ترياق في بيئة العمل

تعدد الوظائف | واحدةٌ قد لا تكفي!

اعترف أحد أصدقائي لي بأنه يحب التأليف وكتابة القصص، لكنه سيدرس الطب على أية حال لأنه يرى فيه ما يُكسِبه الاحترام. 

وعندما اقترحتُ عليه الجمع بين كليهما، شعر بسعادة غامرة؛ وقرر العمل بالطب جنبًا إلى جنب مع تأليف الكتب، وربما ألَّف كتابًا طبيًا يحوي أسلوبًا شيقًا يبسِّط للعامة أمور صحتهم.

نحن نعيش في عالم يمكِنُنا فيه إدارة شركة ناشئة، والحصول على عملٍ حر، والعمل عن بُعد في الوقت الذي نريد، فلماذا لا نستفيدُ من ذلك؟ 

لا تسيئوا فهمي، قد يكون القيام بأشياء كثيرة مرهِقًا، ولكنه قد يكون أيضًا ممتعًا بشكل استثنائي.

 قد يكون تعدد الوظائف بشكل متزامن أمرًا معقدًا؛ ولكن هناك طريقة للقيام بذلك بحيث يكمِّل كل منهما الآخر، وفي نفس الوقت تكون مستمتعًا بالأمر.

دعونا في هذا المقال نلقي نظرة فاحصة على فوائد تعدد الوظائف، وسلبياته، وكيف يجب أن تُعِد نفسك للحصول على وظائف متعددة في وقت واحد بمخاطر أقل.

تعدد الوظائف.. أيُّ تعددٍ نقصد؟

في هذا الترياق، أتناول “تعدد الوظائف المتزامن“، ويعني أن يعمل شخصٌ ما في وظيفتين أو أكثر في وقتٍ واحد. 

يجب أن تعلم أن هذا يختلف عن مصطلح “تعدد الوظائف المتسلسل“؛ فهذا يشير إلى أولئك الذين يغيرون مهنتهم بمرور الوقت، فلربما قضوا خمسة أعوام في مهنة واحدة ثم انتقلوا لمهنة أخرى. 

ويلجأ الأفراد إلى هذا النوع الأخير غالبًا إما لتحسين حالتهم المادية، أو لتحسين بيئة العمل، أو لاكتساب مهارات أكثر.

هل تعدد الوظائف أمرٌ جديد؟

إن امتلاك وظائف متعددة في وقت واحد هو في الواقع مفهوم قديم، ففي عصوٍر بعيدة كان الإنسان يعمل في الوظيفة التي توفر الأمن الاقتصادي لأسرته.

في عصورِ ما قبل الحكومات النظامية، قد تراه في اليوم الواحد يصطاد غزالة، ويزرع أرضًا، وربما يسوق غنمًا.

ثُم وبعد استقرار الإنسان وظهور المؤسسات، أصبحت ترى صيادًا ومزارعًا وراعيَ غنمٍ، ووظائف للخريجين في تخصصات محددة.

لكن، في العقدين الأخيرَين، عاد مصطلح “تعدد الوظائف المتزامن” إلى الواجهة وصار له دعاةٌ كثر، وقد يكون أسبابه غير أسباب الظهور الأول.

لم تَعُد تسمع مَن يقول: أريد عمل، بل يقول لك: أريد عملَين!

فهذا المحامي الذي يعمل طاهيًا أيضًا، وذاك المعلم الذي يبيع الكتب كذلك.

إن امتلاكَ بعض الناس اليوم لوظائف متعددة قد يكون من أجل المال، والبعض الآخر للمتعة، والبعض الآخر من أجل قضية.

في كتابها شخص واحد- وظائف متعددة”، صاغت الكاتبة الأمريكية “مارسي ألبوهر” مصطلح “العامل بالقطعة”!

وهذا المصطلح يصف الأشخاص الذين يحققون مكاسب مادية من جراء عملهم في وظائف متعددة، بدلًا من العمل في مكان واحد. 

فوائد تعدد الوظائف

فوائد تعدد الوظائف

فيما يلي بعض الأسباب التي قد تجعلك تختار تعدد الوظائف على الالتزام بوظيفة واحدة:

  • زيادة الدخل والاستقلالية:

في دراسة أُجريت حديثًا، وُجد أنَّ السبب الرئيسي وراء سعي الموظفين لتعدد الوظائف هو “تحسين المستوى المادي لهم والحصول على الاستقلالية”.

  • تنويع مصادر الدخل:

مهما كانت العلاقات جيدة، فلا يمكنك الاعتماد على صاحب العمل للحصول على راتب ثابت.

هذا الدخل الإضافي ربما يكون ضمانًا لمستقبلٍ مجهول!

  • لتصبح موظفًا أكثر جاذبية:

يُعَد الموظف متعددُ المواهب والقدرات ذا قيمة كبيرة للمؤسسات؛ لإيمانها بأن هذه المهارات ستساعده حتمًا في إنجاز مهامه بنجاح وإبداع.

  • لدخول أسواق جديدة لم تكن موجودة عندما بدأت حياتك المهنية:

من خلال الانفتاح على حياتك المهنية، يمكنك متابعة اهتمامات متنوعة، وتكوين مسار وظيفي يناسب أهدافك وقدراتك.

  • لتتعرف أكثر إلى مختلف أنماط التفكير:

كلما زادت معرفتك بمجموعة متنوعة من الموضوعات والصناعات، زاد إبداعك في الجمع بين الأفكار، والتعرف إلى الأنماط وحل المشكلات.

  • لتكوين صداقات أكثر في دوائر مختلفة:

ستقابل أشخاصًا أكثر إثارة للاهتمام، وستكون قادرًا على مقابلة أشخاص قد لا تلتقون أبدًا بأي طريقة أخرى.

عيوب تعدد الوظائف

تعدد الوظائف ليس مناسبًا للجميع؛ وذلك للأسباب الآتية:

عيوب تعدد الوظائف
  • يمكن أن تكون تلك الوظائف مشتَِتَة وغير مستدامَة وتؤدي إلى الإرهاق:

 تعدد الوظائف يعني تعدد المهام، وهو أمر قد يكون مشتِّتًا وقد يقلِّل من جودة عملك؛ إذ إنه من الأفضل أن تفعل شيئًا واحدًا جيدًا بدلًا من ثلاثة أشياء سيئة.

  • قد يكون محظورًا في بنود العقد الموقَّع مع صاحب العمل:

 ومع ذلك، فإن الكثير من الناس يبقونه سرًّا.

  • حتى لو لم يكن محظورًا بموجَب العقد، يمكن أن يثير استياء صاحب العمل:

قد يشك زملاؤك ومديرك في احترافيتك والتزامك تجاه الشركة إذا كنت مكرَّسًا لأكثر من وظيفة.

  • قد تقلل في الواقع من قدرتك على الكسب:

على سبيل المثال، لا يمكن لمهندس الكمبيوتر الذي يدير أيضًا نشاطًا تجاريًا إبداعيًا أن يركز على حياته المِهَنية في البرمجة فقط.

دليلك للحصول على وظائف متعددة

“عروض عمل كثيرة، فأيُّهما أختار؟”

على الرغم من المخاطر المحتمَلة، أبلَغَ 68٪ من العاملين في وظائف متعددة أنَّ نوعية حياتهم قد تحسَّنت منذ أن أصبحوا مستقلين، وأن 45٪ مهم يشعرون بمزيد من الأمان.

إذا كان يملؤك الفضول، وتودُّ أن تبدأ في البحث عن وظيفة بجانب وظيفتك الأساسية، فإليكَ بضع نصائح قد تساعدك في ذلك: 

  • حدِّد نقاط قوتك وما الذي يثير اهتمامك:

إذا كنتَ تعرف اهتماماتك ونقاط قوتك، ففكِّر في كيفية تطويرها واستغلالها بطرق مختلفة.

  • إذا كنت لا تعرف حتى الآن، ففكِّر في العمل الذي تستمتع به:

اسأل نفسك:

“ما هي المشاريع الجانبية التي أقوم بها في وظيفتي الحالية والتي قد تكون خارج نطاق عملي المعتاد؟”

“ما هي هواياتي المفضَّلة؟” 

  • ابدأ بمشاريع صغيرة وراقِب ردود الأفعال:

أَنشِئ سيرتَك الذاتية الجديدة من خلال العمل وتعرَّف إلى ما يَلقى صدى لدى الآخرين، وما تستمتع بفعله، واتبَع حدسك.

  • لا تستبدل المال بالوقت:

محاولة التوفيق بين وظيفة بدوام كامل ووظيفة بدوام جزئي، أو وظيفتين أو أكثر بدوام جزئي حيث تكون مشغولًا على مدار الساعة يمكن أن يؤدي إلى الإرهاق وإلى الاحتراق الوظيفي أيضًا؛ لذا حاول ألا يعتمد دخلك على عدد ساعات عملك. 

  • استخدِم حياتك المهنية لاكتساب مهارات وخبرات جديدة في صناعة تريد دخولها:

ابحث عن العملاء في الصناعات التي تهمك، ونفِّذ المشاريع التي تتطلب مهارات أنت تجيدها.

  • سوَِق لنفسك:

إذا كانت لديك خبرة مثبتة في مجال واحد، فمن الأسهل اكتساب المصداقية في كل مكان. 

تأكَّد من ترجمة نجاحاتك وخبراتك السابقة بطريقة تجعلك ذا قيمة فريدة لعميلك أو رئيسك في العمل. حتى لو كنت جديدًا في الصناعة، فإن منظورك الجديد يصبح مصدر قوة.

  • استفد من شبكتك:

اجعل جهات الاتصال الخاصة بك هي التي تساعدك في الوصول إلى عملائك الأوائل أو في وضع قدمك على باب صناعة جديدة.

  • لا تشتِّت نفسك، وركِّز على هدف واحد:

ركِّز على إتقان بعض المهارات التي تتوافق مع نقاط قوتك.

فكِّر في كل خطواتك على أنها لَبِنات بناء تقودك إلى حيث تريد أن تكون في بضع سنين.

وختامًا…

إذا كنتَ تشعر أنك تريد الحصول على وظيفة أخرى بجانب وظيفتك، فتأكَّد أولًا من أنه شيء تريده حقًا وأن الأمر لا علاقة له بشعورك بالملل.

كنْ صادقًا مع نفسك لتتخذَ القرار السليم.

المصدر
Why or Why Not Opt For Multiple Careers?Embrace Your Paths: Why Having Multiple Jobs is a Good ThingWhy You Should Prepare for Multiple Careers (and How to Do It)
اظهر المزيد

د. محمود الرزاز

محمود الرزاز، صيدلي اكلينيكي، و أخصائي معلومات طبية، استمتع بالبحث عن الدليل العلمي، ومهتم بوصول المعلومات الطبية الحديثة للقاريء بلغة بسيطة و مفهومة، في ظل فوضى انتشار المعلومات غير الدقيقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق