ترياق الأمراض النفسية

جرس إنذار… تصرفات المريض النفسي

لم يعد المرض النفسي وصمة عار بعد انتشار التعليم بين أغلب المجتمعات، لكن يبقى أن نتعرف على كافة تصرفات المريض النفسي كي نتفهمها وندرك أنه يحتاج للعلاج، فإن أول خطوة لحل أي مشكلة هي تحديد المشكلة والاعتراف بوجودها.

تعال معي نسبر أغوار الطب النفسي لنبحث في هذا العالم عن أسباب المرض النفسي وأنواع المرض النفسي.

ما هو الطب النفسي؟

الطب النفسي كما تعرفه الجمعية الأمريكية للطب النفسي هو أحد تخصصات الطب ويهدف إلى الدراسة العلمية للعقل وسلوكيات الإنسان. 

يهدف الطب النفسي إلى فهم ودراسة العمليات العقلية، ووظائف المخ، والسلوكيات.

رغم قدم عمر الإنسان على الأرض إلا أن الطب النفسي فرع حديث نسبيا إذ نشأ وتطور سريعا خلال المائة وخمسين عاما الأخيرة فقط، لماذا؟

في أثناء العصور القديمة وفي ظل ظلام الجهل والوثنية كان الإنسان لا يدرك جيدا مفهوم الروح والنفس، وكان لا يعرف سوى هذا الجسد الذي يعيش به في الدنيا.

سعت الديانات السماوية لتطهير النفس من عيوبها ومن نزغات الشيطان، فأدرك الإنسان أن هناك شيئا غير ملموس يسمى الروح، وأنها تؤثر عليه بقوة ولابد من تغذيتها من خلال روحانيات الدين.

ليت الإنسان استمر على فهمه للنفس والدين بدلا من التفكير في الماورائيات والجن والشيطان فقط. لقد أصبح الإنسان يعزي كل ما يشعر به على مستوى النفس إلى الأرواح الطيبة والشريرة والجن.

ظل الإنسان مقيدا بهذه الأفكار لعقود طويلة، فكنت تجده لا يفهم تصرفات المريض النفسي لأنه لا يدرك أن هناك مرضا نفسيا، هو يفهم فقط الجسد المادي الذي يتألم ويصاب لأنه يراه ويشعر به ويبحث له عن علاج.

أما ما لا يراه فيكاد لا يكون معترفا به؛ لذا كان يتخيل أن ما يفعله الإنسان بشكل غير طبيعي هو مس من الأرواح الشريرة وتلبس بالجان وسيطرة من الشيطان.

إذا كانت هذه هي فكرته عن السبب في تصرفات المريض النفسي، فلك أن تتخيل كيف كان يعالج هذه الأمراض!

لجأ القدامى إلى طرق بشعة في علاج المرض النفسي مثل:

  •  الضرب المبرح.
  •  الجلد أو إحداث حروق بالجسم.
  •  التعذيب والتكبيل والحبس.
  • عمل ثقب صغير بالجمجمة لتخرج منه الروح الشريرة.

وما زالت هذه الممارسات تحدث للآن في بعض المجتمعات.

أهمية الطب النفسي

من المعروف أن صحة الإنسان تنقسم إلى جزأين: الصحة الجسدية والصحة العقلية. إذن لا غنى عن الاهتمام بالطب النفسي لنحافظ على صحتنا النفسية والعقلية.

هناك علاقة وثيقة ومتبادلة بين النفس والجسد، أي أن كلا منهما يتأثر بالآخر ويؤثر عليه، فلنأخذ أمثلة للتوضيح:

  • المريض بمرض جسدي مزمن عادة ما يمل الحياة ويشعر بالإحباط والاكتئاب وهو مرض نفسي.
  • يشعر مريض الاكتئاب بأعراض جسدية تسمى نفس-جسمانية مثل آلام العضلات والمفاصل والإرهاق.
  • يعاني المصاب بإعاقة جسدية من نظرة الناس فينطوي ويعاني من الأرق والإحباط، ويلجأ للجريمة أحيانا.
  • يرتفع ضغط مريض التوتر العصبي، ويدفع الاكتئاب المريض لإيذاء نفسه جسديا أو الانتحار.

يحتاج الإنسان إلى التوازن النفسي ليعيش حياة سوية، لذا ظهرت الحاجة لفهم تصرفات المريض النفسي وفهم مدلولاتها ومن ثم علاجه ليعود شخصا نافعا لنفسه ولمجتمعه.

أسباب المرض النفسي

يحدث المرض النفسي عادة نتيجة اشتراك عدد من العوامل معا.
ومن أهم العوامل التي تعد من أسباب المرض النفسي:

  • العامل الجيني والوراثي.
  • الخبرات الحياتية السيئة مثل فقدان حبيب أو التعرض للاعتداء.
  • إصابة بالمخ نتيجة ارتطام أو حادث مثلا.
  • إصابة الجنين بعدوى فيروسية في أثناء فترة الحمل منقولة له من الأم.
  • عدم توازن الناقلات الكيميائية بالمخ.
  • إدمان المخدرات أو الكحوليات.
  • الإصابة بمرض عضال مزمن مثل الأورام الخبيثة.
  • العيش في عزلة عن الناس، أو قلة الأصدقاء.

أنواع المرض النفسي

تنقسم أنواع المرض النفسي إلى مجموعات مرضية، وتضم كل مجموعة منهم عددا من الأمراض، والأنماط الأساسية للمرض النفسي هي:

  • أمراض القلق Anxiety disorders وتشمل الرهاب، ونوبات الهلع، والوسواس القهري.
  • أمراض ذهانية Psychotic disorders مثل: الشيزوفرانيا (الفصام).
  • أمراض المزاج Mood disorders وتشمل مرض ثنائي القطب والاكتئاب.
  • اضطرابات التغذية Eating disorders مثل: فقدان الشهية العصبي، والنهم العصبي.
  • الاضطرابات الشخصية Personality disorders مثل: تعدد الشخصيات.
  • اضطراب ما بعد الصدمة Post-traumatic disorders.

تختلف أعراض وتصرفات المريض النفسي حسب المجموعة المرضية التي يقع مرضه فيها. 

هناك طريقة مختلفة تقسم أنواع الأمراض النفسية إلى: 

1. الأمراض العصبية (النمو العصبي)، وتشمل:

  • الأمراض المهارية العقلية: كانت تسمى أمراض التخلف العقلي، سابقا.
  • التأخر في النمو العام: يشخص قبل سن الخامسة من العمر.
  • أمراض التواصل: مثل مشاكل النطق والتلعثم، وتعلم اللغة.
  • أمراض التوحد: يفقد فيه المريض تواصله مع المجتمع.
  • اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.

:

2. أمراض ثنائي القطب

يمر المريض بمرحلتين متعاقبتين وقد تتكرر بعد فترة وعلى فترات متفاوتة، وهما:

  • الهوس.
  • الاكتئاب.

3. الأمراض العصابية (التوتر والقلق) Anxiety disorders، وتشمل:

  • حالات التوتر العام Generalized anxiety disorder.
  • الخوف من الأماكن العامة (رهاب الخلاء) agoraphobia وتصل إلى نوبات الهلع.
  • حالات الرهاب الخاصة Specific phobias.
  • اضطراب التوتر بسبب الانفصال عن مكان أو شخص مألوف Separation anxiety disorder. 
  • الخوف والقلق من المجتمع Social anxiety disorder.
  • نوبات الهلع Panic attacks.

4. الصدمات والأمراض المتعلقة بالضغط العصبيTrauma and stressor related disorders وتشمل:

  • حالات اضطراب ما بعد الصدمة Post-traumatic stress disorder.
  • اضطراب الضغط العصبي الحاد Acute stress disorder.
  • اضطراب الارتباط التفاعلي Reactive attachment disorder.
  • اضطرابات التكيف Adjustment disorders.

5. الأمراض الفصامية، وتشمل:

  • فقدان الذاكرة الفصامي Dissociative amnesia.
  • اضطراب تعدد الشخصيات Dissociative identity order= Multiple personality disorder

6. الأعراض الجسدية أو النفس- جسمانية Somatic or somatoform disorders.

7. اضطرابات التغذية.

8. اضطرابات النوم والاستيقاظ Sleep-wake disorders.

9. الاضطرابات الاكتئابية Depressive disorders.

10. التعود والإدمان Substance related and addictive disorders.

11. أمراض النمو العصبي Neuro-developmental disorders.

12. الفصام في الشخصية Schizophrenia. 

13. الوسواس القهري Obsessive-compulsive disorder.

14. اضطرابات الشخصية Personality disorder.

ما هي العلامات المنذرة من تصرفات المريض النفسي التي تستوجب الانتباه

بالرغم من أن كل مرض نفسي له أعراضه المميزة، لكن هناك أعراض عامة تدق ناقوس الخطر وهي تغير في تصرفات المريض النفسي عما كان سابقا، مثل:

  • الخوف الشديد وغير المبرر.
  • الشعور بالأسى والحزن الشديدين.  
  • التغيرات والتقلبات المزاجية الحادة.
  • التفكير المشتت والمتحير.
  • مشاكل مستحدثة في فهم الناس والمواقف.
  • شكاوى جسدية غير مفسرة بأمراض عضوية.
  • تغير العادات الغذائية.
  • الهلاوس والضلالات.
  • تغير في الدافع الجنسي والرغبة.
  • اضطرابات النوم والقلق.
  • إدمان المخدرات.
  • التفكير في الانتحار.
  • عدم المقدرة على القيام بالمهام اليومية.
  • الخوف المبالغ فيه من زيادة الوزن ومن الشكل العام للجسم.

التعامل الصحيح مع تصرفات المريض النفسي

يجب على المقربين من الشخص الذي تظهر عليه بعض تصرفات المريض النفسي أن يتفهموا الأمر ويناقشوه معه وينصحوه بزيارة الطبيب النفسي لتلقي العلاج النفسي.

علاج المرض النفسي

مؤكد أنك تتوقع يا عزيزي القارئ أنه بما أن أسباب المرض النفسي متعددة، وكذلك أنواع المرض النفسي مختلفة عن بعضها بشكل كبير وتختلف تصرفات المريض النفسي وأعراضه من مرض لآخر، لذا فسيكون منطقيا أن أخبرك أن علاج المرض النفسي أيضا متعدد الطرق. 

يختلف العلاج حسب: 

  • نوع المرض النفسي الذي يعاني منه المريض.
  • درجة المرض أو شدته ومرحلته.
  • مقدار استجابته للعلاج.
  • وجود موانع لاستعمال نوع علاج أو دواعي لاستخدام نوع دون الآخر.

الخطوط الأساسية لعلاج المرض النفسي هي:

  • العلاج الجماعي.
  • العلاج المعرفي السلوكي.
  • العلاج الدوائي.

 

الملخص

هناك أنواع عدة من الأمراض النفسية وتختلف الأعراض والعلاج بالتبعية. تبدأ تصرفات المريض النفسي في التغير بصورة متدرجة ولكنها منذرة بتطور الأمر، ويجب اللجوء للطبيب النفسي عند ظهور أي من هذه العلامات على الشخص الذي لديه سبب أو أكثر من أسباب المرض النفسي.

 

 

اظهر المزيد

د. أسماء أبو بكر

طبيبة بشرية أتوق دائما لتعلم الجديد، ولنقل العلم مع تبسيطه للجميع. أحرص على الوصول للمعلومة من أدق المصادر، ومن ثم أصيغها للقارئ والمتعلم بأسلوب علمي مبسط. أمتلك موهبة السرد المنظم الشامل. صقل عملي في التدريس الجامعي هذه الموهبة، لأضع بين القارئ علما موثوقا فيه يسير الفهم. أكتب من أجل إتاحة المعلومة الطبية الموثقة للجميع. أكتب لأنني أهوى الشرح والتفسير. أكتب لأنني أشعر بالإنجاز والسعادة مع كل مقطع أنتهي منه. أكتب لنشر العلم ودحر الجهل. أكتب صدقة عن نفسي وعلمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق