تجارب نفسية

تجربة ألبرت الصغير – Little Albert Experiment

قبل أكثر من مئتي عام، توصَّل العالِم الروسي (إيفان بافلوف) إلى نظرية الاشتراط الكلاسيكي، والتي كانت بمثابة حجر أساس لكثير من الأبحاث والدراسات الأخرى لفهم السلوك الإنساني.  

وقد آمن بنظرية بافلوف الكثير من علماء النفس، مثل العالِم “جون واتسون – John Watson” صاحب تجربة ألبرت الصغير، التي هي موضوع مقالنا اليوم. 

لذا -عزيزي القارئ- إذا كانت هذه هي مَرَّتك الأولى التي تسمع فيها عن العالِم واتسون وتجربته، أو كنت قد سمعت
عنهما بالفعل وتريد معرفة المزيد، فرافقنا عبر سطور هذا المقال. 

أولًا…

ما هي نظرية الاشتراط الكلاسيكي؟ 

قبل أن نتطرق إلى تجربة ألبرت الصغير، يجب أن نلقي نظرة أولًا على نظرية الاشتراط الكلاسيكي.
وهي النظرية التي أُجرِيَت تجربة الطفل ألبرت من أجل إثباتها. 

توصَّل العالِم بافلوف إلى هذه النظرية عندما كان يُجرِي تجارب على الكلاب، وخلص إلى أن عملية تعلُّم سلوك ما يمكن أن تحدث عن طريق ما يُسمَّى بـ”الارتباط الشرطي”؛ ويعني -أي الارتباط الشرطي- إقران الاستجابة بمحفز ثابت. 

ونظرًا لأن تلك النظرية قد بُنِيَت على نتيجة تجارب أُجرِيَت على الحيوانات، عارضها بعض العلماء ورفضوا تطبيقها على عملية تعلُّم واكتساب السلوك البشري. 

إلَّا أنَّ آخرين -ومنهم واتسون- آمنوا بها إيمانًا شديدًا، وكرَّسوا حياتهم من أجل إثبات صحة تطبيقها على السلوك الإنساني. 

من هو جون واتسون؟ 

من هو جون واتسون؟

 عالِم نفس أمريكي، وُلِد عام 1878، وهو مؤسس علم النفس السلوكي (Behaviorism).

ترعرع في ولاية كارولاينا الجنوبية، وعانى بعض المشاكل السلوكية في فترة مراهقته، كما كان أداؤه الدراسي ضعيفًا. ومع ذلك، استطاع -بمساعدة والدته- الالتحاق بجامعة ولاية كارولاينا، وأبلى فيها بلاءً حسنًا، حتى أنه حصل على درجة الماجستير وعمره 21 عامًا فقط. 

بعد ذلك، التحق بجامعة شيكاغو لدراسة علم النفس. وفي تلك الفترة، بدأت أفكاره حول علم النفس السلوكي في التبلور. 

تأثر كثيرًا بأفكار العالِم بافلوف، واعتمد على نظريته بشكل أساسي في تفسير جميع أوجه السلوك الإنساني. 

ومن أقواله المشهورة: “أعطني اثني عشر رضيعًا أصحاء وسليمي البنية، ووفر لي عالمي الخاص لتربيتهم، وسأضمن لكم تدريب أي منهم لكي يصبح مختصًا في المجال الذي أختاره، ربما أجعله طبيبًا أو محاميًا أو فنانًا أو تاجرًا، أو ربما حتى أجعله متسولًا أو لصًا، بغض النظر عن ميوله وقدراته ومواهبه وعرق أسلافه”.

ومقولته هذه إنما هي نتاج إيمانه التام بأن جميع سلوكات البشر يمكن برمجتها بناءً على نظرية الاشتراط الكلاسيكي. 

وقد أجرى واتسون تجربة ألبرت الصغير لإثبات ذلك. 

تجربة ألبرت الصغير – Little Albert Experiment

أُجرِيَت هذه التجربة بواسطة العالِم واتسون وطالبته “روزالي رينر- Rosalie Rayner”، وأراد واتسون من خلالها إثبات أن ردود الفعل العاطفية لدى البشر يمكن برمجتها عن طريق الارتباط الشرطي، كما فعل بافلوف في تجربته من قبل. 

أُجرِيَت التجربة على طفل رضيع عمره 9 أشهر فقط، وقد أطلق عليه واتسون ورينر اسم “ألبرت بي – Albert B”، لكنه عُرِف فيما بعد باسم “ألبرت الصغير”. 

خطوات التجربة 

في البداية، عَرَّض واتسون ورينر الصغير ألبرت لبعض الأشياء الطبيعية في البيئة المحيطة، مثل:

  • فأر أبيض.
  • أرنب.
  • قرد.
  • أقنعة.
  • جرائد محترقة. 
  • أشياء أخرى. 

وسجلوا رد فعل ألبرت الصغير تجاه كل منهم. 

لم يشعر الصغير في البداية بأي خوف تجاه هذه الأشياء. 

بعد ذلك، عرض واتسون على الطفل ألبرت الفأر الأبيض مرة أخرى.

ولكن هذه المرة كان مصحوبًا بضوضاء شديدة، أحدثها واتسون عن طريق ضرب بعض الأنابيب المعدنية بمطرقة.

كرد فعل طبيعي على الضوضاء، بدأ ألبرت الصغير في البكاء عند سماعها. 

ظلَّ واتسون يعرض الفأر الأبيض على ألبرت الصغير مصحوبًا بالضوضاء فترة من الوقت، حتى أصبح الصغير يتوقع في كل مرة يرى فيها الفأر حدوث الضوضاء ويبدأ في البكاء. 

بعد فترة، أصبح ألبرت الصغير يبكي بمجرد رؤيته الفأر الأبيض، حتى بدون حدوث الضوضاء. 

بعد حوالي خمسة أيام من التجربة، لاحظ واتسون ورينر أن ألبرت الصغير قد نشأت لديه فوبيا من أشياء عامة أخرى، مثل:

  • كلب العائلة.
  • معطف “رينر” المصنوع من الفرو.
  • القطن. 
  • قناع “سانتا كلوز” وذقنه البيضاء. 

وقد خلصا بعد تجربتهما هذه إلى أن الإنسان يمكن أن تتولد لديه سلوكات ومشاعر -لم تكن موجودة من قبل- عن طريق الارتباط الشرطي.

فألبرت الصغير لم يكن يخشى الفأر الأبيض في بداية التجربة، ولكن في نهايتها تولدت لديه فوبيا شديدة ليست من الفأر الأبيض فقط، بل تقريبًا من كل الأشياء الأخرى القريبة منه في الشكل والملمس واللون. 

نقد تجربة ألبرت الصغير من الناحية الأخلاقية

على الرغم من شهرة تجربة ألبرت الصغير (Little Albert Experiment) في مجال علم النفس.
إلا أن الكثيرين رفضوها من الناحية الأخلاقية؛ فقد تسببت في إيذاء الصغير ألبرت نفسيًا، وولدت لديه خوفًا شديدًا لم يكن موجودًا من قبل تجاه أشياء عادية في بيئته.

حتى اعتقد كثيرون أنه لو كان واتسون يعيش في القرن الواحد والعشرين، لما سُمِح له -ولا لغيره- بإجراء مثل هذه التجربة. 

نقد تجربة ألبرت الصغير من الناحية العلمية

انتقد بعض العلماء التجربة، وقالوا أنها معيبة في خطواتها، وفي طريقة تحليل نتائجها. لذا، لا يمكن الاعتماد عليها لإثبات الاشتراط الكلاسيكي عند البشر. 

ومن أسباب اعتراضهم ما يلي:

  • لم يكن لدى واتسون ورينر معايير موضوعية لتحليل ردود أفعال ألبرت الصغير، واعتمدوا فقط على تفسيراتهم وتحليلاتهم الشخصية، وهذا مخالف لقواعد إجراء التجارب العلمية. 
  • ليس هناك دليل واضح على أن ما تَولَّد لدى ألبرت الصغير هي فوبيا حقيقية، وليست مجرد مشاعر خوف عادية وانتهت بانتهاء التجربة. 
  • لا يمكن تعميم ما حدث لألبرت الصغير، وافتراض أنه سيحدث لبقية الأطفال إذا وُضِعوا في نفس الظروف.
  • لم تذكر التجربة معلومات كافية حول الحالة الصحية والعقلية لألبرت الصغير، ولا عن البيئة التي أتى منها.
    فكل تلك الأمور قد تؤثر في ردة فعله، وبالتالي في نتائج التجربة. 
  • أهمل الباحثان الجانب المعرفي في تحليل السلوك الإنساني؛ فرَدُّ الفعل البشري تجاه أي شيء هو نتاج عملية معقدة من التفكير في طبيعة هذا الشيء وقدرته على التأثير، وليس مجرد رد فعل أوتوماتيكي يمكن برمجته. 

ماذا حدث لـ”ألبرت الصغير” بعد ذلك؟ 

شغل هذا الأمر الوسط البحثي لسنوات طويلة؛ فقد أراد كثيرون معرفة ما حدث للطفل ألبرت بعد ذلك، وهل أثرت عليه التجربة في حياته الحقيقية أم لا. 

في الحقيقة، ظل الأمر غامضًا لسنوات، حتى تمكَّن حديثًا اثنان من الباحثين من نشر دراستهما التي استمرت سبع سنوات، والتي حاولا فيها تتبُّع ما حدث لألبرت الصغير. 

اكتشف الباحثان أن القصة لم تنتهِ نهاية سعيدة؛ فقد تُوفِّي الصغير ألبرت وعمره ست سنوات فقط، نتيجة لتراكم السوائل حول مخه، وكان اسمه الحقيقي (دوجلاس ميريت – Douglas Merritte)، وقد عانى هذه المشكلة المرضية منذ ولادته.

وساقا دليلًا واضحًا على أن واتسون كان على علم بحالة الطفل المرضية، ورغم ذلك أجرى عليه التجربة.
وهذا لا يشكك فقط في مصداقية واتسون الأخلاقية، بل يدحض نتائج التجربة من الأساس. 

جدير بالذكر أنه بعد ظهور هذه الدراسة بعامين، شكك باحثون آخرون في دقتها، وقالوا أن ألبرت الصغير كان طفلًا آخَر وُلِد -بنفس اليوم- في نفس المستشفى التي وُلِد بها دوجلاس، وكان صحيحًا تمامًا. 

سواء هذا أو ذاك، فمن الواضح أن تجربة ألبرت الصغير -رغم شهرتها الشديدة- لم تكن بالدقة الكافية لوصف وتحليل السلوك الإنساني، والذي هو أعقد من أن تحلِّله تجربة واحدة مهما بلغت مصداقيتها. 

المصدر
The Little Albert Experiment Behaviorism Classical Conditioning Little Albert The Little Albert ExperimentJohn WatsonClassical Conditioning
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق