تجارب نفسيةمفاهيم ومدارك

تجرِبة العجز المتعلم

– أنا عاجز وبائس، ولا فائدة مني. أنا لا أستطيع مساعدة نفسي ولا غيري.

= لماذا تقول هذا الكلام؟! لا تفقد ثقتك بنفسك؛ فأنت لم تكن عاجزًا قط!

– لأنني لا أستطيع مقاومة الضغوط من حولي، ولا أستطيع القضاء عليها بنفسي.

= مررنا جميعًا بمشكلات خلال حياتنا، ومع ذلك ما زالت لدينا القدرة على الحياة وعلى مساعدة الغير. إنك تعاني تجربة العجز المتعلم فقط، ولكنك لست عاجزًا حقًا.

احذر من السقوط في براثن الاكتئاب، وابتعد عن حافته!

مفهوم العجز المتعلم Learned helplessness

حالة من العجز المكتسَب يشعر بها الشخص بعد تعرُّضه المتكرر لضغوط نفسية، ومواقف صَعُبَ عليه حلُّها فأخفق بها.

يشعر الشخص باليأس إزاء هذه الظروف، مما يفقده الثقة في قدراته، ويشعره بأنه يعجز عن حل أي مشكلة.

لا ينتهي الأمر بعد  موقف أو اثنين، ولكنه يستمر للمستقبل؛ فهذا الشخص يكون متيقِّنًا دائمًا من عجزه، وإن أُتيحت له الفرصة للحل.

تزداد الفرصة للإصابة بهذا العجز مع التقدم في السن، وكثرة التعرض للمنغصات والتجارب المخفقة.

إن تجربة العجز المتعلم لا تصيب من تعرضوا لحوادث كبيرة ومآسٍ إنسانية فقط؛ بل تصيب من مرُّوا بمواجهات متوسطة أيضًا.

مثال: هل تعرف صديقًا حاول الإقلاع عن التدخين مرارًا، ثم توقَّف عن ذلك لفشله المتكرر؟

أخبره أن هناك لصقات تساعد على التوقف عن التدخين، أو أخبره بوجود برامج علمية تساعد على ذلك.

إذا أصر على التدخين وقال لك: “لا فائدة؛ فقد حاولت كثيرًا، وأعرف أنني لن أستطيع”، فاعلم أنه يعاني تجربة العجز المتعلم للأسف.

وكذلك مَنْ لا يستطيع الالتزام ببرنامج غذائي أو رياضي، أو مَنْ لا يستطيع التفوق في دراسة معينة، أو مَنْ يترك نفسه للإهانة من شريك الحياة لسنوات طويلة، وغيرهم. 

يقول الله تعالى… {لا تقنطوا من رحمة الله} صدق الله العظيم.

أعراض تجربة العجز المتعلم

  1. يتقبل المريض كل الأحداث السيئة بلا مقاومة؛ فهو يشعر أنه لا حيلة له في ذلك وأنه لا يستطيع تغييرها.
  2. لا يرغب المريض في بذل مجهود للخروج من أزماته، أو من المواقف الصعبة.
  3. يظل الشعور باليأس مسيطرًا، وإن كان الحل ظاهرًا أمامه.
  4. يقل احترام الشخص لذاته، وتهتز صورته أمام نفسه.
  5. يقل سقف طموحاته، ويتوقع أن يكون الفشل حليفه.
  6. يفقد الدافع للتغير ولحل الأزمات، ويقف عاجزًا.
  7. مع كل ما سبق، فهو لا يطلب المعونة مِمَّن حوله.

يُوجَد نوعان من العجز المتعلم

في أحدهما، يظن المريض أنه لا يُوجَد مَنْ يستطيع مساعدته وإنهاء معاناته على وجه الأرض.

وفي الآخر، يرى أن هناك مَنْ يستطيع مساعدته وتخليصه من المأزق، في حين أنه لا يستطيع فعل ذلك بنفسه إطلاقًا.

أضرار تجربة العجز المتعلم

يستسلم المريض لشعور اليأس من قدراته والعجز. وكذلك يفقد الدافع لبحث سبل الخروج من مشكلاته، ولا يستطيع اتخاذ قرارات مهمة.

ومع تكرار الضغوط -وهي طبيعة الحياة- يتعرض الشخص إلى الإصابة بأمراض:

وكذلك يصبح الشخص بلا حيلة في مواجهة الصدمات.

حكمة… “لكل جوادٍ كبوة”.

الصعاب موجودة دائمًا، فكُنْ كالخيل القوية التي تقوم من سقطتها، وتشمخ برأسها، وتجري من جديد.

مقياس العجز المتعلم

يطور الباحثون طُرُقًا للكشف عن هذه الحالة لدى الأفراد، مثل مقياس العجز المتعلم الذي أنشأه باحثان اعتمدا على خمسين عنصرًا للتشخيص.

ثم اختِير عشرون عنصرًا بمراجعة ثلاثة من الخبراء. وتم المقياس بتقييم الإجابات على عناصره باستخدام (مقياس ليكرت – Likert scale).

البحوث حول العجز المكتسب

انتبه الباحثون إلى مفهوم العجز المتعلم (Learned helplessness concept) في الستينيات من القرن المنصرم بملاحظة تصرفات كلاب -أعزكم الله- تعرَّضت لصعقات كهربية محدودة متتالية.

حاولت الكلاب حماية أنفسها أو الهرب في البداية، ثم زهدت في المحاولات، وصارت سلبية في المرات التالية.

لم تحاول الكلاب التصرف لحل المواقف الصعبة؛ بل كانت ساكنة وظهرت عليها علامات التوتر ثم الاكتئاب.

وصل الباحثون بعد سنوات من الدراسة الأكثر عمقًا إلى أن الكلاب لم تعانِ إحساس تجربة العجز المتعلم؛ بل إنها لم تتعلم كيف تسيطر على هذا العجز المكتسب لتتخطاه. 

أُعِيدَت التجربة بشكل مختلف مع الفئران، وكان توقُّف الفئران عن السعي هو النهاية.

البحوث حول العجز المكتسب

وقد ظهرت نفس النتيجة بملاحظة البشر، بعد تعرُّضهم لضغط تمثَّل في سماع صوت عالٍ ومزعج، مع وجود زر لإيقاف انبعاث هذا الصوت.

كان الزر يستجيب بعد 4 محاولات عند المجموعة الأولى، ولا يستجيب إطلاقًا عند المجموعة الثانية، أما الثالثة فلم تتعرض للضوضاء.

لاحظ الباحثون اختلاف الاستجابة عند تعريض الثلاث مجموعات للضوضاء مرة أخرى، مع وجود أداة ما تحتاج لبعض التعامل من أجل إيقاف الضوضاء.

إن أفراد المجموعة الثانية لم يحاولوا تجرِبة هذه الأداة لإيقاف هذا الإزعاج؛ بل بدا عليهم التيقن من عدم قدرتهم على التخلص من الضوضاء، واستسلموا لها.

وكان العكس تمامًا في المجموعتين الأُخرَيين؛ فقد حاول أفرادهما التعامل مع هذه الأداة مرارًا، يحدوهم الأمل، وكان النجاح هو النهاية.

نصيحة… انظر إلى التجارِب الناجحة في حياتك، وتذكَّر أنك لست قليل الحيلة.

العجز المكتسب وعلاقته بأنماط التفكير

يتضح من التجارِب والأبحاث أن المريض بالعجز المكتسب يعاني “الشرطية” في تفكيره تجاه المواقف الصعبة.

يحدث هذا بسبب تعرُّضه للفشل في مرات سابقة، فيتكون يقين داخله باليأس والعجز اللذَين يمنعانه من استكشاف حلول بديلة.

يتكون لدى المريض ارتباط شرطي بين الفعل والنتيجة، بمعنى؛ إنني أتألم، ولكنني أخفق دائمًا في إنهاء الألم، إذن لن أكرر المحاولة لأن النتيجة واحدة.

كيفية التغلب على تجربة العجز المتعلم

  1. يساعد العلاج المعرفي السلوكي على معرفة مسببات الحالة. ومن ثَمَّ، تحديد التعديلات السلوكية النافعة، وذلك بواسطة:
  • الحصول على الدعم والتشجيع.
  • تحسين الصورة الذاتية، ورفع قيمة احترام الذات (Self esteem).
  • ترتيب أهداف ومهام الشخص في حياته.
  • تحديد المشاعر السلبية التي تطغى على المريض في وقت شعوره بالعجز.
  • تحدي الشعور بالعجز أمام الصعوبات بمساعدة الاختصاصي النفسي.
  • استيضاح التصرفات التي تدعم الإحساس باليأس.
  • التركيز على أفكار وسلوكيات إيجابية تجاه الضغط العصبي، بدلًا من الانسحاب والقلق والاكتئاب.
كيفية التغلب على تجربة العجز المتعلم
  1. إن الدخول إلى تجارب بسيطة -ثم حلَّها- من شأنه أن يرفع مستوى الثقة بالنفس لدى من يمُرُّ بتجربة العجز المتعلم.
  1. ممارسة النشاط الحركي أو الرياضي؛ لما لهما من دور في علاج الضغوط العصبية وفي علاج الاكتئاب.
  1. الالتزام بنظام صحي في المأكل والمشرب، وكذلك النوم الصحي.
  1. ممارسة طُرُق الاسترخاء النفسي، وفيها: التوجه للعبادة الحقة، والتأمل، واليوجا.
  1. يحتاج الأطفال إلى التدريب على الاستقلالية، والاعتماد على النفس لحل المشكلات، لمنع شعورهم بالعجز أمام التحديات في المستقبل.

انتبه من فضلك

خلقنا الله وجعل حياتنا أطوارًا نمُرُّ خلالها بالأفراح والأتراح، نسعد ونغضب، ننجح ونفشل. ولكنه لم يتركنا للتخبط بلا هدى، حاشاه!

لقد خلق الله لنا عقلًا مُحلِّلًا لنهتدي به في طُرُق الحياة، ولنتعلم من تجاربنا السابقة، لتتحسن قدراتنا مستقبلًا.

وجعل لنا أنبياء ورجالًا صالحين لنتعلم من حيواتهم وأزماتهم. ستجد أنهم مرُّوا بما هو أصعب من أحداث حياتك، لكنهم أبدًا لم ييأسوا.

وانظر في حياتك أنت، وحتمًا ستجد أنك حققت كثيرًا نجاحات بسيطة وأخرى كبيرة.

كفاك همًا، وثِقْ بربك ثم بنفسك، وسِرْ في دروب الحياة رافع الرأس قويًا!

المصدر
What is learned helplessness?Learned HelplessnessLearned Helplessness: Seligman’s Theory of Depression (+ Cure)Learned Helplessness is The Psychological Reason You Are Stuck in a Bad SituationDevelopment of a measure of learned helplessnessWhat is learned helplessness?
اظهر المزيد

د. أسماء أبو بكر

طبيبة بشرية أتوق دائما لتعلم الجديد، ولنقل العلم مع تبسيطه للجميع. أحرص على الوصول للمعلومة من أدق المصادر، ومن ثم أصيغها للقارئ والمتعلم بأسلوب علمي مبسط. أمتلك موهبة السرد المنظم الشامل. صقل عملي في التدريس الجامعي هذه الموهبة، لأضع بين القارئ علما موثوقا فيه يسير الفهم. أكتب من أجل إتاحة المعلومة الطبية الموثقة للجميع. أكتب لأنني أهوى الشرح والتفسير. أكتب لأنني أشعر بالإنجاز والسعادة مع كل مقطع أنتهي منه. أكتب لنشر العلم ودحر الجهل. أكتب صدقة عن نفسي وعلمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق