تجارب نفسية

تجربة الدمية بوبو – Bobo Doll Experiment

هل تساعد مشاهد العنف التي يتلقاها الصغار -عبر شاشات التلفاز ومن خلال الألعاب الإلكترونية– في نشأة السلوك العدواني لديهم؟! 

أكاد أجزم أن هذا التساؤل يشغل بال كل أب وأم، بل وكل معلم ومُرَبٍّ في أيامنا هذه. 

لكن هل تعلم أن هذا الأمر ليس بجديد؟

فقد شغل أذهان المجتمع منذ أكثر من خمسين عامًا، حتى إن بعض علماء النفس أجروا تجارب لدراسة إمكانية تعلُّم الأطفال العنف والعدوان، من خلال مشاهدتهم وتقليدهم لسلوكات الكبار والبالغين.

تجربة الدمية بوبو -موضوع مقالنا اليوم- هي إحدى التجارب الشهيرة، وقد أجراها العالِم “ألبرت باندورا” لإثبات ذلك. 

لذا، ندعوك -عزيزي القارئ- لمرافقتنا عبر سطور هذا المقال، لمعرفة المزيد عن هذه التجربة، وعن خطواتها ونتائجها، والتوصيات التي خرجت بها. 

أولًا…

مَنْ هو العالِم (باندورا)؟

(ألبرت باندورا) هو عالِم نفس كندي، وُلِد عام 1925 في مدينة صغيرة بالقرب من مدينة (إدمنتون) الكندية.

التحق بجامعة (بريتش كولومبيا)، وكان في بداية الأمر يدرس العلوم البيولوجية، ثم تحول -بمحض الصدفة- لدراسة علم النفس، الذي وجد فيه ضالته وشغفه. 

بعد تخرُّجه من جامعة (بريتش كولومبيا)، التحق بجامعة (آيوا) الأمريكية، وحصل منها على درجتي الماجستير والدكتوراه في مجال علم النفس السريري. ثم انتقل للعمل بجامعة (ستانفورد) بعد ذلك. 

اشتهر (باندورا) بنظريته حول التعلم المجتمعي، ومفهوم الفعالية الذاتية، وبتجربة الدمية بوبو الشهيرة.

وقد صنفته دراسة ضمن أكثر أربعة علماء نفس مؤثرين في القرن العشرين. 

تجربة الدمية بوبو – Bobo Doll Experiment

تجربة الدمية بوبو

أُجرِيَت هذه التجربة -في جامعة (ستانفورد)، عام 1961- بواسطة العالِم (باندورا) ومجموعة من الباحثين. وكان الغرض الأساسي منها دراسة إمكانية تعلُّم السلوك الاجتماعي عن طريق الملاحظة (Observational Learning).

وقد أُجرِيَت على مجموعة من الأطفال، تتراوح أعمارهم بين 3-6 سنوات.

وكان السؤال الرئيسي الذي طرحته التجربة -وحاولت الإجابة عنه- هو: هل العنف سلوك مكتسب؟ أو -بمعنى آخر- هل سيتعلم الأطفال السلوك العدواني من خلال مشاهدة ممارسات البالغين للعنف، ومحاولة محاكاتها؟  

هذا ما سنعرفه في السطور القادمة. 

وَصْف الدمية بوبو

هي دمية بلاستيكية قابلة للنفخ، يتراوح طولها بين متر ومتر ونصف، لُوِّنَت لتشبه شكل الشخصيات الكارتونية المحببة للأطفال.

وقد وُضِع ثِقَل ما في قاعدتها، ليسمح بعودتها إلى الوضع القائم مرة أخرى بعد ضربها وإسقاطها أرضًا. 

خطوات التجربة

خضع لهذه التجربة 36 ولدًا و36 بنتًا.

في البداية، راقب الباحثون الأطفال قبل التجربة لعدة أيام، ثم سجلوا ملاحظاتهم حول درجة السلوك العدواني الطبيعية، التي يمارسها كل طفل في حياته اليومية، عن طريق أربعة مقاييس مخصصة لذلك. 

جدير بالذكر أن مراقَبة الأطفال نُفِّذَت بواسطة اثنين من الباحثين، كل على حدة، وقد جاءت ملاحظاتهما متقاربة بدرجة كبيرة. 

بعد ذلك، قُسِّم الأطفال إلى ثلاث مجموعات:

  • مجموعة النموذج العدواني، والتي ستشاهد فيما بعد ممارسة البالغين للعنف تجاه الدمية. 
  • مجموعة النموذج غير العدواني، والتي لن تشاهد عنفًا من البالغين تجاه الدمية.
  • المجموعة الضابطة، وهذه لن تشاهد الدمية على الإطلاق. 

ووُضِع الأطفال المتقاربون في درجة عدوانيتهم الطبيعية سويًا في نفس المجموعة. 

المرحلة الأولى: النمذجة 

في البداية، دخل أطفال كل مجموعة إلى غرفة التجربة، كل طفل على حدة. 

وجلسوا لمدة 10 دقائق في أحد أركان الغرفة، يلعبون ببعض ألعاب التفكير ويرسمون ويلونون. 

بعد ذلك، انتقل الأطفال إلى ركن آخر من الغرفة به الدمية بوبو.

كان كل طفل في مجموعة النموذج العدواني يشاهد رجلًا -أو امرأة- يضرب الدمية بوبو بعنف شديد، وأحيانًا يرفعها في الهواء ثم يلقيها أرضًا. 

لم يكن العنف الممارَس تجاه الدمية عنفًا بدنيًا فقط؛ بل كان لفظيًا أيضًا، حيث تعمَّد ضارب الدمية -سواء كان رجلًا أو امرأة- إلى قول بعض العبارات المسيئة في أثناء ضرب الدمية. 

أما بالنسبة لمجموعة النموذج غير العدواني، فقد ظلت الدمية موضوعة في أحد أركان الغرفة، لكن لم يتعرض لها أحد بأي سوء، بينما لعب الأطفال بألعاب التفكير والصور لفترة من الوقت، ثم خرجوا. 

المرحلة الثانية: إثارة العدوانية

في هذه المرحلة، عمد الباحثون إلى إثارة غضب الأطفال وحنقهم قليلًا، بما فيهم أطفال المجموعة الضابطة. 

فبعد أن دخل كل طفل على حدة إلى غرفة الألعاب، وبدأ في اللعب وتحمَّس له، جاء إليه أحد البالغين، وأخبره أن هذه الألعاب ملكه -أي ذاك البالغ- وقد قرر أن يحتفظ بها لطفل آخر، ويجب عليه أن يتوقف عن اللعب بها فورًا. 

المرحلة الثالثة: اختبار المحاكاة المتأخرة

بعد ذلك، دخل الأطفال إلى غرفة مجاورة بها ألعاب أخرى، بعضها كانت ألعابًا عدوانية، وبعضها ألعاب غير عدوانية. 

تتضمن الألعاب العدوانية:

  • مطرقة.
  • لوحة ربط. 
  • بنادق وسهام.
  • الدمية بوبو. 

أما مجموعة الألعاب غير العدوانية:

  • أقلام تلوين.
  • طقم شاي.
  • دببة. 
  • حيوانات مزرعة بلاستيكية. 

مكث كل طفل بالغرفة لمدة 20 دقيقة، وسُجِّل سلوكه من قِبَل الباحثين. 

نتائج تجربة الدمية بوبو 

1- أبدى أطفال مجموعة النموذج العدواني سلوكًا أكثر عدوانية من أطفال النموذج غير العدواني. 

2- حاكى الأطفال نفس الممارسات العدوانية التي شاهدوها، واخترعوا أشكالًا أخرى من العدوان، لكن المحاكاة كانت أكبر.

3- كان الذكور أكثر ممارسة للعنف البدني عن الإناث، ولكنهم تشابهوا في ممارستهم للعنف اللفظي. 

4- أبدت فتيات مجموعة النموذج العدواني عدوانًا بدنيًا أكثر عندما تعاملن مع الدُمَى التي تشبه الذكر. أما مع الدُمَى التي تشبه الأنثى، فقد كان عدوانهن اللفظي أكبر. 

خلاصة تجربة الدمية بوبو 

خلاصة تجربة الدمية بوبو

أكدت نتائج التجربة نظرية (باندورا) حول التعلم المجتمعي، وأوضحت أنه يمكن تعلُّم أشكال محددة من السلوك الاجتماعي عن طريق الملاحظة والمحاكاة.

طِبقًا لـ (باندورا)، فإن السلوك العنيف من البالغين تجاه الدمية جعل الأطفال يعتقدون أن مثل هذه الأفعال مقبولة.
كما توقَّع أن هؤلاء الأطفال ربما ينتهجون العنف في المستقبل كوسيلة للتعبير عن غضبهم تجاه شيء ما.

في العام 1965، أجرى (باندورا) وزملاؤه دراسة أخرى بُنِيَت على نتائج التجربة السابقة.

وخلصوا إلى أن الأطفال كانت لديهم قابلية أكثر لتقليد السلوك العدواني عند مكافأة الشخص مرتكِب العنف.
وأنهم كانوا أقل قابلية لتقليده عندما عُوقِب على أفعاله، أو عندما أظهر الآخرون عدم رضائهم عنها. 

نقد تجربة دمية بوبو

شأنها شأن جميع التجارب الأخرى، لم تسلَم تجربة دمية بوبو (Bobo Doll Experiment) من النقد.

ومن ضمن الانتقادات التي وُجِّهَت لها:

  • ممارسة العنف تجاه دمية تختلف عن ممارسته تجاه الأشخاص، وربما يختلف وقع الأمر على الأطفال.
    فبينما تقبَّلوه تجاه الدمية، ربما لم يكونوا ليتقبَّلوه تجاه شخص حقيقي. 
  • أُجرِيَت التجربة في ظروف تشبه ظروف التجارب المعملية، واستغرقت وقتًا قصيرًا، كما أنها أُجرِيَت على شريحة صغيرة من الأطفال. لذا، من الصعب تعميم نتائجها. 
  • لا تدل ممارسة الأطفال السلوك العدواني تجاه الدمية على أنهم أصبحوا عدوانيين بالفعل؛ فربما كانوا يحاولون فقط إثارة انتباه البالغين عن طريق تقليدهم.
  • لا تُوجَد ملاحظات كافية من التجربة حول التأثير طويل المدى لمشاهدة العنف على سلوك الأطفال الاجتماعي.

ومع ذلك، تظل تجربة الدمية بوبو من التجارب الشهيرة في مجال علم النفس، والتي مهدت الطريق لمئات التجارب والدراسات الأخرى لمعرفة المزيد حول تأثير مشاهدة العنف على سلوك الأطفال الاجتماعي.

المصدر
Albert Bandura's Influence on the Field of PsychologyWhat the Bobo Doll Experiment Reveals About Kids and AggressionBobo doll experimentBobo Doll Experiment
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق