ترياق الطفل

تطور القدرات العقلية عند الأطفال

تحدثت إليَّ إحدى السيدات من جيران الصيدلية التي أعمل بها عن ابنها ذي السنوات الخمس؛ إذ كان متأخرًا في قدراته العقلية حتى يبدو للرائي وكأنه ابن العامين.

ظنت الأم أنه يعاني نوعًا من التخلف العقلي فتوجهت إلى طبيب متخصص في علاج أمراض المخ والأعصاب.

وبعد إجراء الفحوصات والأشعة اللازمة على المخ، وجد الطبيب أن الطفل طبيعي تمامًا، ونصح الأم بزيارة طبيب نفسي للأطفال.

سألها الطبيبُ النفسيُّ بعض الأسئلة، فاكتشف أن لديها بعض العادات الخاطئة في تربية الطفل والتي أدت بدورها إلى تراجع قدراته العقلية عن أقرانه من نفس العمر.

بدأ الطبيب مع الطفل خطة علاجية، وعلَّم الأم بعض تقنيات تطور القدرات العقلية عند الأطفال لتساعد في نجاح الخطة العلاجية.

نتحدث في هذا المقال عن تطور القدرات العقلية عند الأطفال، وماهيتها وأنواعها، وكيفية رفع مستواها عند الطفل.

القدرات العقلية عند الأطفال

إن الأطفال هم الكنز الحقيقي وزينة الحياة الدنيا. وأمتع ما يرى الإنسان في حياته نمو طفله وتطور قدراته العقلية يومًا بعد يوم.

ولكن أكثر ما يؤرق الأبوين -وخاصة الأمهات- تراجع مستوى القدرات العقلية للطفل عن أقرانه في نفس العمر سواء في المدرسة أو على مستوى الجيران أو الأقارب.

فكثيرًا ما تشتكي الأم من ضعف القدرات العقلية لطفلها وتراجع معدل ذكائه في التحصيل الدراسي عن زملائه؛
وتعتقد بأن ذلك من أنواع التخلف العقلي، متجاهلة الفروق الفردية بين الأطفال في قدرة الاستيعاب والتعلم.

ولفهم هذه المشكلة علينا أولًا معرفة ماهية “القدرات العقلية عند الأطفال”.

فالقدرات العقلية عند الأطفال هي تلك المهارات التي يكتسبها الطفل أو تكون لديه بالفطرة، ويستخدمها للتواصل مع
مفردات البيئة المحيطة به، مثل: التعلم والتحصيل الدراسي، والوعي والإدراك لما حوله، ورد الفعل السريع السليم
للمواقف المختلفة وغيرها.

وكما ذكرنا فإن الأطفال تختلف فيما بينها في معدلات القدرات العقلية والتي تتمثل في الذكاء، وربما تميز طفل في نوع من أنواع الذكاء وأظهر ضعفًا في آخر.

لذا يجب ألَّا نتسرع في الحكم على الطفل بضعف قدراته العقلية مطلقًا، ولكن نركز على نقاط القوة لدى الطفل لدعمها،
ونقاط الضعف لديه لتعزيزها؛ لنحصل في النهاية على تطور القدرات العقلية عند الأطفال بشمولية.

أنواع القدرات العقلية عند الأطفال

تتعدد أنواع القدرات العقلية -أو بمعنى آخر أنواع الذكاء– عند الأطفال كما الكبار، وليس بالضرورة أن يكون الطفل متميزًا في كل أنواعها؛ ولكنها تختلف بناءً على الأسس المعرفية والبيولوجية للطفل، ولا تزال محل دراسة المتخصصين.

ونذكر أبرز أنواع القدرات العقلية عند الأطفال طبقًا لنظرية هوارد جاردنر عن الذكاء المتعدد، وهي:

  • الذكاء المنطقي الرياضي

يتمتع الأطفال أصحاب هذا النوع من الذكاء بقدرتهم على حل المشكلات بشكل منطقي وإدراك حلها كليًا قبل الإفصاح عنها.

ويظهر هذا النوع في حل الألغاز وإجراء العمليات الحسابية، وحل مشكلات الحاسوب، وممارسة الألعاب الاستراتيجية.

  • الذكاء اللغوي

وهو فن استخدام الكلمة في موضعها الصحيح وقدرة الطفل على التعبير عن نفسه وشعوره بطلاقة، ويُظهِر الأطفال ذوو الذكاء اللغوي تميزًا في الأنشطة اللغوية مثل: القراءة وكتابة القصص والشعر وفن الخطابة، وتعلم اللغات الجديدة.

  • الذكاء المكاني 

وهو قدرة الطفل على التفكير الثلاثي الأبعاد، ومن ثَمَّ يتمكن الطفل من حل المشكلات المكانية وقراءة الخرائط وفك شفرة المتاهات.

ويتميز الأطفال المتمتعون بهذا النوع من الذكاء بقدرتهم على الرسم وممارسة ألعاب البناء.

  • الذكاء السمعي

وهو قدرة الطفل على تمييز النغمات ومستويات الصوت المختلفة، ويميل أولئك الأطفال إلى العزف والاستماع إلى الحفلات الموسيقية أو الإنشادية.

  • الذكاء الجسدي الحركي

وهو قدرة الطفل على استخدام الجسد في التعبير عن المشاعر والأفكار فيما يُسمى بـ “لغة الجسد”؛
ويتميز هؤلاء الأطفال ببراعتهم في التمثيل والتقليد، ويتفوقون في الرياضات الحركية مثل الجري والقفز.

  • الذكاء الذاتي الشخصي

وهو قدرة الطفل على اكتشاف شخصيته ومعرفة نفسه وقدراته بقوة، ويتميز أولئك الأطفال بالقدرة العالية على التركيز على نقاط القوة والضعف، ووضع الخطط والأهداف لأنفسهم بما يتناسب مع قدراتهم.

  • الذكاء الاجتماعي

يتميز الأطفال الذين يتمتعون بالذكاء الاجتماعي بالقدرة على التواصل الفعال مع الغير وتقديم المساعدة للآخرين
والتعرف على أشخاص جدد وإقامة علاقات اجتماعية متنوعة.

  • الذكاء الطبيعي

وهو القدرة على التناغم مع الطبيعة، إذ ينجذب الأطفال ذوو الذكاء الطبيعي إلى الحيوانات والنباتات ويهتمون بالبيئة
ونظافتها، ويميل هؤلاء الأطفال إلى السفر والتنزه.

  • الذكاء العاطفي

وهو قدرة الطفل على التعرف على مشاعره ومشاعر الآخرين، ثم إيجاد الطريقة المثلى للتواصل والتفاعل مع الآخرين.

اقرأ أيضًا الذكاء العاطفي | هل تستطيع فك الشفرة؟

ويوجد كذلك -طبقًا للنظرية- الذكاء الروحي والذكاء الأخلاقي، لكن يعتقد هوارد أنها لا تلبي معايير شمولية الذكاء.

فمن أجل تطور القدرات العقلية عند الأطفال، يجب علينا -أولًا- معرفة ما يميزهم من قدرات ونشجعهم عليها،
ثم نرفع مستوى بقية القدرات خطوة بخطوة.

كيفية رفع مستوى ذكاء الطفل

بعدما أوضحنا أنواع الذكاء عند الأطفال وأهمية متابعة الطفل لمعرفة حدود قدراته، فيجب علينا إيضاح كيفية رفع مستوى ذكاء الطفل -خاصة من سن عام ونصف وحتى 8 أعوام- ببعض الأساليب البسيطة، ومن أبرزها:

  • تحسين مستوى التركيز

من خلال زيادة نشاط الذاكرة ببعض الألعاب المسلية التي تزيد من القدرة على الاسترجاع، مثل عرض بعض الصور لأشياء مختلفة ثم تطلب من الأطفال تسميتها مجددًا.

  • النوم الكافي

فأخذ القسط الكافي من النوم يعيد شحن وظائف الدماغ، وبخاصة فترة القيلولة بعد الظهر -طبقًا لبعض الدراسات-؛
الأمر الذي يعزز القدرات الإدراكية لدى الطفل.

وينبغي معرفة أن الطفل يحتاج من 10 إلى 12 ساعة للنوم يوميًا للحصول على أفضل النتائج.

  • الانضباط الذاتي

وهو الطريق الحقيقي للنجاح؛ لذا يجب تعليم الأطفال الانضباط واحترام المواعيد وفن إدارة الوقت،
وكيفية الاهتمام بأولوياتهم، ووضع الخطط المناسبة لحياتهم وكيفية تحقيقها بكل عزيمة وإرادة.

  • مشاركة القراءة

إذ وُجد أن تأثير القراءة -مع الأطفال- فيهم أفضل من مجرد القراءة لهم، وخاصةً قراءة القصص الخيالية قبل النوم،
فهذا يزيد من قدرة الطفل على التخيل والإبداع.

  • ممارسة الرياضة

قيل من قبل: “العَقْلُ السَّلِيمُ فِي الجِّسْمِ السَّلِيمِ”؛ فالرياضة تحسن حركة الدورة الدموية بالجسم والمخ، ومن ثَم ينعكس
ذلك على زيادة القدرات العقلية للطفل.

  • تشجيع الطفل

يمثل التشجيعُ -دائمًا- الدافعَ للأمام لبلوغ المرام، وكل طفل يحتاج إلى من يشجعه لتحسين الأداء والوصول إلى أفضل
الخبرات، لذا عليك دائمًا تحفيز الطفل بالكلام أو الجوائز أو المكافآت المختلفة.

  • التأمل

من المؤكد أن ممارسة التأمل تصفِّي الذهن وتحسِّن المزاج والذاكرة، وبالتالي القدرات العقلية للطفل.

لذا؛ علم طفلك بعض تقنيات التنفس العميق والتحركات المرتبطة باليوجا.

  • سياسة الاتصال المفتوح

وهي سياسة صحية مع الأطفال الصغار، فعندما يجد الأطفال الباب مفتوحًا في كل الأوقات للتحدث والشكوى والسؤال
عن أدق التفاصيل دون أية قيود، فهذا أحرى أن يزيد من ثقتهم بأنفسهم، ما يدعم زيادة قدراتهم العقلية.

  • اللعب مع الأطفال

اللعب هواية الأطفال منذ حداثة السن، وخير هدية تقدمها لطفلك استقطاع وقتٍ -ولو بسيط- من يومك للَّعب،
وخاصةً ألعاب تنمية المهارات الذهنية للأطفال.

ويعد لعب الطفل مع الأطفال الآخرين بمثابة معلم لكيفية إقامة صداقات جديدة، وهو ما ينمي ذكاءه الاجتماعي.

  • الأنشطة الإيجابية

إن أساليب التعلم الإيجابية لها بالغ الأثر في تنمية المهارات العقلية عند الأطفال، وهي أسلوب يزيد من قدرة الأطفال على التفكير والتعلم باستخدام مواقف حقيقية وخيالية.

فالتعلم عملية لا تنتهي بانتهاء العام الدراسي؛ بل تستمر باستكشاف الحياة والبيئة المحيطة.

هناك -أيضًا- بعض الأمور الأخرى التي تساعد على تطور القدرات العقلية عند الأطفال، مثل: الحد من مشاهدة التلفاز والأجهزة الإلكترونية، والابتعاد عن الملوثات البيئية، والتربية الدينية السليمة.

ختامًا عزيزي القارئ…

كن عونًا لأطفالك وهيئ لهم الظروف المناسبة لحياة أفضل. ونتمنى لحضراتكم الاستفادة الكاملة من المقال ومعرفة أساليب تطور القدرات العقلية عند الأطفال؛ وننتظر مشاركتكم واستفساراتكم.

دمتم طيبين…

المصدر
How to Raise Mentally Strong Kids 10 Powerful Ways to Improve Your Child’s Mental AbilitiesGardner's Theory of Multiple IntelligencesDifferences in mental abilities
اظهر المزيد

د. محمود المغربي

صيدلي إكلينيكي، عملت في المجال الطبي لسنوات اكتسبت خلالها الخبرة الكافية بالإضافة إلى الخلفية الطبية القوية كصيدلي إكلينيكي. أهدف إلى مساعدة الناس على تحقيق حياة صحية أفضل من خلال إعطائهم معلومات دقيقة تستند إلى مراجع طبية موثوقة، بأسلوب كتابة سهل تتحول فيه المعلومات الطبية الأكثر تعقيدًا إلى كلمات سلسة تتدفق بسهولة في ذهن القارئ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق