ترياق الأمراض النفسية

تمارين اليقظة الذهنية| لحظة لنفْسك من فضلك!

ما زلت أتذكر ذلك اليوم عندما دخلت عليَّ أمي -رحمها الله- وأنا أبكي بسبب مشكلة في العمل، فجاءتني بكأس ماء، وقالت لي: 

«احملي هذه الكأس»، فحملتها، فأردفت قائلة:

«أنتِ الآن تستطيعين حمل هذه الكأس… ولكن إلى متى؟!

إن حملتِها دقيقةً فلن يسبب ذلك مشكلة…

وإن حملتِها ساعةً، فحتمًا ستؤلمكِ ذراعكِ…

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

 ولكن إن حملتِها يومًا كاملًا، فسيعوقكِ ذلك عن فعل كل شيء…

هكذا هي ضغوط الحياة، مثل هذه الكأس تمامًا، إذا انشغلتِ بها طوال الوقت فستشعرين بالعجز ولن تتمكني من إنجاز أي شيء!»

وأنتَ عزيزي القارئ، فلتدَع كأس القلق جانبًا، ولتمنح نفْسك الفرصة لتجربة تمارين اليقظة الذهنية!

مفهوم اليقظة الذهنية

اليقظة الذهنية هي فن الوعي وتمام إدراك اللحظة الراهنة دون التفكير في أحداث الماضي ومحاولة تفسيرها أو التنبؤ بالمستقبل والحكم عليه، مما يخلق حالة من التناغم الممتع بينك وبين مشاعرك وعقلك.

تحولت حياتنا في هذا العالم المزدحم إلى حلَبة منافسة كبيرة نواجه فيها ضغوط الحياة في إطارٍ سريعٍ يشتت أفكارنا وعواطفنا، يصعب معه الوصول إلى السلام النفسي.

هنا، يأتي دور تمارين اليقظة الذهنية في تفريغ عقلك وسط جنون يومك المحموم.

الوصايا الذهبية لتمارين اليقظة الذهنية

  • أبشر… فتمارين اليقظة الذهنية متاحة لنا في كل لحظة، ولا يتطلب الأمر منك سوى بعض الوقت لنفْسك.
  • توقف… عِش اللحظة الحالية، ولا تسمح لأفكارك بالغرق في المستقبل أو الماضي. 
  • راقب مشاعرك، وركز تمامًا على ما تفعله في اللحظة الراهنة. 
  • استعد تركيزك وعُد سريعًا إذا تشتت ذهنك خلال التمرين.
  • تقبل اللحظة الحالية بكل ما فيها، ستجد نفسك أكثر هدوءًا وإدراكًا.

ستة تمارين رئيسة من تمارين اليقظة الذهنية

ابدأ بالتنفس بسهولة وبطء، واسمح لأفكارك بالتدفق من تلقاء نفسها، وكُن في الوقت ذاته مراقبًا لها. 

ركز وعيك على مسار أنفاسك وهي تملؤك بالحياة في الشهيق، ثم راقبها وهي تشق طريقها خروجًا في الزفير.

إذا كنت قد استمتعت بدقيقة واحدة من هذا التمرين المهدئ، فلماذا لا تجرب دقيقتين أو ثلاث؟!

  •  الملاحظة اليقظة:  

يبدو هذا التمرين سهلًا، ولكنه قوي للغاية.

كل ما عليك هو أن تختار شيئًا من الطبيعة، وتحاول التركيز باسترخاء على استكشافه بصريًا والتواصل معه مدة دقيقة أو دقيقتين، وكأنك تراه أول مرة.

  • الإدراك الحسي اليقظ

صُمم هذا التمرين لتنمية الوعي للمهام الحسية اليسيرة.

توقف، واستشعر ما تفعله، بدلًا من أدائه كإنسان آلي. 

فعندما تجلس على مائدة الطعام ركز لحظة، وتأمل الطعام وهيأته، وتحسسه بيديك، واملأ أنفك برائحته، ثم ابدأ في تذوقه.

  •  الاستغراق اليقظ: 

الهدف من هذا التمرين الهروب من حصار المهام الروتينية اليومية، فبدلًا من رغبتك في إنهاء مهمة التنظيف اليومية بسرعة لإنجاز شيء آخر، أنجز هذه المهمة بأسلوب جديد يأخذك معها إلى أبعد من كونها مجرد روتين. 

استشعر خطوات قدميك عند كنس الأرضية، وتحسس عضلات يديك التي تستخدمها عند تنظيف الأطباق… 

من يدري؟! فربما تستمتع بالتنظيف ولو مرة واحدة!

  •  التقدير الواعي: 

كل ما عليك فعله في هذا التمرين هو تقديم الشكر والتقدير لأشياء مهمة في حياتك يندر أن تفكر فيها وَسط رغباتك في أشياء أكبر وأفضل.

  • تمرين مسح الجسم: 

استلقِ على ظهرك ومُد رجليك واجعل ذراعيك على جانبيك، ركز انتباهك ببطء وبتعمد على كل جزء من جسمك بالترتيب من الرأس إلى أخمص القدمين. 

كن مدركًا لأي أحاسيس أو أفكار مرتبطة بأي جزء من جسمك.

لماذا عليك ممارسة تمارين اليقظة الذهنية؟

عزيزي القارئ…

إن ممارسة تمارين اليقظة الذهنية لا تعني بالضرورة إيقاف أفكارك تمامًا والهروب من مشكلاتك، وليست هي الحل السحري لها، إنما هي وسيلة إيجابية تتركز أهميتها في:

  • تقليل توترك ومساعدتك على استجماع قواك العقلية والعاطفية والجسدية، لتحقيق الهدوء النفسي في مواجهة تحديات الحياة.
  • تمكنك من السيطرة على نفسك وعلى الدافع وراء بعض العادات السلبية، وتساعدك على التخلص منها.
  • يلجأ إليها الأطباء النفسيون لعلاج بعض الأمراض النفسية، مثل: 

– الأرق.

– الاكتئاب.

– اضطراب الوسواس القهري.

تُستخدم أيضًا في منظومة العلاج المعرفي السلوكي.

  • أشارت بعض الدراسات إلى أهمية استخدامها في المساعدة على علاج بعض الأمراض الجسدية، مثل: 

– ارتفاع ضغط الدم.

– متلازمة القولون العصبي.

يمكننا القول إنه من خلال الممارسة المنتظمة لتمارين اليقظة الذهنية ستلاحظ تغيرًا واضحًا في عقليتك، وفهمًا عميقًا لنفسك، وتحررًا ملموسًا من سجن التفكير النمطي.

أسمعك تتساءل:

كم تستغرق ممارسة تمارين اليقظة الذهنية؟

اختلفت الآراء، ولكن في النهاية اتفق الأطباء النفسيون على أن التجربة هي الطريقة الوحيدة الفعالة لمعرفة المدة الزمنية المثلى لممارسة تمارين اليقظة الذهنية وتحقيق المرجو منها. 

نصيحتي لك، عزيزي اليقظ:

ابدأ بمدد قصيرة مع زيادتها تدريجيًا، وأوصيك أيضًا بتجربة أنواع متعددة من التمارين وتدوين ما تشعر به قبل التمرين وبعده.

الوجه الآخر لممارسة تمارين اليقظة الذهنية

قد تحدث بعض السلبيات نتيجة خلل في تطبيق التمرين أو الاستغراق في تأديته، مثل الشعور بالضغط بسبب التركيز الشديد مع ذاتك، ومن ثم تشعر بزيادة التوتر والاكتئاب.

لذا، فمن الأفضل ممارسة تمارين اليقظة الذهنية تحت إشراف متخصص أو مع “مجموعة تأمل” تشاركك الأهداف ذاتها. 

وعند استخدامها لعلاج اضطراب ما، يجب أن يكون ذلك تحت إشراف الطبيب النفسي.

وأخيرًا، يا عزيزي…

كن واعيًا، فاللحظة ربما تُغيِّر يومك، واليوم سيغير حياتك بالتأكيد.

فلا تتخلَّ عن نفْسك، وإنما خُذ بيدها، وكن قويًّا من أجلها!

بقلم: شيماء محمد سمير

المصدر
مصدر 1مصدر 2مصدر 3
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى