متلازمات

تأثير فورير

رافقت والدي في أثناء زيارته لأحد أصدقائه، ولما جلسنا سويًا وتجاذبنا أطراف الحديث، دُهِشتُ دهشة بالغة لما التقط صديق والدي قصاصة من جريدة مشهورة وبدأ يطالعها باهتمام ملحوظ، وكان سر دهشتي أني رأيت ما في هذه القصاصة، إنه الجزء المخصص للأبراج وتوقعاتها!

سألت نفسي: هل ما زال بعضنا يؤمن بمثل هذه الأشياء في زماننا هذا، زمن انتشار العلم والتكنولوجيا؟! لقد كان يخيل إليَّ أن هذه الأمور قد انقرضت منذ زمن، ولم يَعُد أحد يهتم بها. 

ولما رجعت وبدأت أبحث في هذا الموضوع، برز هذا العنوان: “تأثير فورير”، وفوجئت أن هذه الظاهرة قد نالت حظًا من اهتمام الباحثين ودراستهم، فأحببت أن أشارك معك -أخي القارئ الكريم- بعضًا مما وجدت.

ما هو تأثير فورير؟

ما هو تأثير فورير؟

ينسَب تأثير فورير إلى عالم النفس الأمريكي “برترام فورير” (1914-2000)، ويطلَق عليه أحيانًا “المغالطة في التقييم الشخصي”.

ويعرَف بأنه ظاهرة مبالغة بعض الأفراد في التأكد من بعض الأوصاف الشخصية، وافتراض أنها تنطبق عليهم بشكل كامل، بيد أنها في حقيقة الأمر صفات عامة تنطبق على نطاق واسع من الأشخاص.

ويمكن أن يمدنا تأثير فورير ببعض الأسباب لانسياق كثير من الناس وراء بعض الخرافات، مثل: التنجيم، ودراسة الخطوط، والرجم بالغيب.

أجرى فورير اختبارًا للشخصية لطلابه عام 1948، ثم أعطاهم تحليلًا للشخصية يفترَض أن يعتمد على الاختبار الأول، وطلب منهم تقييم هذا التحليل من 0 إلى 5، 0 يعني أن هذا التحليل لا ينطبق على كل طالب منهم مطلقًا،
و5 يعني أنه ينطبق عليه تمامًا. 

استقى فورير هذا التحليل من عمود الأبراج في إحدى المجلات، واحتوى على بعض الصفات الشخصية، منها أنك:

  • تحتاج إلى حب الآخرين وتقديرهم، ولهذا فأنت تميل إلى انتقاد ذاتك.
  • لديك بعض القصور في شخصيتك وتجتهد في إصلاحه، ولديك قدرات لم تستفد منها بعد.
  • تبدو -ظاهريًا- متحكمًا في نفسك، لكنك في قرارة نفسك على النقيض من ذلك.
  • تتساءل أحيانًا إن كنت قد وُفِّقت في قرارتك، تحب التغيير، ولا ترضى بالقيود والحدود.
  • تفخر باستقلاليتك، ولا ترضى بإملاءات الآخرين إلا عن قناعة منك، ولا ترغب أن تكون كتابًا مفتوحًا للغير.
  • تارة تكون منفتحًا، وتارة أخرى منطويًا، طموحاتك أحيانًا جامحة وغير واقعية.

تقاربت إجابات الطلاب بشدة، وكان متوسط التقييم 4.26، مما أضفى على الدراسة مصداقية ونجاحًا عظيمين،
على الرغم من أن جميع الطلاب خضعوا لنفس التحليل.

اقرأ المزيد من الاختبارات النفسية.

ويستخدَم تأثير فورير بكثرة في العديد من المطبوعات لجذب قرائها إلى تصديق المنجمين، والإيمان بقدرتهم على التنبؤ بالمستقبل.

وقد اكتشفت الدراسات مؤخرًا أن الأشخاص محل الدراسة تزيد ثقتهم في دقة هذا التحليل عندما يعتقدون أن التحليل
ينطبق عليهم دون غيرهم، وعندما يقتنعون بحكم القائم به، وعندما يحتوي غالبًا على صفات إيجابية.

تأثير بارنوم

تأثير بارنوم

يكاد يتطابق تمامًا مع تأثير فورير، ويُنسَب إلى “فينياس تايلور بارنوم” (1810-1891)، صاحب المقولة الشهيرة:
“لدينا شيء ما لكل شخص”، ويعزى إليه أيضًا: “يولد مغفل كل دقيقة”، وهو منظِّم عروض، وسياسي، ورجل أعمال أمريكي.

ويمكننا أن نلاحظ أمثلة كثيرة من حولنا على تأثير بارنوم؛ فعندما ترى اهتمام بعض الناس بمطالعة عمود الأبراج في الصحف اليومية، وترى أحدهم مشدوهًا من دقة أوصافها ومدى تطابقها مع واقع حياته، مع علمه التام بأنها كتبَت
بشكل فضفاض غامض لتستهوي الكثير من الناس، عن طريق إعطاء سمات شخصية عامة بطريقة تبدو وكأنها تصف شخصًا بعينه.

وعدد الأبراج المعروفة عالميًا التي نراها دائمًا في أعمدة الأبراج اثنا عشر برجًا، وهي الحَمَل، والثور، والجَوْزاء،
والسرطان، والأسد، والعذراء، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت.

وبمعرفة مكان وتاريخ الميلاد، يمكن لأي شخص أن يكون ضمن أي من هذه الأبراج.

وتختلف هذه الأبراج في محتواها، إلا أنها تعطي أوصافًا عامة لبعض أنواع الشخصيات، وتتنبأ بما يحدث
في المستقبل في كل مجالات الحياة.

ويلاحَظ تأثير بارنوم أيضًا في أعمال السحرة، وقارئي الطالع، والوسطاء الروحيين، وما يشاهَد من تكالب جماهير غفيرة عليهم، وانجرافهم في ظلمات الجهل والخرافات.

ويظهر تأثير بارنوم كذلك في بعض الأنشطة والصناعات، كالشركات الرقمية، مثل: نيتفليكس، وسبوتفاي، وفيس بوك.

تعتمد هذه الشركات بعض تقنيات الذكاء الصناعي التي تزيد من جودة منتجاتها، ودقة مقترحاتها،
وتجعلها تبدو موجهة بشكل أدق للمستخدمين، مثل قائمة الأفلام أو مقاطع الموسيقى المفضلة لكل مستخدم. 

ومن الأمثلة الواضحة التي يتجلى فيها استخدام تأثير بارنوم -أو تأثير فورير- بشكل صارخ الحملات الإعلانية للشركات التجارية الكبرى.

ومنها الدعاية التي ترافق اقتحامهم أسواقًا تجارية جديدة، والتي تؤدي إلى خلق علاقة قوية بين الشركة وعملائها،
وتشعِرهم بمدى ملائمة منتجاتها لاحتياجاتهم وتطلعاتهم، مما ينعكس بشكل إيجابي على القوة السوقية لهذه المنتجات،
وولاء العملاء الشديد لها.

ولا تزال الشركات التجارية تبدع وتبتكر أساليب جديدة ومدروسة لمواصلة غزو عقول العملاء، وإغراقهم بالتطويرات والتحديثات المستمرة على منتجاتها.

وهذا الأمر واضح وملموس للجميع؛ فها نحن نرى تسابق الجماهير إلى اقتناء النسخ الأولى من الهواتف الذكية والأجهزة الإلكترونية فور الإعلان عنها، والتسارع إلى اقتناء الطرازات الحديثة من السيارات وقت الكشف عنها،
وربما يدفعون فيها أثمانًا أغلى من قيمتها الأساسية لمجرد التباهي والتفاخر وإرضاء الذات وإخفاء الشعور بالنقص!

اقرأ المزيد عن سلوك المستهلك.

(Barnum effect)

يؤدي عدم القدرة على التفريق بين ما هو عام وما هو موجَّه بشكل شخصي -سواء من ملاحظات، أو محتوى،
أو منتجات- إلى اتخاذ قرارات غير صائبة، سواء على المستوى الشخصي أو المهني، نتيجة لتجاهل تأثير بارنوم.

ويمكن للسذاجة وحسن النية أن يتسببان بأخطاء فادحة تؤثر في مستقبل الشخص وحياته.

ويرجع السبب في ذلك إلى أن تأثير بارنوم إنما هو عبارة عن انحياز معرفي، يحدث عندما يفترض الشخص صحة أي معلومات بناء على اعتبارات شخصية، إذ يحاول -لا شعوريًا- الربط بين أشياء أو أحداث لا علاقة لها ببعضها.

إضافة إلى حب الشخص للمدح وثناء الناس عليه، ووصفه بصفات حسنة، وتصديق ذلك حتى وإن لم يكن ذلك دقيقًا،
ورفض النقد وإن كان بناءً.

ويلعب الوعي والتيقظ دورًا حاسمًا في الوقاية من الوقوع في مثل هذه الخدع، حتى وإن كان البعض يستمتع أحيانًا بمطالعة الأبراج وتوقعاتها، إلا أن إدراكه لتأثير بارنوم -أو تأثير فورير- قد يحميه من الوقوع في أخطاء ساذجة،
ويساعده على اتخاذ قرارات مدروسة مبنية على أُسس قوية واضحة، ليست نابعة عن هوى أو جهل وعدم انتباه، سواء على مستوى الأفراد أو الشركات أو المنظمات.

وفي الختام… يجب أن ننوه على أهمية الدور الإيماني والعقدي في هذه الأمور، حيث إن الدين الحنيف أوصانا بصدق التوكل على الله، والاعتصام بحبله المتين، وعدم الالتفات إلى الخرافات، والتجرد من الهوى وحب الظهور،
و كذلك فقد أوصانا ديننا بالتفاؤل، والإيمان بالقضاء والقدر.

قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّه﴾، وقال النبي ﷺ: “مَنْ أتى عرافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أُنزِل على محمد“.

المصدر
Forer effectWhy do we believe our horoscopes?
اظهر المزيد

Mohammed Saad

صيدلي ومترجم طبي وكاتب محتوى طبي، أسعى إلى تبسيط وإثراء المحتوى العلمي العربي؛ لإلسهام في نشر الوعي والثقافة الطبية في العالم العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق