ترياق الأمراض النفسية

كل ما تود معرفته عن تمارين التنفس

منذ مدة، كنتُ أبحث عبر الإنترنت عن بعض الوسائل التي تساعد على الاسترخاء، وتقليل حدة التوتر والقلق، وقد وجدتُ أن العديد من المتخصصين ينصحون بممارسة تمارين التنفس. 

بعد التعمق أكثر في البحث، وجدتُ أن لهذه التمارين كثيرًا من الفوائد العظيمة للصحة النفسية والجسدية. 

في هذا المقال، قررتُ أن أخبركم كل ما تحتاجون معرفته عن هذه التمارين؛ أنواعها، وفوائدها المختلفة، وكيفية تأديتها بالطريقة الصحيحة، فتابعوا معنا القراءة…

في البداية، لكي ندرك أهمية تمارين التنفس، يجب أن نفهم عملية التنفس نفسها، والعوامل المؤثرة فيها.

عملية التنفس

عملية التنفس عملية لا إرادية معقدة، تهدف إلى تبادل الغازات بين الجسم ومحيطه الخارجي، أي: إدخال الأكسجين إلى داخل الجسم، وطرد ثاني أكسيد الكربون خارجه. 

تشارك الأعضاء التالية بشكل أساسي في عملية التنفس:

  • الرئتان: الرئتان هما العضو الرئيسي المسؤول عن عملية التنفس، وتقعان على جانبي الصدر.

تتمدد الرئتان عند دخول الهواء إليهما (الشهيق)، وتنكمشان عند خروج الهواء منهما (الزفير). 

تُحاط كل رئة بغشاء يُسمَّى “الغشاء البلوري – Pleura”، وهو المسؤول عن حمايتها، ويسمح لها بالتحرك ذهابًا وإيابًا في أثناء عملية التنفس.

  • الحجاب الحاجز: وهو عضلة رفيعة تقع تحت الرئتين وفوق تجويف البطن. يتحرك الحجاب الحاجز لأعلى ولأسفل في أثناء التنفس، فيساعد على انكماش أو تمدد الرئتين.
  • العضلات الوربية: وهي العضلات التي تتواجد بين الضلوع، ووظيفتها أنها تساعد على تمدد وانكماش التجويف الصدري في أثناء التنفس. 

في أثناء الشهيق، ينقبض الحجاب الحاجز ويتحرك لأسفل، وهو الأمر الذي يؤدي إلى اتساع التجويف الصدري، فيسمح ذلك للرئتين بالتمدد والامتلاء بالهواء.

أما في أثناء الزفير، ترتخي عضلة الحجاب الحاجز، فيقل الفراغ الموجود بالتجويف الصدري، فيساعد ذلك على إفراغ الرئتين من الهواء الموجود بداخلهما.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

هل تتأثر عملية التنفس بعوامل معينة؟ 

بالطبع؛ تتأثر عملية التنفس بعدة عوامل، منها:

صحة الأعضاء المشارِكة في عملية التنفس

بعض الأمراض التي تؤثر في صحة الرئة -مثل: الربو، أو الانسداد الرئوي المزمن- تقلل من كفاءة عمل الرئة، ومن ثَمَّ تؤثر سلبًا في عملية التنفس. 

طريقة التنفس نفسها

هناك طريقتان للتنفس؛ إحداهما مفيدة، والأخرى ضارة على المدى البعيد.

  • التنفس الصدري: ويتبعها الجسم عادة في أثناء تأدية الأعمال الشاقة، أو في حالات الطوارئ.

لا تسمح هذه الطريقة للرئة بالعمل بكامل طاقتها، إضافة إلى أن لديها بعض الأضرار على المدى البعيد، إذ تزيد من الشعور بالتوتر والقلق، وتسبب ضيقًا في التنفس، وألمًا في عضلات الصدر. 

  • التنفس البطني: وتُعَدُّ الطريقة المُثلَى للتنفس، لأنها تساعد على امتلاء الرئتين بالهواء والعمل بكامل طاقتهما. 

وهذا الأمر ضروري للغاية، من أجل إدخال كمية الأكسجين الكافية إلى خلايا الجسم، وإخراج غاز ثاني أكسيد الكربون الضار والتخلص منه تمامًا. 

وهنا، تظهر أهمية تمارين التنفس الصحيح، والتي نساعد بها أعضاء التنفس على العمل بكامل طاقتها، ومن ثَمَّ نساعد على تحسين عملية التنفس، الأمر الذي سيعود بعدة فوائد على صحتنا النفسية والجسدية.

تمارين التنفس

هي مجموعة من التمارين التي ندرب عليها الجسم بانتظام، من أجل مساعدته على الاسترخاء، والتنفس بطريقة سليمة. 

التنفس بطريقة صحيحة أمر مهم لسلامة جميع أعضاء الجسم، إضافة إلى أنه وسيلة للشعور بالراحة والاسترخاء، ويساعد على مقاومة التوتر.

دعونا في السطور القادمة نوضح لكم بعضًا من فوائد هذه التمارين المختلفة…

فوائد تمارين التنفس للتوتر

لكي تفهم كيف تساعد تمارين التنفس على التخلص من التوتر، عليك أن تراقب طريقة تنفسك وأنت مسترخٍ.

عندما تكون هادئًا ومسترخيًا، ستلاحظ أنك تتنفس ببطء وانتظام، وذلك عكس ما يحدث عندما تكون متوترًا، إذ يزداد معدل تنفسك، ويصبح النفس قصيرًا، وهو ما نسميه “النَهَج”. 

إذًا، فعندما تمارس هذه التمارين، فكأنك ترسل إشارة للمخ لكي يهدأ ويسترخي، ومن ثَمَّ يرسل المخ هذه الإشارة للجسم مرة أخرى، فيؤدي ذلك إلى الشعور بالراحة والاسترخاء. 

ستلاحظ أيضًا -عند ممارسة تمارين التنفس للتوتر- أن الأعراض الأخرى المصاحِبة لمشاعر القلق -مثل: زيادة معدل ضربات القلب، أو ارتفاع ضغط الدم- قد هدأت هي الأخرى.

فوائد تمارين التنفس للقلب

تساعد تمارين التنفس على التخلص من القلق، والذي يُعَدُّ سببًا أساسيًا من أسباب الإصابة بأمراض القلب.

من فوائد تمارين التنفس للقلب أنها تساعد أيضًا على: 

  • تنظيم ضربات القلب.
  • خفض ضغط الدم.
  • تحسين تدفق الدم إلى القلب والأوعية الدموية.
  • وصول كمية كافية من الأكسجين إلى خلايا القلب، وجميع خلايا الجسم الأخرى.

فوائد تمارين التنفس للتخاطب

تمارين التنفس من الوسائل الأساسية المستخدَمة في علاج الكثير من مشكلات التخاطب عند الأطفال والبالغين، مثل التأتأة. 

لكن قبل أن نتحدث عن دورها في علاج مشكلة التأتأة، دعونا نفهم أولًا العلاقة بين التنفس والكلام.

العلاقة بين الكلام والتنفس

في الحقيقة، يعتمد حجم ومعدل الكلمات التي نستطيع إنتاجها من أحبالنا الصوتية -بشكل كبير- على الطريقة التي نتنفس بها. 

فعندما يتحدث الإنسان، تخرج الكلمات مع الزفير. وكلما كان حجم الهواء الداخل إلى الرئتين خلال الشهيق كبيرًا، ازداد عدد الكلمات التي نستطيع إنتاجها بوضوح خلال الزفير. 

ليس هذا فحسب، بل يساعد التنفس العميق أيضًا على أن يكون الصوت أقوى وأعلى. 

إذًا، يمكن استخدام تمارين التنفس للتخاطب الجيد، وإنتاج الكلمات بصورة أوضح وأقوى، لذا فقد شاع حديثًا استخدام تمارين التنفس لعلاج التأتأة عند الأطفال والبالغين.

تمارين التنفس لعلاج التأتأة

في البداية، ماذا تعني التأتأة؟

التأتأة: اضطراب في إنتاج الكلام، أي عدم قدرة الشخص على التحدث وإنتاج الكلمات بسلاسة. 

يمكن أن تتواجد التأتأة في عدة أشكال، إما:

  • تكرار جزء من الكلمة عدة مرات قبل الاسترسال في الحديث، على سبيل المثال: مسـ مسـ مسـ مستشفى. 
  • تكرار الكلمة كلها عدة مرات في بداية الجملة. 
  • الإطالة في بعض أجزاء الكلمة، والضغط على حرف معين منها قبل الاسترسال في نطق بقية حروفها، مثل: مـ(ـســـــــــــــ)ـتشفى. 
  • التوقف للحظات في منتصف الجملة قبل إتمامها، ويمكن أن يصاحب هذا التوقف بعض الهمهمات أو الأصوات غير المفهومة، مثل: سأذهب إلى (اممممممم) المستشفى. 

التأتأة مشكلة شائعة في الأطفال، وقد تصيب الكبار أيضًا.

اقرأ هنا عن كيفية تنمية مهارات الطفل اللغوية.

كيف يمكن استخدام تمارين التنفس لعلاج التأتأة؟ 

كما ذكرنا سابقًا، فإن تنظيم التنفس مهم للغاية من أجل إنتاج الكلمات بسلاسة ووضوح. لذا، كانت تمارين التنفس الصحيح وسيلة فعالة لعلاج هذه المشكلة. 

تقوم الفكرة الأساسية للتمارين على تدريب الطفل على التوقف (في بداية الجمل، وفي مواضع التوقف الطبيعية داخل الجملة نفسها)، والغرض من هذا التوقف هو أخذ نفس عميق قبل الاسترسال في الكلام.

أي: نطلب من الطفل أن يأخذ نفسًا عميقًا ثم يتحدث، لأن امتلاء رئتيه بالهواء خلال الشهيق سيساعده على إنتاج معدل كلمات أكبر وأوضح أثناء الزفير. 

إضافة إلى ذلك، فإن ممارسة تمارين التنفس العميق تساعد على الاسترخاء، وتقلل من التوتر المصاحب عادةً لمشكلة التأتأة، والذي يزيدها سوءًا.

اقرأ هنا أيضًا عن التوتر عند الأطفال.

والآن، بعد أن تحدثنا عن فوائد تمارين التنفس، دعونا نلقي نظرة على بعض أنواعها المختلفة.

أنواع تمارين التنفس

توجَد أنواع مختلفة من تمارين التنفس، بعضها يأتي بنتائج سريعة بعد وقت قصير من ممارستها، وبعضها يحتاج إلى الانتظام عليها فترات أطول، لكي تشعر بنتائج ملموسة.

لكن في كل الحالات، لكي يأتي أي نوع من هذه التمارين بثمرته المرجوة، يجب الانتظام عليه، وجعله جزءًا من روتينك اليومي. 

هيا بنا لنستعرض بعض أنواع تمارين التنفس… 

أنواع تمارين التنفس

1التنفس مع زم الشفاه (Pursed lip breathing)

هذا التمرين سهل بسيط، ويمكن تأديته في أي وقت، لكنه قد يكون مفيدًا جدًا عند ممارسة بعض الأنشطة، مثل: صعود السلم، أو رفع الأشياء، أو الانحناء. 

كيف تؤديه؟

1- أرخِ عضلات رقبتك وكتفيك.

2- أبقِ فمك مغلقًا، واستنشق الهواء ببطء من خلال أنفك. 

3- زِمَّ شفتيك كما لو كنتَ ستصَفر. 

4- أخرج الآن الهواء ببطء من خلال شفتيك المزمومتين. 

كرِّر هذا التمرين من أربع إلى خمس مرات يوميًا على الأقل. 

2- التنفس الحجابي

يدربك هذا التمرين على استخدام عضلة الحجاب الحاجز بشكل صحيح في عملية التنفس. 

كيف تؤديه؟

1- استلقِ على ظهرك وضع وسادة تحت رأسك. 

2- اثنِ ركبتيك قليلًا، ويمكنك أن تضع تحتهما وسادة لدعم ساقيك. 

3- ضع إحدى يديك على صدرك، والأخرى أسفل القفص الصدري، لكي تشعر بحركة الحجاب الحاجز في أثناء التنفس.

4- استنشق الهواء ببطء من أنفك.

5- أخرج الآن الهواء ببطء، واضغط برفق على عضلات بطنك في أثناء ذلك. 

6- ابقِ يدك التي على صدرك ثابتة قدر الإمكان.

مارِس هذا التمرين مدة خمس أو عشر دقائق في كل مرة، وكرره من ثلاث إلى أربع مرات يوميًا. 

ربما تشعر بصعوبة في بداية ممارستك لهذا التمرين، لكنك ستعتاد عليه بعد فترة من الوقت.

3- تمرين تنفس الأسد

هذا التمرين هو أحد تمارين اليوجا التي يُعتقَد أنها تخفف التوتر في الوجه والصدر.

كيف تؤديه؟

1- اختر وضعية جلوس مريحة لك.

2- اضغط براحة يديك على ركبتيك، مع توسيع ما بين أصابعك. 

3- تنفس بعمق من أنفك، وأبقِ عينيك مفتوحتين بقوة مع النظر لأعلى، وذلك لكي تمدد عضلات وجهك في أثناء التمرين.

4- أخرج الهواء عن طريق فتح فمك بقوة، مع إخراج لسانك. 

مارِس هذا التمرين ثلاث مرات يوميًا.

4- تمارين التنفس العميق

تمارين التنفس العميق من التقنيات المستخدَمة بكثرة لمساعدة الأشخاص على التخلص من القلق والتوتر، لأنها تبطئ من معدل ضربات القلب، وتساعد على الشعور بالراحة والاسترخاء.

كيف تؤديها؟

1- اجلس في وضعية مريحة، وأرخِ كتفيك. 

2- تنفس بعمق من خلال الأنف، واملأ رئتيك بالهواء جيدًا، وذلك لمدة أربع ثوانٍ. 

3- أخرج الهواء ببطء، وأفرغ رئتيك تمامًا لمدة أربع ثوانٍ أخرى.

5- التنفس الأنفي البديل (Alternate nostril breathing)

قد تبدو خطوات هذا التمرين معقدة قليلًا في البداية، لكنك ستعتادها مع الوقت. 

يعتمد هذا التمرين على فكرة أن الناس يستخدمون إحدى فتحتي الأنف أكثر من الأخرى عند التنفس -دون إدراك ذلك-، فيدربهم التمرين على استخدام الفتحتين جيدًا من أجل تحسين عملية التنفس.

كيف تؤديه؟

1- اجلس في وضع مريح، وأخرج الهواء تمامًا من رئتيك قبل بدء التمرين. 

2- أغلق فتحة أنفك اليمنى بإبهام يدك اليمنى.

3- تنفس بعمق من خلال فتحة أنفك اليسرى.

4- الآن، أغلق فتحة أنفك اليسرى ببنصر يدك اليمنى، وحرِّر الإبهام.

5- أخرج الهواء عن طريق فتحة أنفك اليمنى.

6- كرر الخطوات السابقة مع الجهة الأخرى من الأنف.

والآن، بعد أن ذكرنا بعض أنواع تمارين التنفس الشهيرة، دعونا نُجِب عن أحد تساؤلاتكم المهمة: هل توجَد أضرار لهذه التمارين؟

أضرار تمارين التنفس

علمنا أن لتمارين التنفس فوائد عديدة، لكن هل توجَد لها أضرار؟ 

أضرار تمارين التنفس ليست أضرارًا بالمعنى المعروف، ولكنها تتمثل في بعض الصعوبات التي يواجهها الشخص في بداية ممارسته التمارين.

على سبيل المثال:

  • يمكن أن تسبب هذه التمارين ألمًا في الصدر لبعض الأشخاص.
  • يمكن أن تسبب ضيقًا في التنفس وسعالًا في بداية ممارستها. 

ختامًا، عزيزي القارئ…

التنفس السليم مهم للغاية من أجل سلامة جميع أجهزة جسمك، ويساعدك أيضًا على الاسترخاء والهدوء.

فاحرص على جعل تمارين التنفس جزءًا من روتينك اليومي، لكي تنعم بفوائدها المتعددة. 

المصدر
Stress Management: Breathing Exercises for RelaxationBreathing ExercisesThe Interrelationship of Breathing and SpeakingBreathing Exercises for Heart HealthPromoting Fluent Speech for Children Who StutterHow to breathe properly for better health10 Breathing Techniques21 Pros and Cons of Deep Breathing Exercises
اظهر المزيد

د. سارة شبل

سارة شبل، طبيبة أسنان وكاتبة محتوى طبي، شغوفة بالبحث والكتابة منذ الصغر، أسعى إلى تبسيط العلوم الطبية وأتوق إلى إثراء المحتوى العلمي العربي، لكي يتمكن يومًا ما من منافسة نظيره الأجنبي بقوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى