ترياق الأمراض النفسية

تعلق المريض بطبيبه النفسي | حقيقة أم أوهام!

أتذكرُ هذا اليوم جيدًا…

كنتُ أجلس على الأريكة يومها، ولون الحمرة يكسو وجهي من كثرة الخجل، وكنتُ على وشك أن أعترف له بكل المشاعر التي أحملها بداخلي تجاهه، والحب الذي أخفيتُه عنه طيلة الشهور الماضية! 

نعم، لقد وقعتُ في غرامه!

ولم لا؟ فهو الوحيد الذي يعلم ما أصابني؛ كم شكوتُ له من الحزن الذي سيطر عليَّ ومن الاكتئاب الذي تمكن مني! كم انهمرت دموعي في عيادته وأنا أحكي له عن هموم لم أعد أقوى على حملها!

كان يقتص الكثير من وقته وجهده في كل جَلسة ليسمع مشكلاتي وآلامي، وباحترافية شديدة يحول مشاعر الحزن واليأس إلى طاقة إيجابية تغمر المكان من حولي!

يفهم أفكاري ومشاعري الداخلية أكثر من أي شخص آخر، أصبح بإمكاني أن أخبره بكل شيء يدور في ذهني ويخطر ببالي دون أن أتوقع انتقادًا عنيفًا، أو أن يلقي عليَّ بسيل من الاتهامات كما يفعل الأشخاص المحيطون بي في عالمي بالخارج.

إنه يعرفني جيدًا، لا أحتاج لبذل مجهود كبير لأوصِل أفكاري، أشعر بالأمان والراحة كلما رأيته!

لكن حدث ما لم أكن أتوقعه؛ لقد تلاشت الكلمات من فمي، وعجز لساني عن النطق كما لو أن صخرة سقطت فوقه فحطمته ومنعته عن البوح بحديث حملته في داخلي شهورًا طويلة كي أصارحه به.

راودتني أفكار أنه قد يتخلى عني وعن إكمال علاجي، أو ربما أنه لا يبادلني نفس المشاعر، فعلى أي حال أنا لا أريد أن أخسر طبيبي!

اكتفيتُ بتدوين كل ما مررتُ به في مذكراتي… “يومياتي مع طبيبي النفساني”، التي أطوي في كل يوم منها صفحة قديمة، لأكتب في صفحاتي الجديدة أسئلتي المتكررة باستمرار: “هل يبادلني نفس المشاعر؟ أم كل ما أشعر به هو مجرد أوهام ليس لها وجود؟”.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

“هل أحمل مشاعر حقيقية لمعالجي؟ أم هذا الشعور مجرد رد فعل طبيعي لشخص اهتم بي، وسعى بعلمه وكفاءته لاحتواء مرضي النفسي؟”.

نستعرض في هذا الترياق علاقة المريض بطبيبه النفسي …

لماذا يتعلق المريض بطبيبه النفسي؟

يُعَدُّ إحساس المريض بمشاعر تجاه طبيبه النفسي أمرًا شائع الحدوث، ولا يقتصر على الجانب العاطفي أو الرومانسي فقط؛ فعلى سبيل المثال: قد تنشأ بداخل المريض مشاعر أبوة تجاه معالجه إذا كان يكبره سنًا.

فالعلاقة العلاجية التي تجمع بينهما هي علاقة فريدة من نوعها، إذ إنها تتعلق بالجانب الشخصي للمريض.

يحضر المريض جلسات علاجية أسبوعية مع طبيبه النفسي في عيادته، وقد تستغرق الجلسة الواحدة ساعة أو أكثر، يسرد فيها المريض أفكارًا ومشكلات تصادفه يوميًا وتعكر صفو حياته.

وقد يذهب المريض لأبعد من ذلك، فيقص على طبيبه أحلك الأسرار والتفاصيل الشخصية التي لا يجرؤ أن يتحدث عنها مع المقربين منه.

على الجانب الآخر، يحرص الطبيب النفسي على جعل عيادته ملاذًا أمنًا، لكي يكشف المريض أعمق أسراره ويُخرِج ما بداخله من غصص، فيستقبل الطبيب كل هذه الأفكار باهتمام شديد، ويسعى إلى تهدئته ومساعدته على تخطِّي أزماته، دون الحكم عليه أو انتقاده. 

كيف تتعامل مع مشاعرك تجاه طبيبك النفسي؟

نظرًا لكل هذا الاهتمام الذي يوفره الطبيب النفسي بحكم عمله وأدائه لوظيفته النبيلة، قد يبدأ المريض في الاعتياد على وجود الطبيب في حياته بشكل كبير، ومشاركته كل تفاصيل حياته.

لذا، عليك أن تدرك أن ما شعرتَ به هو أمر طبيعي؛ أنت لستَ غريبًا أو فعلتَ شيئًا يستدعي الخجل.

فما شعرتَ به حالة موجودة بالفعل في أدبيات التحليل النفسي، تُعرَف باسم “التحويل” أو

 “Transference”، وهي انتقال مشاعر المريض -التي كان يكنها بداخله لشخص ما من المحيطين به في الماضي- إلى معالجه، ويحدث ذلك بطريقة لا إرادية، ودون وعي من المريض.

إليك بعض الخطوات التي تساعدك على التعامل مع مشاعرك والتغلب عليها:

  • تحدَّث مع طبيبك

يمكنك مناقشة ذلك مع طبيبك وإخباره بمشاعرك، لأن ذلك حتمًا سيساعدك على خطوات علاجك ومعاونتك على تحديد عواطفك والتحكم في مشاعرك.

  • ذكِّر نفسك

ذكِّر نفسك دائمًا أن هذه المشاعر طبيعية ووارد حدوثها، فقط عليك التعامل معها بطريقة سليمة.

  • واظب على الكتابة

خصِّص وقتًا للكتابة، واقضِ نحو 15 دقيقة في تدوين مشاعرك، خاصةً عندما ينتابك شعور قوي بالتعلق الشديد؛ سيساعدك ذلك على تفريغ طاقتك وإكمال يومك على النحو المرغوب به.

كيف يتعامل طبيبك مع مشاعرك تجاهه؟

هنا يأتي دور طبيبك في توضيح الأمور وتصحيح الاعتقاد الخاطئ الذي يسيطر عليك، فإن معالجك بطبيعة الحال قد يعلم أنك تكِنُّ له بعض المشاعر، وربما أنك لستَ أول مَن يصارحه بذلك، فمن المتوقع أنه صادف مثل تلك الحالات، أو أنه يعرف ذلك الشعور جيدًا بحكم عمله ودراسته.

سيتعامل طبيبك معك بمنتهى المهنية؛ فهو معتاد على ذلك، وسيكون منفتحًا ومرحبًا بالمناقشة حول مشاعرك تجاهه، وسيحرص على توجيهك إلى اكتشاف مشاعرك بصورة سليمة وصحيحة.

سيشرح لك الطبيب أن ما أحسستَ به هو مجرد رد فعل طبيعي لشخص منحك قدرًا من الاهتمام، لتبوح بما في قلبك وصدرك بحرية دون قيود، وأن ما شعرتَ به هو مجرد نموذج للعلاقة التي تريد أن تعيشها مع شخص آخر غيره، لأن أي علاقة سوية تُبنَى على الوضوح والصدق، تمامًا كما تفعل مع طبيبك.

كذلك سيساعدك على وضع حدود لتلك المشاعر،  واستغلال ما حدث بطريقة جيدة لإتمام عملية علاجك.

الضوابط المهنية للجلسة النفسية

يحرص الطبيب على اتباع ضوابط عديدة لضمان حقوق المريض في المحافظة على خصوصياته، ومنها:

  • الحفاظ على السرية التامة

يمتنع الطبيب عن مشاركة معلومات المريض مع أي شخص من معارفه مهما كانت صلة القرابة؛ فمشاركة مثل هذه الأمور ليست ضرورية.

  • إحاطة العملاء بقواعد الخصوصية 

قد لا يعرف المريض أن هناك حالات قد يضطر فيها الطبيب لإفشاء سر عميله، مثل تخطيط المريض لإيذاء نفسه، لذا يجب على الطبيب إخطار المريض بذلك.

  • تجنب استخدام معلومات عن المريض في الأوراق البحثية

قد يحتاج الطبيب للإشارة إلى ظروف عميل ما في بحث أو مستند، فيلزمك حينها إخفاء هوية العميل حفاظًا على خصوصياته.

  • استئذان العميل

إذا ما اضطُر الطبيب إلى مشاركة بعض المعلومات أو التسجيلات التي تخص العميل مع زملائه الأطباء لمشاورتهم في أمر يتعلق بحالته، يتعين على الطبيب استئذان المريض سلفًا.

  • التحكم في انفعالاته

يحرص الطبيب على التحكم في ردود أفعاله أمام المريض، خاصة عندما يخبره بأشياء صادمة، بالطبع هذه القاعدة لا تخص الحفاظ على سرية المريض بشيء، لكنها علامة مهمة في بناء علاقة ثقة مع عميلك.

ختامًا …

احرص على أن تركز في حياتك الشخصية؛ فقد تكون تلك المشاعر نتيجة وجود خلل في علاقاتك مع الآخرين، أو أنك لا تجد من يُلبِّي حاجتك في دائرة معارفك، ولعلك ترغب في شريك حياة يجسد صفات معالجك، أو أنك اتخذتَه كأب لك تفتقد وجوده في حياتك.

أما عن كل العواطف والمشاعر التي تغلبت عليك خلال جلساتك أو فترة علاجك مع طبيبك، فهي ليست حقيقية.

كتبته د.منى كرم

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى