس لذلك: تشابه إحساس الطعام الحار بإحساس المغامرة لدى هذه الشخصيات.

  • بينما يميل الأشخاص الودودون -المحبون لإسعاد الغير والعطاء بسخاء- إلى الإفراط في تناول الطعام خصوصًا في وجود رفقة محببة إلى قلوبهم. 

وغالبًا ما تكون أكثر أماكن تنزههم المطاعم وخصوصًا التي تقدم الطعام الدسم.

  • ويميل الأشخاص العاطفيون ومرهفو الحس إلى تناول الوجبات الخفيفة سرًّا؛ إذ يخشى هؤلاء الأشخاص انتقاد الآخرين لسلوكهم الغذائي. 

سواء كانوا يعانون السمنة فيخشون التعليقات السلبية على وزنهم خلال تناولهم الطعام، أو كانوا يعانون النحافة وأيضًا يتجنبون التعليقات السلبية على طريقة أكلهم.

  • يختار الأشخاص المخلصون -ذوو الضمير الحي- الفاكهة والخضروات والطعام الصحي النباتي في أغلب الأوقات. 

ويجد بعضهم مشكلات أخلاقية في ذبح الحيوانات من أجل التغذي عليها.

  • بينما يميل الأشخاص المنفتحون إلى تناول الأطعمة الحيوانية وشرب الكحوليات. 

فيقضون أغلب أوقاتهم خارج منازلهم، ومن ثم يلجؤون إلى مطاعم الوجبات السريعة والأطعمة الغنية بالدهون والسكريات واللحوم المصنعة.

وختامًا…

أود أن أوجه تحية تقدير وإجلال لأمهاتنا اللواتي تنبهن واستنتجن تأثير الطعام على شخصية الإنسان قبل علماء العصر الحديث، وأصروا على اختيار خيارات صحية لنا في طفولتنا وفي شبابنا.

وأتمنى أن يوفقنا الله في اختيار الخيارات الصحية لأطفالنا، ليس فقط فيما يخص الغذاء، بل في كافة نواحي تربيتهم وتنشئتهم.

لكن علينا أن نكون قدوة حسنة في اختياراتنا الغذائية، قبل أن نفرض ذلك على صغارنا.

المصدر
5 Research Findings To Reveal The Connection Between Your Food Choices And Personality TypeNutritional psychiatry: Your brain on foodCAN NUTRITION AFFECT YOUR CHILD’S BEHAVIOR?Effects Of Nutrition On Personality
اظهر المزيد

Marium Romany

طبيبة وأم، أهوى تبسيط العلوم الطبية للقارئ العربي بسلاسة ودقة. أثقل عملي الجامعي من مهارات البحث عن المعلومات الموثقة وشرحها بشكل بسيط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق