تجارب نفسيةترياق الحياة الصحية

تجربة النوم الروسية | بين الحقيقة ورعب الخيال

كما أن الطعام غذاء الجسد، فإن النوم غذاء الروح. 

هل تخيلت يومًا ماذا يمكن أن يحدث لأحدهم إذا قضى ثلاثين يومًا كاملة بلا نوم؟! 

وعندما أقول “بلا نوم” فأنا لا أعني هنا النوم لساعتين أو ثلاثة فقط في الليلة؛ بل أعني أن يظل أحدهم مستيقظًا تمامًا لشهر كامل، دون أن تذوق أجفانه طعم النوم ولو لدقيقة واحدة.

إذا ظننت هذا ضربًا من الخيال، فأنت محق؛ فأجسادنا وأرواحنا لا تقوى على الاستغناء عن النوم لثلاثة أيام… لا ثلاثين!

موضوع مقالنا اليوم عن “تجربة النوم الروسية – Russian Sleep Experiment” التي يدَّعِي بعض الناس أنها حدثت في منتصف القرن الماضي، وفيها أُجبِرَتْ مجموعة من الأشخاص على عدم النوم لمدة 15 يومًا كاملة. 

في السطور القادمة -عزيزي القارئ- سنتعرف على حقيقة هذه التجربة، ومدى مصداقيتها، وعلى التأثير الفعلي لعدم النوم في أجسادنا وعقولنا. 

هيا بنا… 

ما هي تجربة النوم الروسية؟ 

حدثت هذه التجربة في الاتحاد السوفيتي -تحديدًا في العام (1940)- حين قرر مجموعة من العلماء والباحثين إجراء تجربة لدراسة تأثير الحرمان من النوم على العقل البشري، واختير خمسة سجناء روسيين لتنفيذها.

أُعلِم السجناء بطبيعة التجربة، والتي تتطلب منهم أن يبقوا مستيقظين تمامًا لمدة ثلاثين يومًا. وقد وافقوا على الخضوع لها بعد أن أوهموهم بإطلاق سراحهم في نهايتها.  

وُضِع السجناء في غرفة محكمة الغلق، وحرص الباحثون على إبقائهم متيقظين باستمرار عن طريق تعريضهم لمنبه ما (محمول في ذرات نوع من الغاز غير المرئي). 

ماذا حدث للسجناء بعد أيام قليلة من تجربة النوم الروسية؟ 

في الأيام الأولى لتجربة البقاء بلا نوم، كان كل شيء طبيعيًا؛ فقد حرص السجناء على التحدث إلى بعضهم البعض والتسامر لتمضية الوقت، بينما ظل الباحثون يراقبونهم بالصوت والصورة من الخارج. 

في بداية اليوم الخامس من التجربة، بدأ الباحثون في ملاحظة بعض التغيرات على السجناء، إذ أظهروا أعراضًا من القلق والتوتر وجنون الارتياب (paranoia)، وقد توقفوا أيضًا عن التحدث إلى بعضهم البعض.

وفي اليوم التاسع، ساءت الأمور للغاية، حيث بدأ اثنان من السجناء الجري في أنحاء الغرفة صارخَينِ بشدة حتى تقطعت أحبالهم الصوتية من جرّاءِ ذلك.

ثم توقف الصراخ فجأة وساد صمتٌ غريب!

ماذا اكتشف الباحثون بعد أسبوعين من إجراء تجربة الحرمان من النوم؟ 

نتائج التجربة بعد اسبوعين

في اليوم الخامس عشر، قرر الباحثون فتح الغرفة على السجناء، وهنا كانت المفاجأة والصدمة. 

وُجِدَ أحد السجناء ميتًا، بينما كان الآخرون في حالة مرعبة؛ فقد كانت أجسادهم مشوهة للغاية، وقد مُزِّقَت جلودهم ولحومهم، حتى إن بطون بعضهم كانت مبقورة وأحشاءهم متدلية خارجها، وقيل أنهم أكلوا لحومهم بأنفسهم!

ربما تتساءل -عزيزي القارئ-: “كيف فعلوا هذا بأنفسهم أو حتى ببعضهم البعض؟! كيف جاءتهم القوة البدنية لفعل ذلك وقد قضوا أسبوعين كاملين بلا نوم؟!”.

كانت إجابة الباحثين عن هذا السؤال بأن عدم النوم قد أكسبهم قوة خارقة، وحوَّلَهم إلى وحوش! 

ماذا حدث للسجناء بعد ذلك؟ 

بحسب راوي قصة “تجربة البقاء بلا نوم”، فقد قاوم السجناء بشدة إخراجهم من الغرفة، وأظهروا سلوكًا عدوانيًا، وقوة غير مسبوقة في مقاومة السجانين الذين حاولوا إخراجهم بالقوة. 

وحتى بعد إخراجهم وخضوعهم للعلاج، فقد استمروا في إظهار نوع من القوة الخارقة، ومقاومة غير مفهومة للأدوية والمهدئات.

والأدهى من ذلك مقاومتهم للنوم، حتى بدون الغاز الذي ساعد في إبقائهم متيقظين في بداية التجربة. 

وقد لاحظ الباحثون أيضًا أن مَنْ كان ينام منهم، يموت في الحال. 

وانتهت تجربة الحرمان من النوم بموت أربعة من السجناء، بينما أطلق أحد الباحثين النار على الناجي الوحيد، وأرداه قتيلًا. 

حقيقة تجربة النوم الروسية (Russian Sleep Experiment)

هل انتابك الرعب مِمَّا قرأت لتوك؟! 

حسنًا يا صديقي… فلتهدأ قليلًا! 

إن تجربة عدم النوم الروسية مشكوك في مصداقيتها، ويعتقد الكثيرون أنها من وحي خيال مؤلفها الذي أراد من كتابتها على الإنترنت نشر الذعر والرعب بين متابعيه، وربما أراد فقط زيادة شهرته وجمع المزيد من التعليقات والإعجابات على  منشوره.

فقد ظهرت في البداية في عام (2010) على أحد المنتديات على الإنترنت، وكان ناشرها يحمل اسمًا مستعارًا، ولم يستطع أحد حتى هذه اللحظة إثبات صحة ما قال، أو حتى معرفة شخصيته الحقيقية. 

على الرغم من ذلك، فقد انتشرت القصة انتشار النار في الهشيم، وظلت تجربة النوم الروسية حديث الناس لشهور وسنوات، ربما حتى هذه اللحظة. 

وبغض النظر عن مصداقية تجربة الحرمان من النوم الروسية، فجميعنا يعرف أن عدم النوم له عواقب وخيمة على صحتنا.

بالطبع لن يصل الأمر إلى الحد الذي رواه صاحب القصة المزعومة، لكن دعونا ننزل إلى أرض الواقع، ونتحدث عن التأثير الفعلي لقلة النوم في أجسادنا وعقولنا. 

لماذا نحتاج إلى النوم؟ 

تحتاج عقولنا وأجسادنا إلى النوم مدة تتراوح بين 6-8 ساعات يوميًا، وذلك لشحن طاقتنا، ومساعدتنا على التركيز ومواصلة الحياة. 

تختلف هذه المدة من شخص إلى آخر؛ فبعضنا يحتاج إلى أكثر من ذلك، وبعضنا إلى أقل. ولكن بشكل عام، إذا:

  • استيقظت مرهقًا.
  • كنت تشعر طوال اليوم أنك بحاجة إلى قيلولة. 
  • كنت تجد صعوبة في التركيز. 

فهذا يعني أنك لم تنم جيدًا. لذا، أَعِدْ ترتيب أولوياتك، وأعطِ نومك مساحة أكبر من وقتك حتى لا تتأثر صحتك.

إذن…

ما هو التأثير الضار لقلة النوم؟

التأثير الضار لقلة النوم

وجد العلماء أن هناك آثارًا ضارة طويلة المدى للحرمان من النوم، تتمثل في الآتي:

  • مشاكل في الذاكرة

في أثناء النوم، يُكَوِّن المخ نوعًا من الوصلات العصبية التي تساعد على معالجة وتذَكُّر المعلومات. لذلك، فإن قلة النوم قد تؤثر على الذاكرة طويلة وقصيرة المدى. 

  • تقلبات في المزاج

عدم النوم يؤثر على مزاجك، ويجعلك دائمًا متوترًا وغير قادر على التحكم في انفعالاتك. وربما يؤدي البقاء بلا نوم لفترات طويلة إلى إصابتك باضطرابات القلق أو الاكتئاب

  • ضعف المناعة 

تُضعِف قلة النوم جهاز مناعتك، وتجعلك عرضة لكثير من العدوى والأمراض. 

  • زيادة احتمالية الإصابة بمرض السكري

تؤثر قلة النوم في قدرة الجسم على إفراز هرمون الإنسولين (المسؤول عن تقليل سكر الدم)، وبالتالي يعاني الأشخاص -الذين لا يحصلون على قسط كافٍ من النوم- ارتفاعًا في سكر الدم مقارنة بغيرهم، ويصبحون أكثر عرضة للإصابة بمرض السكري من النوع الثاني. 

  • ضعف التركيز

وهذا له عواقب وخيمة، مثل:

ـ ضعف الإنتاجية في العمل

ـ زيادة التعرض للحوادث اليومية، بما فيها حوادث الطرق. 

– صعوبة الحفاظ على التوازن العضلي العصبي. 

  • ارتفاع ضغط الدم

النوم لمدة تقل عن خمس ساعات يوميًا يزيد من فرص الإصابة بارتفاع ضغط الدم، ومن ثَمَّ الإصابة بأمراض القلب.

  • زيادة في الوزن

مع قلة النوم، تتأثر الإشارات الكيميائية التي يرسلها المخ في حال شعورك بالشبع، وبالتالي، سيؤدي ذلك إلى تناوُلِ كميات أكبر من الطعام، وتصبح أكثر عرضة للإصابة بالسمنة.

نصائح للحصول على نوم جيد

نصائح للحصول على نوم جيد

إليك بعض النصائح التي ستساعدك على تنظيم نومك: 

  • قلِّلْ من وقت قيلولتك خلال النهار. 
  • قلِّلْ من المشروبات المحتوية على الكافيين، واستبدِلْها بالمشروبات المهدئة، خاصةً في الليل. 
  • تجنَّبْ الوجبات الدَسِمَة قبل النوم. 
  • ثبِّتْ مواعيد نومك واستيقاظك، حتى في أيام الإجازات. 
  • أغلِقْ هاتفك وأجهزتك الإلكترونية قبل النوم. 
  • تجنَّبْ التدخين. 
  • احرِصْ على ممارسة الرياضة بانتظام. 

في النهاية -عزيزي القارئ-، فإن تجربة النوم الروسية تجربة خطرة للغاية، لا ننصحك بتجربتها إطلاقًا، بل ننصحك بالحفاظ على صحتك، والحرص على أخذ القدر الكافي من النوم يوميًا؛ فهذا سيساعدك على التقدم والإنجاز في حياتك، وسيجنبك الكثير من المشاكل الصحية.

المصدر
What is the Russian Sleep Experiment? Is it Real? How Does it Work?Why lack of sleep is bad for your healthThe Effects of Sleep Deprivation on Your Body
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق