تجارب نفسية

تجربة سجن ستانفورد – سوء استخدام السلطة

ماذا لو وضعنا مراهقين -يتمتعون بصحة جيدة، نفسيًا وجسديًا- في بيئة مشابهة بالسجن، وقسمناهم إلى “حراس” و”سجناء”؟

هل يضع هؤلاء الناس الطيبون الخير مكان الشر؟ 

في عام 1971، حاول عالِم النفس (فيليب زيمباردو) وزملاؤه تصميم تجربة تنظر في تأثير بيئة السجن على سلوك الحراس والسجناء.

تُعرَف هذه التجربة باسم “تجربة سجن ستانفورد”، والتي تُعَدُّ إحدى أكثر التجارب شهرة في تاريخ علم النفس الحديث.

(زيمباردو) هو زميل سابق لـ(ستانلي ميلغرام)، الذي اشتهر بتجربته “الطاعة”.

اهتم (زيمباردو) بالتوسع في بحث (ميلجرام)، حيث أراد أن يبحث عن مزيد من تأثير المتغيرات الظرفية على السلوك البشري.

تعال لتتعرف على أحداث “تجربة سجن ستانفورد”، وما أسفرت عنه.

ما الغرض من تجربة سجن ستانفورد (The Stanford Prison Experiment)؟

التصرف أَمْ الظرفية؟

في عام 1973، تسربت  تقارير كثيرة إلى الصحف الأمريكية عن القسوة في التعامل بين حراس السجون الأمريكية.

حاول (زيمباردو) وزملاؤه معرفة ما إذا كانت هذه القسوة ترجع إلى الشخصيات السادية للحراس (التصرف)، أم أن لها علاقة أكبر ببيئة السجن (الظرفية).

فإما أن يكون للسجناء والحراس شخصيات تجعل الصدام حتميًا، وإما أن يكون السجناء والحراس يتصرفون بطريقة عدائية بسبب طبيعة البيئة الاجتماعية في السجون.

تنبأ (زيمباردو) بأن بيئة السجن هي المتهم، وليست شخصيات الحراس والسجناء.

إجراءات تجربة سجن ستانفورد

إجراءات تجربة سجن ستانفورد

تهيئة “سجن ستانفورد”

لدراسة الأدوار التي يلعبها المشاركون في تجربة سجن ستانفورد، حول (زيمباردو) الطابق السفلي من مبنى علم النفس -بجامعة (ستانفورد)- إلى سجن مزيف.

أعلن في الصحف عن طلب متطوعين للمشاركة في دراسة الآثار النفسية لحياة السجن.

أُجرِيَت مقابلات شخصية واختبارات دراسة الشخصية للمرشحين الذين استجابوا للإعلان ،لاستبعاد كل مَنْ يعاني مشاكل نفسية أو طبية، أو الذين لديهم تاريخ من الجرائم أو تعاطي المخدرات.

اختِير 24 رجلًا للتجربة، ودُفِع للواحد منهم 15 دولارًا لكل يوم من أيام التجربة، التي قد قُدِّر زمنها بأربعة عشر يومًا.

عُيِّنَ المشاركون عشوائيًا إما لدور “السجين” أو “الحارس”، في بيئة تحاكي بيئة السجن الحقيقي.

وعُومِل السجناء مثل المجرمين الحقيقيين؛ فاعتُقِلوا من منازلهم دون سابق إنذار، واقتِيدوا إلى مركز الشرطة، حيث أُخِذَت بصمات أصابعهم.

اقتِيد السجناء إلى الطابق السفلي -قسم علم النفس بجامعة (ستانفورد) الذي هُيِّأ كسجن، بجدران مُحصَّنة وثلاث زنازين صغيرة.

هنا بدأت الأحداث…

عندما وصل السجناء إلى السجن، جُرِّدوا من ملابسهم، وأُخِذَت كل ممتلكاتهم الشخصية، وأُعطوا ملابس مُوحَّدة،
يُميَّز كل منهم برقم هوية كُتِب عليها.

كانت الأوامر أن يُعرَّف كل سجين برقم هويته فقط وليس باسمه، وأن يُنادَي عليه كذلك برقمه، وألا يشير سجين إلى
آخر باسمه.

أما الحراس، فقد ارتدوا بزات متطابقة، وأُعطِي كل منهم صافرة حول رقبته، ونظارة شمسية، لمنع الاتصال البصري بـ”السجناء”.

قُسِّم الحراس إلى ثلاث نوبات، مدة كل منها ثماني ساعات، ووُجِّهَت الأوامر للحراس للقيام بكل ما هو ضروري للحفاظ على القانون والنظام في السجن، ولم يُسمَح بالعنف الجسدي.

لاحظ (زيمباردو) سلوك السجناء والحراس -كباحث- من خلال كاميرات مُثبَّتة في أنحاء متفرِّقة من السجن،
كما كان أيضًا يؤدي دور “مدير السجن”.

أحداث التجربة

تأكيد السلطة

في غضون ساعات قليلة من بدء التجربة، بدأ بعض الحراس في مضايقة السجناء؛ ففي الساعة الثانية والنصف صباحًا، أُطلِقَت صافرات لإيقاظ السجناء من النوم.

سرعان ما تبنَّى السجناء سلوكًا يشبه سلوك السجين، حيث بدأوا بأخذ قواعد السجن على محمل الجد؛ كما لو كان اتباعها سيسبب منفعة لهم، وانتهاكها سيسبب كارثة لهم جميعًا.

العقاب البدني

تعرَّض السجناء للإهانات، وكُلِّفوا بمهام -لا معنى لها- لإنجازها.

كان “تمرين الضغط” شكلًا شائعًا من أشكال العقاب الجسدي الذي يفرضه الحراس على السجناء، وربما وضع أحدهم قدمه على ظهور السجناء أثناء ممارستهم لها.

إعلان العصيان

في صباح اليوم الثاني، فُوجِئ الحراس بتمرد عام بين السجناء، حيث مزق السجناء أرقام هوياتهم، وتحصَّنوا داخل زنزاناتهم بوضع أسِرَّتهم على أبوابها.

إخماد التمرد

استدعى الحراس تعزيزات من زملائهم الذين كانوا على أهبة الاستعداد ينتظرون الأوامر.

ولإجبار السجناء على الابتعاد عن الأبواب، أطلق الحراس تيارًا من ثاني أكسيد الكربون باستخدام مطفأة حريق.

بعد ذلك، اقتحم الحراس كل زنزانة، وجرَّدوا السجناء من ملابسهم، وأخرجوا أسِرَّتهم، ووُضِع زعماء التمرد في الحبس الانفرادي.

امتيازات خاصة

ولكسر التضامن بين السجناء، صُنِّفَت إحدى خلايا السجناء الثلاث على أنها “خلية نموذجية”، حيث أُعطِي السجناء
الثلاثة الأقل مشاركة في التمرد امتيازات خاصة؛ فسُمِح لهم بغسل شعرهم وتنظيف أسنانهم.

عواقب التمرد

ساءت العلاقة بين الحراس والسجناء؛ فأصبح الحراس أكثر سُخفًا وازدراءً تجاههم. ومع زيادة احتقار الحراس،
أصبح السجناء أكثر خضوعًا، فأصبح الحراس أكثر عدوانية وحزمًا.

انهيار السجين رقم (8612)

بعد أقل من 36 ساعة من التجربة، بدأ السجين الذي يحمل رقم (8612) يعاني اضطرابًا عاطفيًا حادًا، وبكاءً وغضبًا
لا يمكن السيطرة عليه.

في نهاية المطاف، أدرك علماء النفس أن عليهم أن يخرجوه من تجربة (فيليب زيمباردو).

زيارة كاهن 

دعا (زيمباردو) كاهنًا كاثوليكيًا لتقييم حالة السجناء، فقدَّم نصف السجناء أنفسهم بأرقام هويتهم بدلًا من أسمائهم.

قابل القسيس كل سجين على حدة، وأخبرهم أن الطريقة الوحيدة للخروج من هذا السجن هي بمساعدة محامٍ.

انهيار السجين رقم (819)

في أثناء تحدثه إلى الكاهن، انهار السجين رقم (819)، وبدأ في البكاء بشكل هستيري.

ومما زاد الطين بلة، هتاف السجناء الآخرين بصوت عال: “السجين رقم (819) هو سجين سيئ. وبسبب ما فعله السجين رقم (819)، فإن زنزانتي في حالة فوضى”.

عاد علماء النفس إلى الغرفة، فوجدوا السجين ينتحب بشدة! حينها، اقترب (زيمباردو) منه وقال له: “اسمع، اسمي دكتور زيمباردو، أنا طبيب نفسي ولست مديرًا في السجن، وهذا ليس سجنًا حقيقيًا؛ إنما هي مجرد تجربة، وهؤلاء طلاب وليسوا سجناء، فلتذهب”.

نهاية التجربة

أحس (زيمباردو) بخروج الأمور عن السيطرة. وبسبب الانهيار العاطفي للسجناء، والسلوك العدواني المفرِط للحراس، أنهى تجربته في اليوم السادس، بعد أن كان قدَّر استمرارها لأسبوعين كاملين.

نتائج تجربة سجن ستانفورد The Stanford Prison Experiment

كشف اختبار سجن ستانفورد كيف سيتوافق الناس بسهولة مع الأدوار الاجتماعية التي يتوقع منهم تأديتها.

كانت بيئة السجن عاملًا مهمًا في خلق السلوك الوحشي للحراس، إذ لم يُظهِر أي من المشاركين الذين تصرفوا
كحراس سلوكًا ساديًا قبل الدراسة.

لذلك، فقد دعمت النتائج التفسير الظرفي للسلوك بدلًا من التصرفي.

ربما كان الحراس ساديين للغاية لأنهم:

  • لم يشعروا بأن ما حدث يعود لهم شخصيًا؛ فقد كان ذلك معيارًا جماعيًا، ذلك لفقدهم أيضًا الإحساس بالهوية
    الشخصية بسبب الزي الرسمي الذي ارتدوه.
  • وُضِعوا في موقع السلطة، فبدأوا في التصرف بطُرُق تختلف عن تصرفاتهم في حياتهم الطبيعية.

نقد تجربة سجن ستانفورد

واجهت تجربة (فيليب زيمباردو) انتقادات عدة من المجتمع العلمي، نعرض أهمها:

  1. لا يمكن تعميم نتائج الدراسة على الحياة الحقيقية:

 ذلك لأن الحراس والسجناء كانوا فقط يلعبون دورًا؛ فقد لا يتأثر سلوكهم بنفس العوامل التي تؤثر على السلوك في الحياة الحقيقية.

  1. قضايا أخلاقية:
  • الخداع: إذ لم يُبلَّغ السجناء باعتقالهم من المنزل، كما لم يُبلَّغوا بكل الأحداث والاحتمالات الواردة في التجربة.
  • الضرر والإيذاء: إذ لم يكن السجناء بمنأى عن الأذى النفسي والعاطفي من قِبَل “الحراس”.

تتمثل قوة التجربة في أنها غيَّرت طريقة إدارة السجون الأمريكية؛ فمثلًا أُمِر بفصل سجن الأطفال (الأحداث) عن سجن البالغين، لتقليل خطر العنف ضدهم.

ولا يزال العلم يخدم الأوطان، ما دامت الأوطان تركن إليه، وتُعلِي قدر أهله، وتُهيِّئ لهم سُبُل النجاح.

ولعل السامع يعي ويفهم! 

المصدر
The Stanford Prison ExperimentThe Stanford Prison ExperimentBiography of Philip Zimbardo
اظهر المزيد

د. محمود الرزاز

محمود الرزاز، صيدلي اكلينيكي، و أخصائي معلومات طبية، استمتع بالبحث عن الدليل العلمي، ومهتم بوصول المعلومات الطبية الحديثة للقاريء بلغة بسيطة و مفهومة، في ظل فوضى انتشار المعلومات غير الدقيقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق