تجارب نفسية

تأثير هوثورن | لَمْ أتغير، ولكنك تراقبني!

أدركت في صباح هذا اليوم أن غدًا هو موعد تسليم مشروعي، لا أعلم كيف مَرَّ كل هذا الوقت؛ فقد كانت لدي مهلة لمدة أسبوع كامل. يتكرر معي هذا الأمر كثيرًا، ولا أعلم لماذا يحدث ذلك؟!

أخبر نفسي بعد انتهاء كل مشروع أنني لن أسمح لهذا الوضع أن يحدث مرة أخرى، ولكنني أجد نفسي أواجه هذه المشكلة مجددًا!

أدرك هذا التأخير فقط عند التحدث مع مديري، وعندما يخبرني بالوقت المتبقي للتسليم. ومن الجدير بالذكر أنني أعلم الوقت جيدًا، ولكن لماذا بعد هذه المحادثة تحديدًا أبدأ في العمل سريعًا؟!

سوف نتعرف في هذا المقال على تأثير هوثورن، وهل توجد عَلاقة بين تعرض الأشخاص للمراقبة وزيادة إنتاجيتهم؟

ما هو تأثير هوثورن (Hawthorne effect)؟

يشير هذا المصطلح إلى قدرة الأشخاص على العمل بجهد أكبر عندما يكونون تحت المراقبة، أو عند إدراكهم أنهم جزء من تجرِبة عملية.

ذُكِر هذا المصطلح في العديد من كتب علم النفس، خاصة تلك الكتب التي تهتم بتأثير العوامل الخارجية على بيئة العمل.

مراحل تجرِبة هوثورن

تعتمد هذه التجربة على 5 مراحل:

1- قياس معدل الإضاءة.

2- قياس المعدل الطبيعي لإنتاج هذه المجموعة دون أي تغيرات خارجية.

3- قياس معدل الإنتاج بعد تغيير مستوى الإضاءة.

4- تدوين الملاحظات.

5- إجراء المقابلات مع العمال.

تاريخ تجارب هوثورن

أُجرِيَت بعض التجارِب بين عامي 1920-1930 -في شركة كهرباء تُسمَّى (Hawthorne works)- بهدف معرفة إن كانت هناك عَلاقة بين إنتاجية العمال وتأثير بعض العوامل الخارجية، مثل:

  • تغيير بيئة العمل.
  • فترات الراحة.
  • مستوى الإضاءة.

تُعَدُّ تجرِبة تغيير مستوى الإضاءة أشهر تجرِبة في هذه المدّة؛ اعتمد الباحثون على تخفيض مستوى الإضاءة إلى ضوء الشموع، وبعد ذلك لاحظوا زيادة في معدل إنتاجية العمال بسبب هذا التغيير، وأطلق الباحثون على هذه النتيجة مصطلح “تأثير هوثورن”.

اعتمد العلماء هذه النتائج لمدة قصيرة، ولكن كانت المفاجأة أن هذا التحسن في معدل الإنتاج لم يستمر، وانتهى مع نهاية التجربة.

استنتج العلماء في النهاية أن هذا التحسن لم يكن بسبب التغير في العوامل الخارجية، ولكن السبب هو إدراك العمال أنهم تحت المراقبة.

آراء العمال في تأثير هوثورن

آراء العمال في تأثير هوثورن

أراد الباحثون إجراء مقابلة مع العمال الذين شاركوا في التجربة، ومعرفة رأيهم في تأثير هوثورن، والنتائج التي توصلوا إليها.

كان رأي العمال مفاجئًا للباحثين على عكس كل التوقعات؛ كان رأيهم أن زيادة الإنتاج بفضل العلاقات الجيدة بينهم، والتي ساهمت في تحسين حالتهم النفسية، فتمكنوا من العمل بجهد أكبر دون الشعور بالإرهاق.

وجد الباحثون هذا السبب منطقيًا جدا، وساهمت هذه النتيجة غير المتوقعة في ظهور فرع جديد من علم النفس، وهو علم النفس التنظيمي؛ يختص هذا الفرع بالبحث عن أثر العلاقات الاجتماعية في بيئة العمل على إنتاجية الفرد.

انتهت هذه المقابلة، ولم يجد الباحثون إجابة لذلك السؤال: “هل كان للانتباه دور في زيادة الإنتاج؟”.

نتائج تجارب هوثورن

تطور مفهوم تأثير هوثورن بعد إجراء العديد من التجارِب، وتوصل العلماء إلى بعض النتائج المهمة، مثل:

  • العمل نشاط جماعي.
  • الحاجة للتقدير والانتماء أهم من المراقبة، لأن ذلك يساهم في تحسين الحالة النفسية للموظفين.
  • التعاون في العمل لا يأتي بواسطة الصدفة؛ ولكن يجب التخطيط له.
  • العلاقات الاجتماعية الجيدة في بيئة العمل تساهم في رفع معدل الإنتاج.
  • وضع القيود الصارمة على العمال يقلل من رغبتهم في الإنجاز.
  • إعطاء فترات راحة كافية حتى تتمكن الشركة من كسب ثقة العمال وتعاونهم.

حقيقة وجود تأثير هوثورن

اكتشف العالِم (هنري ماكلفاين) -في عام 1970- بعض المشاكل الهامة التي تم تجاهُلها، مثل:

  • كانت غرفة التجربة أصغر حجمًا، وأكثر هدوءًا من مكان العمل المعتاد.
  • كانت الحالة النفسية للعمال جيدة.
  • كان المشرفون ودودين ومتسامحين خلال مدة التجربة.
  • استمرت التجربة لمدة قصيرة، وكان سلوك العمال نوعًا من تغيير الروتين.

يُعَدُّ أكثر العوامل تأثيرًا هو العامل المادي؛ فقد حصل العمال المشاركون في التجربة على مكافأة مادية مقابل مشاركتهم.

تُعَدُّ هذه المكافأة تأثيرًا تحفيزيًا للأشخاص حتى تزداد قدرتهم على الإنتاج، هذا التأثير معروف حاليًا في علم السلوك، ولكنه لم يكن معروفًا في مدة العشرينيات.

استنتج العالم (هنري) -بواسطة هذه المشاكل- أن تجرِبة هوثورن لم تكن دقيقة.

تأثير هوثورن وشعور الانتماء

تعتمد بعض الشركات على أسلوب مراقبة العمال حتى يتحسن معدل الإنتاج، ولكن هذا الأسلوب يكون مرهِقا للعامل وللمدير أيضًا، وأثبتت الأبحاث أن هذه الشركات لا تستطيع الحفاظ على زيادة معدل الإنتاج بهذه الطريقة.

يُوجَد تفسير آخر لتأثير هوثورن وهو الشعور بالانتماء؛ عندما يقضي الشخص وقتًا طويلًا في بيئة عمل جيدة، يتكون لديه هذا الشعور، ويَعُد نفسه جزءًا من الفريق، ويجد أن نجاح هذا الفريق واجب عليه، دون الحاجة إلى المراقبة المستمرة.

هل يمكن تطبيق تأثير هوثورن في مجال التعليم؟

تطبيق تأثير هوثورن في مجال التعليم

يتعامل بعض الأطفال بعنف مع زملائهم في المدرسة، ويواجه المعلمون صعوبة في السيطرة على هؤلاء الأطفال.

تقرر إدارة المدرسة معاقبة هؤلاء الطلاب عن طريق الفصل، أو الاستبعاد من الأنشطة المدرسية، ولكن غالبًا ما تكون نتيجة العقاب عكس التوقعات. لاحظ المعلمون أن سلوك الطلاب العنيف يزداد مع العقاب أو التجاهل.

حاول الباحثون تجرِبة تأثير هوثورن الإيجابي بواسطة الاهتمام بالطفل المشاغب، ووضع خُطَّة مع الأسرة لتعديل سلوك الطفل ودمجه في الأنشطة، وكانت نتائج هذا الاهتمام أفضل من العقاب المدرسي.

تأثير هوثورن في مجال إدارة الأعمال

تستخدم الشركات حاليًا العديد من الأساليب حتى ترفع من معدل الإنتاج وكفاءة العمال، ومن ضمن هذه الأساليب تأثير هوثورن.

يستطيع المديرون استخدام هذا التأثير بواسطة بعض الخطوات، مثل:

  • الشعور بالقيمة

يرغب أي موظف في الشعور بالتقدير، بصرف النظر عن العصر الذي يعيش فيه. عندما ننظر إلى نتائج هذه التجربة، نجد أن الاهتمام الإيجابي بالموظف يحفزه على العمل بجهد أكبر.

  • المناقشة

تجرب بعض الشركات إستراتيجية مناقشة التغيرات مع الموظفين قبل تنفيذها، وأثبتت هذه المحاولات نجاح تأثير هوثورن في زيادة كفاءة الإنتاج.

  • الاستماع

تُعَدُّ هذه الطريقة ناجحة جدًا في كسب ثقة الموظف، وقد اعتمدت بعض الشركات على أسلوب الاستماع لأفكار وحلول الموظفين الأحدث سنًا، فالاستماع للشخص والعمل على حل المشكلات التي يمُرُّ بها سوف يساهمان في شعوره بأنه جزء من الفريق، وأن أي نجاح تحققه الشركة هو نجاح له شخصيًا.

  • المراقبة

تحمل هذه الكلمة العديد من المعاني؛ فمن الممكن أن تراقب شخصًا بهدف انتقاد الأخطاء التي يفعلها، وهنا تأتي النتائج سلبية حيث يكره أغلب الأشخاص هذا الأسلوب.

تُوجَد طريقة أخرى للمراقبة، وهي الانتباه للعمل الجيد وتقديره. وهنا، تؤدي المراقبة إلى نتائج رائعة.

تساهم العديد من التأثيرات النفسية -مثل تأثير هوثورن- في تحسين الحالة النفسية والجسدية للفرد، دون الحاجة إلى أي تغيرات خارجية.

يجب ألا يتجاهل مكان العمل الحالة النفسية للموظف، ويجب علينا أن ندرك أهمية تقدير المجهود الذي يبذله الفرد؛ فهذا التقدير الذي لا يكلف شيئًا يمَكِّن الشخص من زيادة قدرته على الإنتاج، ويخفف من شعوره بالإرهاق.

المصدر
Hawthorne Effect (Observer Effect): Definition & HistoryThe ‘Hawthorne Effect’ in the modern workplaceSystematic review of the Hawthorne effect: New concepts are needed to study research participation effects☆
اظهر المزيد

د. راشيل نادي

صيدلانية وكاتبة محتوى طبي. هدفي أن يصل العلم بشكل غير معقد لمن يريد المعرفة، أثق أن الكتابة ليست مجرد موهبة ولكنها شغف نستطيع به أن نصل لعقول الآخرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق