مفاهيم ومدارك

ما هو تأثير الفراشة في حاضرنا ومستقبلنا؟

إذا كنت من محبي أفلام السفر عبر الزمن، فربما قد شاهدت فيلم (Back to the Future) من قبل. 

وفيه كان يكافح صبي في سن المراهقة لإجراء تغييرات في الماضي، وذلك لمساعدة والده على استعادة ثقته
المفقودة، والتصدي للتنمر، ومساعدة والدته على التخلص من إدمان الكحول، والوقوع في حب والده مرة أخرى.

قد تبدو فكرة تغيير أحداث بالماضي لتجنب نتائجها في الحاضر نوعًا من الفانتازيا، إلا أنها تشير إلى أن الأشياء
الصغيرة يمكن أن يكون لها تأثير كبير في مستقبلنا، كما أحدث المتنمر تغييرًا جذريًا في حياة والد بطل الرواية.

وترمز نظرية تأثيرُ الفراشة إلى فكرة مماثلة لما سبق، فبالرغم من أنها تستند في الأصل إلى نظرية الفوضى،
وقد كانت نظرية علمية بحتة، إلا أنها اليوم مُدمَجة في علم النفس والتفكير أيضًا.

نظرة تاريخية

قبل ما يقرب من 45 عامًا، طرح عالم الأرصاد الجوية الأمريكي (إدوارد لورنز) سؤالًا: هل تسبب رفرفة أجنحة
الفراشة فوق البرازيل إعصارًا في تكساس؟!

وكان الغرض من سؤاله المثير -كما قال- هو توضيح فكرة أن بعض الأنظمة الديناميكية المعقدة قد تظهر سلوكيات غير متوقَّعة.

لأن الاختلافات الصغيرة في الظروف الأولية يمكن أن تكون لها تأثيرات كبيرة ومتباينة على نتائج تلك الأنظمة،
ولهذا السبب لا يمكن التنبؤ بالنتائج دائمًا. 

جاءت هذه الفكرة في البداية لتوضيح إشكاليات التنبؤ بالطقس، حيث قال (تيموثي بالمر) -عالم فيزياء الغلاف الجوي في جامعة أكسفورد- مشيرًا إلى وصف (لورنز) في عام 1969: “ربما لا يمكن التنبؤ بما يتجاوز أفقًا زمنيًا محددًا،
بصرف النظر عن مدى دِقَّة رصد الظروف الأولية، وإن هذا هو السبب في أنه ​​لا يمكن رصد تنبؤات مفصلة بالطقس أكثر من أسبوعين تقريبًا”.

ثم أصبحت هذه الفكرة فيما بعد أساسًا في علم الرياضيات يُعرَف باسم “نظرية الفوضى”، والذي طُبِّق في سيناريوهات لا حصر لها.

عزيزي القارئ، قد تبدو السطور السابقة معقدة للغاية، وربما قد أعدت قراءتها مرتين أو ثلاثًا على الأقل لتبلغ مقصدها. ولكن مهلًا، لا تنزعج، إليك تفاصيل القصة…

تفاصيل نشأة قصة تأثير الفراشة

عمل (لورنز) على دراسة للتنبؤ طويل المدى بالطقس، وكان يعتقد زملاؤه أنه من الممكن التنبؤ بالطقس لأسابيع أو
شهور، عن طريق البحث في السجل التاريخي لمعرفة ما حدث سابقًا عندما كانت الظروف متشابهة.

كان (لورنز) متشككًا في هذه الفكرة، وجادل زملاءه بأن الغلاف الجوي معقد للغاية، لدرجة أنه لا يكرر نفسه أبدًا،
لذلك من المستحيل العثور على يوم في التاريخ تكون الظروف فيه بالضبط هي نفسها. 

وجاءت اللحظة الفارقة عندما أدخل في البيانات الأولية الرقم 0.506 بدلًا من 0.506127 في جهاز محاكاة
الطقس، ثم ذهب لتناول فنجان من القهوة.

وعندما عاد، رأى أن نتائج المحاكاة قد تباعدت كثيرًا عن النتائج السابقة، وذلك نتيجة لخطأ في التقريب.

أدرك حينها أن خطأه الصغير لم يَعُد صغيرًا كما قد يتوقع البعض، فقد تضخم ذلك الخطأ الضئيل في البيانات الأولية
بمرور الوقت.

افترض (لورنز) أن نماذج التنبؤ بالطقس غير دقيقة، لأن معرفة ظروف البداية أمر مستحيل، ويمكن أن يؤدي تغيير
بسيط إلى اختلاف النتائج.

ولتوضيح المفهوم بلغة أبسط للجمهور، بدأ في استخدام تشبيه الفراشة، حيث يمثل الجناح المرفرف التغيرات الطفيفة
في الضغط الجوي، والفراشة هي تمثيل رمزي لكمية غير معروفة، ويصعب قياسها.

وخلص (لورنز) إلى أن محاولات التنبؤ بالطقس على المدى الطويل كانت مستحيلة في غياب الدقة الحتمية للبيانات، وعدم اكتمال الملاحظات.

نظرية تأثير الفراشة (Butterfly effect)

اخترع (لورنز) هذا المفهوم لتسليط الضوء على أن الأحداث الصغيرة قد تكون لها تأثيرات كبيرة، وضرب مثلًا لتخيل الفكرة.

وأوضح أنه بالطبع فعل واحد -مثل فراشة ترفرف بجناحيها- لا يمكن أن يسبب إعصارًا. ومع ذلك، يمكن للأحداث الصغيرة أن تكون بمثابة محفزات تؤثر في ظروف البدايات.

انتشر ذلك المفهوم -المشار إليه سابقًا- بين الثقافات الشعبية، وعُرِف باسم “نظرية تأثير الفراشة – Butterfly effect“.

واستُخدِم المصطلح للتأكيد على الأهمية الكبيرة للأحداث الدقيقة، وأصبح في النهاية استعارة مستخدَمة في سياقات متنوعة.

تصحيح لمفهوم تأثير الفراشة

تغيَّر مفهوم مصطلح “تأثير الفراشة” في الثقافة العامة، وأصبح مرادفًا لمصطلح “الفاعلية”، أي فكرة الشيء الصغير
الذي له تأثير كبير، وأنه مثل ذراع التحكم، يمكن التلاعب بها لتحقيق الهدف المنشود. 

وهذا يخطئ رؤية (لورنز) الحقيقية، وهي أنه من الصعب رصد تأثير كل الأشياء الصغيرة في النظام المعقد.

ولذلك لا يمكن التنبؤ بمجريات الأمور كما يجب على المدى الطويل، أو لا يمكن التنبؤ بإيقاع الحياة
-مثل دقات الساعة- لأنه ببساطة لا يمكن حساب عدد رفرفات جناح الفراشة.

أمثلة على تأثير الفراشة

قدم (بنجامين فرانكلين) منظورًا شعريًا لمثل موجود منذ القرن الرابع عشر باللغة الإنجليزية، والقرن الثالث عشر باللغة الألمانية، قبل مدة طويلة من تحديد تأثير الفراشة، وجاء فيه:

لعدم وجود مسمار، فقدت الحذاء.

لعدم وجود حذاء، فقدت الحصان.

لعدمِ وجود الحصان، فقدت الفارس.

لعدمِ وجود الفارس، خسرت المعركة.

لعدم وجود معركة، قد فقدت المملكة.

وكل ذلك من أجل الحاجة إلى مِسْمَار حدوة حصان!

قد يكون عدم وجود مِسْمَار حدوة حصان ليس مهمًا، ويمكن أيضًا أن يؤدي -بطريق غير مباشر- إلى خسارة الحرب. إذًا فلا توجَد طريقة للتنبؤ بالنتيجة التي ستحدث. 

ومن أحد الأمثلة على تأثير الفراشة أيضًا:

في أوائل القرن العشرين، تقدم (أدولف هتلر) للالتحاق بمدرسة الفنون الجميلة في فيينا مرتين ورُفض
(على الأرجح من قِبَل أستاذ يهودي)، وأسفر هذا الرفض عن تحوله من فنان بوهيمي طموح إلى تجسيد بشري للشر.

ولا يسعنا إلا التكهن كيف سيكون التاريخ مختلفًا لو كان قد قُبِل في مدرسة الفنون، ونفترض أنه كان يمكن تجنُّب قدر
كبير من المأساة إذا كان (هتلر) قد كرس نفسه للألوان المائية، وليس للإبادة الجماعية.

من هذا المثال، يتضح مدى هشاشة العالم، وكيف يمكن أن تكون تأثيرات الأحداث الصغيرة على ظروف البداية كبيرة للغاية.

تأثير الفراشة في علم النفس

تنطبق نظرية تأثير الفراشة على السلوك البشري إلى حد كبير؛ فهناك الكثير من القرارات الصغيرة التي نكررها
مرارًا وتكرارًا يوميًا، والتي تؤدي بمرور الوقت إلى عواقب وخيمة للغاية.

أمثلة على تأثير الفراشة في علم النفس:

إذا كنت تجبر نفسك على عمل ممل ولكنه مهم، فسوف تصل حتمًا إلى درجة من مقاومة هذا العمل، وستميل إلى التوقف وفعل شيء آخر.

يحدث هذا القرار المصغَّر في جزء من الثانية، فتقرر فتح علامة تبويب فيس بوك، أو تتحقق من هاتفك،
أو تشرد بعض الوقت.

في كل مرة تصل فيها إلى نقطة المقاومة هذه، يكون لديك أيضًا خيار الاستمرار في التركيز.

بغض النظر عن مدى الإقبال على قرارك، فإنك تميل إلى اتخاذ نفس الاختيار في كل مرة، حيث تتحول هذه القرارات
الصغيرة إلى عادات، وهذا القرار الصغير -في هذا الوقت القصير- هو الفرق بين شخص منتج وآخر غير منتج.

مثال آخر:

لنفترض أنك في عملك ذات صباح تدخل المصعد وأنت متوتر قليلًا، خشية أن تتأخر عن الاجتماع. وبينما كانت الأبواب على وشك الإغلاق، فإذا برجل يهرول لركوب المصعد، ويبدو مستعجلًا ومركّزًا مثلك تمامًا.

“هذا الرجل يبدو مألوفًا… أليس هذا هو مسؤول التسويق الجديد الذي استلم العمل الأسبوع الماضي؟! هل أبدأ محادثة معه أم لا؟”.

 سواء فعلت ذلك أو لم تفعل، فلن تترتب على قرارك نتائج جلية. على أي حال، أنت لا تعرف الرجل حقًا، أليس كذلك؟ كما يبدو أنه مشغول في مهامه.

 لكن هذا القرار الصغير، الذي تتخذه في غمضة عين مرارًا وتكرارًا، هو الفرق بين الشخص الخجول والشخص الاجتماعي، وكل منهم له حياة مختلفة تمامًا عن الآخر.

وختامًا، نحن نتخذ قرارات تشبه هذه الفراشة الصغيرة كل يوم، وعادة ما نذهب لنفس الاختيار في كل مرة نواجه فيها قرارًا معينًا. 

خيارك هو عادة، وهذه العادة تحدد شخصيتك وترسم حياتك. فإذا غيرت عادتك، تغيرت شخصيتك بالكامل، وحينها سيترك ذلك انطباعًا دائمًا في بقية حياتك.

ومحاولة دفع نفسك لاتخاذ القرار الآخر -في بعض الأحيان- قد يخضع لتأثير الفراشة.

المصدر
The Butterfly Effect: Everything You Need to Know About This Powerful Mental ModelButterfly effectThe butterfly effect is not what you think it isUnderstanding the Butterfly EffectWhat Does the Butterfly Effect Offer You?Explanation of the Popular Butterfly Effect With Fluent ExamplesThe Behavioral Butterfly Effect
اظهر المزيد

د. مي جمال

صيدلانية ومترجمة وكاتبة محتوى طبي. أحب البحث والتعلم، ولا أدخر جهداً لمشاركة وتبسيط ما تعلمت للآخرين. أعتز بالنفس البشرية، وأهوى البحث في أعماقها، ولا أجد أبلغ من الكلمات للتعبير عنها ومناقشة قضاياها، مساهمةً في نشر الوعي والارتقاء بحياة البشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق