ترياق الأسرة

تمرد المراهقين | أنا حر!

“لن يملي عليَّ أحد ما أفعله. أنا مستقل وراشد!”

حين تجد ابنك المراهق يدخل البيت في ساعة ليل متأخرة فتوجهه للرجوع مبكرًا، لكنك تسمع هذا الرد يخرج من فمه، فلا تدري كيف خرجت هذه الكلمات!

إنه يا عزيزي تمرد المراهقين…

تابعنا في هذا المقال لنتعرف أكثر عنه، وعن أشكاله، وعن خطوات معالجته.

مفهوم التمرد لدى المراهقين

تعد المراهقة من أدق المراحل العمرية التي تمر بالإنسان؛ إذ يحاول فيها الفرد الوصول إلى النضج الجسدي والعقلي والخلقي والاجتماعي، وينتقل من الطفولة إلى الرشد.

ومكمن الخطر في هذه المرحلة هو ما يتعرض له الإنسان من تغيرات داخلية، وما يواجهه من صراعات في جبهات الحياة كافة.

ويعد التمرد من أكثر الأعراض التي تصاحب مرحلة المراهقة، فالمراهق في تلك المرحلة العمرية يبدأ في التذمر والعصبية الزائدة التي قد تصل إلى حد تطاوله على والديه. 

يعرف علماء النفس “تمرد المراهقين” على أنه سلوك يتبناه المراهقون من أجل تطوير هوية مستقلة عن والديهم أو عائلاتهم، واكتساب القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة، واختبار السلطة.

وعلى الرغم من أن الشاب المراهق يعتقد أن التمرد هو فعل استقلال، فإنه في الواقع ليس كذلك أبدًا. بل هو فعل تبعية؛ إذ يجعل الشاب يعتمد على تعريفه لذاته وسلوكه الشخصي على عكس ما يراه الآخرون.

أسباب التمرد على الوالدين 

أسباب التمرد على الوالدين

لفهم أسباب تمرد المراهقين، علينا الاستعانة بعلم وظائف الأعضاء والطب النفسي.

تود الحصول على المزيد من المقالات المجانية على ترياقي؟ اشترك الآن ليصلك كل جديد!

تغيرات في الدماغ

خلال سنوات المراهقة، تعاد هيكلة منطقة في الدماغ تقع خلف الجبهة وتسمى قشرة الفص الجبهي، وهي مسؤولة عن إدارة العواطف، واتخاذ القرارات، والتحكم في الانفعالات

فبينما لا يرى الأطفال الصغار عيوبًا في والديهم، يرى المراهقون العالم فجأة أكثر واقعية، بل يبنون -في خيالهم- نموذجًا مثاليًا لما يجب أن يكون عليه الآباء.

يمكن للهرمونات التي تنتج خلال التغيرات الجسدية في أثناء مرحلة المراهقة أن تزيد الأمور تعقيدًا. 

هذه الاختلافات البيولوجية لا تعفي المراهقين من السلوك السيئ، لكنها قد تساعد على تفسير سبب تصرف المراهقين باندفاع،
أو استياء الآباء والمعلمين بسبب تمردهم.

أعراض تمرد المراهقين وتبعاته

عادة ما ينزعج الآباء من تمرد المراهقين؛ ليس فقط لأنه يسبب المزيد من المقاومة للتوجيه والنصح، ولكن لأن تمردهم يمكن أن يؤدي في النهاية إلى أذى -غير متعمد- لأنفسهم.

أشكال التمرد كثيرة ومتنوعة، وتظهر جلية في حياة المراهق يلاحظها أفراد أسرته ومجتمعه:

  • تمرد الشباب على نمط حياتهم، ورفض اهتمامات وأنشطة الطفولة والعلاقات التي تدعم احترام الذات.
  • الانخراط في سلوكات انهزامية ذاتية ومدمرة للذات، مثل: رفض القيام بعمل مدرسي، أو حتى إيذاء أنفسهم جسديًا.
  • الإقدام على أفعال عالية الخطورة؛ بدافع التجربة والإثارة، ورفضهم لقواعد الأمن والسلامة.

أشكال التمرد باختلاف المراحل العمرية 

تمرد المراهقين له أشكال متنوعة، تختلف تبعًا للمرحلة العمرية التي يمر بها الشاب.

التمرد في المراهقة المبكرة (من سن التاسعة إلى سن الثالثة عشر)

“لم أعد طفلًا بعد الآن. أنا كبير!”

يبدأ تمرد المراهقين عادةً في بداية فترة المراهقة، وحينها يعتقد الكثير من الآباء أنها معارضة ضد نصحهم وتوجيههم. 

ولكنهم مخطئون…

فالتمرد في هذه المرحلة المبكرة هو في الأساس عملية يرفض من خلالها الشاب هويته القديمة “الطفل” التي يريد التخلص منها الآن؛ لتمهيد الطريق أمامه لمعاملته معاملة الكبار. 

التمرد في منتصف المراهقة (من سن الثالثة عشر إلى سن الخامسة عشر)

“أفعل ما يتراءى لي، دون تدخل من أحد!”

في منتصف فترة المراهقة وخلال أواخر سنوات المرحلة الإعدادية، تدور معظم أفعال التمرد حول صنع التمايز المطلوب لتجربة الهوية، والمعارضة اللازمة لتحقيق الاستقلالية.

في هذه الفترة لا يستجيب المراهق لما يقوله الوالدان، وربما يضع نصائح أصدقائه وأقرانه فوق تعليمات والديه.

التمرد في المراهقة المتأخرة (من سن الخامسة عشر إلى سن الثامنة عشر)

ترى كثيرًا من حركات التمرد في فترة الثانوية؛ وذلك نتيجة لتأخر مرحلة المراهقة، إذ يتمرد الشاب أخيرًا لتحرير نفسه من الاعتماد على موافقة الوالدين من أجل الحصول على استحسانهما. 

قد يحتاج هؤلاء الشباب إلى مزيد من الاستقلال يدفعهم نحو عالم جديد يلوح في الأفق؛ وذلك للحصول على الحرية المنشودة.

التمرد على السلطة الذاتية (من سن الثامنة عشر إلى سن الثالث والعشرين)

“لن يأمرني أحد. ولا حتى أنا!”

يبدأ التمرد في بداية المراهقة عندما يقاوم الشاب السلطة الأبوية، وتنتهي في المرحلة الأخيرة من المراهقة مع مقاومة الشاب للسلطة الشخصية.

فبعد أن خلع السلطة الأبوية لقيادة حياته واستبدل سلطته الخاصة بها، وجد نفسه متمردًا ضد نفسه!

فمثلًا، يدرك الشاب -جيدًا- أنه يجب أن يصل إلى العمل في الوقت المحدد، لكنه لا يهتم بالاستيقاظ مبكرًا…

وهكذا.

علاج تمرد المراهقين

نعرض لك في هذه الفقرة طرقًا لعلاج تمرد الأبناء، ومساعدتهم في أن يصبحوا أكثر احترامًا ومسؤولية في فترة المراهقة.

1. كن محددًا: حدد بالضبط سلوكاته غير المقبولة

هناك العديد من السلوكات المزعجة التي يمارسها ابنك المراهق، فمثلًا: قد لا تعجبك الملابس التي يرتديها، أو قد لا تحب الفوضى في غرفة نومه.

إذا تفاعلت مع كل سلوك وظللت تنتقد ابنك المراهق باستمرار، فإن علاقتك معه ستنحدر إلى طريق اللاعودة.

إضافة إلى أنه عندما تسجل رفضك لسلوكه غير المقبول، فلن يعيرك انتباهه؛ لأنه وبمرور الوقت سيراك أبًا غير سعيد به وغير راض في كل الأحوال.

لذلك من الضروري أن تكون واضحًا بشأن الاختلاف بين السلوكات المزعجة وتلك غير المقبولة.

أو بعبارة أخرى، عليك أن تختار معاركك معه.

2. تقبل حقيقة أن ابنك المراهق ليس مثاليًا

يمكن أن يتخذ الإفراط في سلوك الأبوة أشكالًا عديدة، وأحد مظاهره الشائعة هو توقع الكثير من ابنك المراهق.

ولأننا مجبولون على حماية أطفالنا ورعايتهم، فمن الطبيعي أن يرغب الآباء في الحصول على الأفضل لأبنائهم المراهقين باعتبارهم “ماس خام” يحتاج إلى الصقل.

لكن هذه الرغبة يمكن أن تتحول بسهولة إلى شيء سلبي، فقد تؤدي تطلعات الوالدين العالية إلى الهوس بالكمال؛ وهذا بدوره يمكن أن يجعل ابنك المراهق يشعر بالاختناق والتحكم.

لذا فمن المهم تذكر أن ابنك المراهق في طور الانطلاق إلى العالم، يتوق إلى الاستقلال والحكم الذاتي.

أعلم أنه من الصعب ألا تقلق بشأن مستقبل ابنك المراهق، ولكن يجب أن توازن بين هذا القلق وحاجة ابنك المراهق إلى أن يصبح سيد نفسه، لا يتحكم به أحد.

اقرأ أيضًا: الاهتمام الزائد بالآخرين/ عندما يقتل الحب.

3. ركز على قضية واحدة فقط في كل مرة

قد يُظهر ابنك المراهق العديد من السلوكات الإشكالية. ولكن إذا حاولت التعامل معها جميعًا مرة واحدة، فسيكون من الصعب معالجة أي سلوك واحد بشكل فعال.

لذا، فعند التعامل مع السلوك المتمرد لابنك المراهق، ركز على قضية واحدة في كل مرة.

من الأفضل البدء بمعالجة السلوكات الصعبة واحدًا تلو الآخر، وعادةً ما يفضَّل أن تبدأ بالمشكلات الصغرى ثم الانتقال إلى المشكلات الكبرى.

بهذه الطريقة، سيكون التركيز واضحًا، وستتجنب إرباك ابنك المراهق.

4. عند إجراء محادثة جادة مع ابنك المراهق، حاول أن تجعلها خارج المنزل

ربما يرى ابنك المراهق في منزلك مكانك الخاص الذي تتمتع فيه بكل القوة. لذا، فمن الأفضل إجراء المحادثة معه على أرض محايدة، مثل: المقهى أو المطعم أو الحديقة.

بهذه الطريقة، سيكون ابنك أكثر انفتاحًا على المناقشة البناءة، كما أنها ستثبط العودة اللاشعورية إلى المواقف المتمردة.

5. ناقش مع ابنك كل الحلول الممكنة 

تأكد من أن محادثتك معه تركز على حل المشكلات، وامنحه إحساسًا حقيقيًّا بأنه جزء من عملية إيجاد حل لها، وتجنب تحويل الاجتماع إلى مونولوج تحتكر فيه الحديث وحدك.

سيصنع هذا جوًا إيجابيًا يمكن للطرفين اقتراح الحلول الممكنة للمشكلة.

6. تأكد من انتهاء النقاش بشكل يرضيكما 

تأكد من أن المناقشة تنتهي بموقف يربح فيه الجميع (أنت وابنك)، وذلك بمساعدة ابنك في الشعور بأن صوته مسموع ورأيه مهم؛ للوصول إلى نتائج يتفق عليها كلاكما.

إذا شعر المراهق بمشاركته الفعالة في المناقشة، فمن المرجح أن يحاول الوصول إلى حلول ويلتزم بها.

7. لا تحكم على ابنك 

تجنب الإدلاء بأحكام عامة حول سلوك ابنك المراهق أو على اختياراته، وتجنب العبارات التي تبدأ بكلمات مثل: “أنت دائمًا …”.

هذه العبارات عامة جدًا، وستضع ابنك في موقف دفاعي، كما أن النقد المتكرر سيدفع ابنك المراهق نحو السلوك المتمرد.

اقرأ أيضًا: فن التعامل مع المراهقين.

وعلى عكس الأجيال السابقة، يمتلك المراهقون اليوم وسائل التواصل الاجتماعي التي يصعب عليك -كأب- مراقبتها، وهو ما يعد مناسبًا لسلوك التمرد. 

ومعرفة أن ابنك المراهق يتصرف بشكل غير لائق أو ينخرط في سلوك يحتمل أن يكون خطيرًا عبر الإنترنت يمكن أن يترك لديك شعورًا بالضيق وعدم السيطرة.

لكن الشيء الأهم الذي يجب أخذه في الاعتبار هو أن تحقيق التوازن بين العلاقة الصحية مع ابنك المراهق، والحاجة إلى جعله يشعر بالأمان الكافي للتعبير عن نفسه، هو الهدف الأساسي في إدارة السلوك غير المقبول، والخروج من بوتقة سنين المراهقة إلى عالم الراشدين.

المصدر
Rebel with a Cause: Rebellion in AdolescenceTeenagers: Why Do They Rebel?Teenage Rebellion Isn't What it Used to Be — Here's How to Deal
اظهر المزيد

د. محمود الرزاز

محمود الرزاز، صيدلي اكلينيكي، و أخصائي معلومات طبية، استمتع بالبحث عن الدليل العلمي، ومهتم بوصول المعلومات الطبية الحديثة للقاريء بلغة بسيطة و مفهومة، في ظل فوضى انتشار المعلومات غير الدقيقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى