مفاهيم ومدارك

تقدير الذات | أنت تستحق الأفضل!

ذات يوم، بينما أجلس مع صديق لي نتناقش سويًا في بعض أمور الحياة، قلت -ضاحكًا- عن أمر ما:

 “لم أستطع أبدًا إنجاز هذا الشيء، لقد حاولت بكل الطرق وفشلت، لا بد أنني سأحتاج إلى مساعدة أحدهم في إتمامه.” 

اندهش صديقي كثيرًا من كلامي: “كيف تقول هذا الكلام على نفسك؟ ألا تخشى أن توصَم بالفشل؟!” 

“لا يا صديقي، أنا لا أخشى أن أوصَم بالفشل، لأني تعلمت تقدير الذات… تعلمت كيف أحترم نفسي وأتقبلها كما هي… وأعلم جيدًا نقاط ضعفي وقوتي، فلا أنزعج من طلب المساعدة من الآخرين؛ فكما هم بارعون في أشياء، أنا أيضًا بارع في أخرى.” 

لم تفارق علامات الدهشة وجه صديقي، إذ يعتقد أنه لا يجب أن تقدر ذاتك إلا إذا كنت بارعًا في كل شيء، لا تخطيء أبدًا ولا تفشل، فأنت الأفضل دائمًا. 

إذا كنت مثل صديقي تعتقد ذلك، فأدعوك إلى مرافقتنا عبر سطور هذا المقال، الذي نتحدث فيه عن علامات تقدير الذات الصحية، وكيفية التفريق بينها وبين الغرور. 

أولًا…

ماذا يعني تقدير الذات؟ 

يستخدم مصطلح “تقدير الذات” في علم النفس لوصف الشعور العام للمرء تجاه نفسه، ومدى رضاه عنها،
وكذلك مدى شعوره بأهميته وبقيمته كإنسان متفرد عن غيره من البشر. 

بمعنى آخر، يعبر تقدير الذات عن مدى حبك وتقديرك لنفسك، وهو الأمر الذي يعتمد بالأساس على ما تعتقده وتؤمن به عن ذاتك. على سبيل المثال، مدى رضاك عن مظهرك أو سلوكك أو تفكيرك. 

بالطبع، هناك طرفان بعيدان لتقدير الذات؛ وكلا الطرفين قد يكون مضرًا بشكل أو بآخر:

  • الطرف الأول: تقدير الذات المنخفض، أو بصيغة أخرى “ضعف الثقة بالنفس”. 
  • الطرف الثاني: تقدير الذات المتضخم، الذي قد يصل إلى حد الغرور أو النرجسية في بعض الأحيان.  

لذا؛ فالحفاظ على التوازن وتقديرك لنفسك دون إفراط أو تفريط هو المبتغى الذي يجب أن تسعى إليه،
لكي تنعم بصحة نفسية مستقرة، وبعلاقات صحية وهادئة ومتوازنة. 

ما أهمية تقدير الذات؟ 

يؤدي تقدير الذات المتوازن الصحي دورًا هامًا في تحفيزك على النجاح والتقدم والإنجاز في الحياة، بينما ضعف الثقة
بالنفس وقلة تقديرك لنفسك وإمكانياتك قد يعيقك عن النجاح، لأنك لا تؤمن بقدراتك، وتعتقد أنك غير قادر على إنجاز مهامك بكفاءة. 

لذلك؛ عليك يا صديقي السعي في الحياة حاملًا داخلك طاقة إيجابية، ترتكز على تقديرك لذاتك، وإيمانك بمواهبك
وباستحقاقك للخير، وبقدرتك على تحقيق أهدافك عند بذل الجهد والعرق. 

ما مقياس تقدير الذات الصحي؟

ما مقياس تقدير الذات الصحي؟

هناك بعض الطرق التي تخبرك إذا كنت تقدر نفسك بطريقة صحية أم بطريقة خاطئة.

 إذا كنت تفعل هذه الأمور، فهذا يعني أنك تقدر ذاتك بطريقة صحية:

  • تتجنب الخوض في التجارب السلبية السابقة، وتتجاوزها سريعًا. 
  • تستطيع التعبير عن نفسك واحتياجاتك جيدًا. 
  • تشعر بالثقة في نفسك. 
  • تنظر إلى الحياة نظرة إيجابية. 
  • تستطيع أن تقول “لا” للأشياء التي تزعجك، والتي لا ترغب في تنفيذها. 
  • تستطيع تمييز نقاط ضعفك وقوتك، وتتقبل نفسك على أي حال. 

علامات تقدير الذات المنخفض

إذا كنت تفعل هذه الأشياء، فهذا يعني أنك لا تقدر ذاتك بطريقة صحيحة، وتحتاج إلى أن تجتهد لتغيير بعض المفاهيم الخاطئة التي تؤثر في رؤيتك لنفسك:

  • تعتقد أن الجميع أفضل منك. 
  • تجد صعوبة في التعبير عن نفسك واحتياجاتك. 
  • تركز فقط على نقاط ضعفك.
  • تشعر معظم الوقت بالعار أو الاكتئاب أو القلق
  • تنظر إلى الحياة نظرة سلبية متشائمة. 
  • تخاف كثيرًا من الفشل. 
  • تجد صعوبة في تقبل المديح والإطراء من الآخرين.
  • تشعر أنك مجبر دائمًا على قول “نعم”؛ إذ تجد صعوبة في الرفض أو قول “لا” عندما لا يعجبك أمر ما.
  • تضع مصلحة الآخرين فوق مصلحتك الشخصية. 
  • لا تثق في نفسك. 

إذن…

ما الحد الفاصل بين تقدير الذات والغرور؟ 

ما الحد الفاصل بين تقدير الذات والغرور؟

يتخوف بعضهم من أن يتحول تقدير الذات إلى نوع من الغرور أو النرجسية؛ فإذا تضخم شعور أحدهم بنفسه فسيؤثر ذلك بالطبع في علاقاته الاجتماعية والشخصية، إذ قد يشعر بالأفضلية والاستحقاقية دونًا عن غيره. 

لكنه -بحسب علم النفس- فإن تقدير الذات والثقة بالنفس تُبنى على الإنجازات التي حققها الشخص بالفعل،
والقيم التي يمتلكها ويعمل بها، وعلى رعايته ومساعدته للآخرين. 

أما النرجسية والغرور فتُبنى على حب الشخص لنفسه فقط، ورغبته المستميتة في أن يكون أفضل من الآخرين بأي ثمن، والشعور بعدم الأمان، والخوف من الفشل والوصم

لذلك؛ فالفرق واضح بين الاثنين ولا يمكن الخلط بينهما. 

لكن ما الخطأ الذي قد يقع فيه الآباء، فيجعل طفلهم يُصاب بالغرور بدلًا من تقدير ذاته صحيًا؟! 

يرى العلماء أن طريقة تعامل الآباء مع طفلهم في صغره تؤثر كثيرًا في صورته عن نفسه. 

فعند امتداح الوالدين لإنجازات الطفل التي نجح في تحقيقها، يقوي ذلك من ثقته بنفسه، وينمي لديه شعورًا صحيًا بتقدير الذات. 

أما إذا أصر الأبوان على امتداح الطفل على أفعال لم ينجزها أو مهارات ليست لديه، فقد يؤدي ذلك إلى شعوره بالضغط والتوتر وعدم الأمان، فكأنما يجب أن يكون شخصًا آخر غير نفسه وأفضل من غيره لكي يرضى عنه الآخرون. الأمر الذي قد يُعزز لديه -فيما بعد- سلوك النرجسية بدلًا من زيادة ثقته بنفسه. 

ليست العائلة فقط من تؤدي دورًا في هذا الأمر، بل يؤدي المجتمع أيضًا دورًا كبيرًا في نشأته؛ إذ غالبًا ما يستمد بعض الناس شعورهم بأهميتهم من نظرة المجتمع إليهم. 

ولما كانت نظرة المجتمع في أغلب الأحيان نظرة غير واقعية، ومبنية على مثاليات وكماليات يصعب تحقيقها للشخص العادي، يُصيب ذلك العديد من الناس بالإحباط والاكتئاب، ويُضعف من ثقتهم بأنفسهم. 

أما على الجانب الآخر، فإن بعض من سيتسنى لهم الحصول على الامتيازات الاجتماعية -المبنية على تلك التوقعات والنظرات الخاطئة- قد يصابون بالغرور والنرجسية، ويشعرون بأنهم أفضل وأحق من غيرهم. 

نصائح ستساعدك على تقدير نفسك بصورة صحيحة

تبدأ خطوات تقدير الذات الصحي من تقبلك لنفسك، وإدراكك أنك غير كامل، ولا أحد كامل. 

إذا كنت عاجزًا عن ذلك، إليك بعض النصائح التي قد تساعدك على تقدير ذاتك وزيادة ثقتك بنفسك:

  • اعرف جيدًا نقاط قوتك ونقاط ضعفك: جرب أن تدون ذلك في ورقة، انظر إلى نقاط قوتك واجعلها حافزًا لك على الإنجاز والتقدم. واعمل بقدر استطاعتك على تحسين وتقوية نقاط ضعفك، فإن لم تستطع فلا بأس، تقبل نفسك كما هي، فكما قلنا سابقًا لا أحد كامل. 
  • اجعل توقعاتك عن نفسك واقعية: سيعتمد ذلك على إدراكك للنقطة السابقة، فمعرفتك الجيدة بما تستطيع فعله وما لا تستطيع، سيجعل توقعاتك من نفسك توقعات واقعية، وهو ما سيجنبك القلق والتوتر، والإحباط الناتج عن السعي وراء الكمالية غير الموجودة على أرض الواقع. 
  • توقف عن مقارنة نفسك بالآخرين: قارن نفسك بنفسك فقط؛ فاسع إلى تحسين حالك، واجعل كل يوم يمر عليك يغيرك للأفضل. 

في النهاية، لا تنس -يا صديقي- أن هناك شعرة رفيعة بين تقدير الذات والغرور، فلا تجعل اهتمامك بنفسك وباحتياجاتك ينسيك أن للآخرين حقوقًا عليك، وأنك لست أفضل من أحد، بل يستحق الجميع الاحترام والدعم والتقبل. 

المصدر
Signs of Healthy and Low Self-EsteemWhat Factors Influence Your Self-esteem?6 Tips to Improve Your Self-EsteemSelf-Esteem Versus NarcissismDo You Know the 3 Types of Self-Esteem?
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق